|
|
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج٦
ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 16:15
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الإمبريالية الشبكية وإعادة تعريف السيادة من السيطرة على المجال إلى السيطرة على البنية إذا كانت الإمبريالية الصناعية قد أعادت تشكيل العالم حول المصنع والسوق الوطنية والدولة القومية، فإن الرقسمالية تعيد تشكيله حول الشبكة والتدفق والبنية الرقمية العالمية. ولهذا فإن أحد أعمق التحولات التي ترافق الانتقال من الإمبريالية الصناعية إلى الرقسمالية لا يتعلق بالحرب أو الاقتصاد فقط، بل يتعلق بمفهوم السيادة نفسه. فالسيادة ليست مفهومًا ثابتًا عبر التاريخ. إنها تعبير عن الكيفية التي تُنظَّم بها السلطة داخل مرحلة تاريخية معينة. ولهذا فإن تغير البنية الاقتصادية والتكنولوجية للعالم يؤدي بالضرورة إلى تغير الأشكال التي تُمارَس عبرها السلطة والهيمنة والاستقلال. ومن هنا لا يمكن فهم التحولات الراهنة إذا جرى التعامل مع السيادة بوصفها مفهومًا قانونيًا مجردًا أو مبدأً سياسيًا ثابتًا. فكما أن الدولة القومية الحديثة كانت نتاجًا لتحولات تاريخية محددة، فإن السيادة التي ارتبطت بها كانت بدورها نتاجًا لشروط اقتصادية واجتماعية وتقنية معينة، لا حقيقة أبدية خارج التاريخ. لقد نشأت السيادة الحديثة في ظل صعود الرأسمالية الصناعية والدولة القومية. ففي تلك المرحلة كان الإنتاج يتم أساسًا داخل حدود وطنية واضحة نسبيًا، وكانت الأسواق الوطنية تشكل الإطار الرئيسي للتراكم الاقتصادي، وكانت الجيوش والمؤسسات والإدارات تعمل ضمن مجال جغرافي محدد يمكن للدولة السيطرة عليه بدرجات متفاوتة. ولهذا ارتبط مفهوم السيادة تاريخيًا بالقدرة على التحكم بالمجال. أي السيطرة على: الأرض؛ والحدود؛ والسكان؛ والموارد؛ والإنتاج؛ والعنف المشروع. وكانت الدولة التي تنجح في فرض سلطتها على هذا المجال تُعد دولة ذات سيادة. وقد انعكس هذا التصور في مجمل الفكر السياسي الحديث. فسواء تحدثنا عن الدولة الليبرالية أو الدولة القومية أو الدولة الاشتراكية، بقيت السيادة تُفهم باعتبارها قدرة الدولة على السيطرة على الحيز الذي يقع داخل حدودها. لكن هذا التصور كان مرتبطًا ببنية عالمية معينة. ففي عصر الإمبريالية الصناعية كانت القوة ترتبط أساسًا بالسيطرة على المجالات الجغرافية. كانت الإمبراطوريات تتوسع عبر احتلال الأراضي، والسيطرة على الموانئ، والتحكم بالطرق التجارية، والاستحواذ على الموارد الطبيعية. وكانت المنافسة بين القوى الكبرى تدور حول توسيع نطاق المجال الخاضع لسيطرتها المباشرة أو غير المباشرة. ولهذا كانت الإمبريالية في صورتها الكلاسيكية إمبريالية مجال. كانت السيطرة تعني: السيطرة على الأرض؛ والسيطرة على السكان؛ والسيطرة على الموارد؛ والسيطرة على الأسواق. وكان التوسع الجغرافي يمثل التعبير الأكثر وضوحًا عن القوة. لكن التحولات التي أنتجتها العولمة ثم عمقتها الرقسمالية بدأت تدريجيًا بإضعاف مركزية المجال الجغرافي بوصفه المصدر الوحيد أو الرئيسي للسلطة. فالعالم لم يعد يتكون من وحدات وطنية منفصلة ترتبط ببعضها عبر التجارة أو الدبلوماسية فقط، بل تحول إلى شبكة كثيفة من التدفقات المتشابكة. فالبضائع تعبر الحدود بصورة مستمرة؛ ورؤوس الأموال تتحرك لحظيًا بين القارات؛ والبيانات تنتقل عبر شبكات عالمية لا تعترف بالحدود السياسية التقليدية؛ وسلاسل الإنتاج أصبحت موزعة على عشرات الدول؛ والاقتصاد الحديث بات يعتمد على بنى تحتية رقمية عابرة للحدود بصورة غير مسبوقة. ومن هنا بدأ مركز الثقل التاريخي ينتقل تدريجيًا من المجال إلى البنية. وهذه هي النقطة الجوهرية التي تميز الرقسمالية عن الإمبريالية الصناعية. ففي الإمبريالية الكلاسيكية كان السؤال الأساسي هو: من يسيطر على الأرض؟ أما في الرقسمالية فيصبح السؤال: من يسيطر على البنية التي تجعل الأرض قادرة على العمل داخل النظام العالمي؟ فالمدينة الحديثة لا تعمل فقط لأنها موجودة على أرض معينة، بل لأنها مرتبطة بشبكات كهرباء واتصالات وتمويل ومعلومات ونقل وسحابة رقمية وأنظمة تشغيل. والاقتصاد لا يعمل فقط لأنه يمتلك مصانع أو عمالًا أو موارد، بل لأنه متصل بشبكات الدفع والبيانات والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية. ولهذا فإن السيطرة على البنية تصبح أكثر أهمية أحيانًا من السيطرة على المجال ذاته. ففي الماضي كان احتلال ميناء استراتيجي يعني السيطرة على حركة التجارة المرتبطة به. أما اليوم، فقد تستطيع قوة ما التأثير في ذلك الميناء دون أن ترسل جنديًا واحدًا إليه، إذا كانت تسيطر على: أنظمة الدفع؛ وشبكات التأمين؛ والمنصات اللوجستية؛ والبنية الرقمية التي تنظم حركة التجارة. أي أن السلطة تنتقل تدريجيًا من السيطرة المباشرة إلى السيطرة البنيوية. ومن هنا تبدأ الإمبريالية الشبكية بالظهور. فالإمبريالية الشبكية لا تقوم أساسًا على احتلال المجال، بل على احتلال البنية. إنها لا تسعى دائمًا إلى السيطرة على الأرض بقدر ما تسعى إلى السيطرة على الشروط التي تجعل الأرض جزءًا من النظام العالمي. ولهذا تصبح العقد المركزية داخل الشبكات العالمية أكثر أهمية من كثير من المجالات الجغرافية التقليدية. فالسيطرة على: أنظمة التشغيل؛ والبنية السحابية؛ والرقائق الإلكترونية المتقدمة؛ والمنصات الرقمية؛ وشبكات الدفع؛ وممرات البيانات العالمية؛ قد تمنح نفوذًا يفوق أحيانًا ما تمنحه السيطرة على مساحات جغرافية واسعة. ومن هنا تظهر إحدى أهم مفارقات الرقسمالية. فالعالم يبدو أكثر استقلالًا من الناحية السياسية، لكنه قد يكون أكثر اعتمادًا من الناحية البنيوية. فاليوم يوجد عدد كبير من الدول المستقلة قانونيًا وسياسيًا مقارنة بالمراحل الاستعمارية السابقة. لكن كثيرًا من هذه الدول يعتمد بصورة عميقة على بنى لا يسيطر عليها. قد تمتلك الدولة: العلم؛ والدستور؛ والجيش؛ والحكومة؛ لكنها تعتمد في الوقت نفسه على: أنظمة تشغيل أجنبية؛ وشبكات مالية أجنبية؛ وبنية سحابية أجنبية؛ ورقائق أجنبية؛ ومنصات أجنبية. وهنا تبدأ السيادة التقليدية بفقدان جزء من معناها التاريخي. فالدولة قد تملك سيادة قانونية كاملة، لكنها لا تملك سيادة فعلية كاملة على الشروط التي يقوم عليها اقتصادها ومجالها الرقمي وتدفقاتها المالية. ومن هنا لا تنتج الرقسمالية نهاية الدولة كما افترضت بعض التصورات المبكرة للعولمة. فالدولة ما تزال الفاعل الرئيسي في: التشريع؛ والضرائب؛ والحرب؛ والأمن؛ وإدارة المجال السياسي. لكنها لم تعد الفاعل الوحيد. وهذه نقطة أساسية لفهم الإمبريالية الشبكية. فالرقسمالية لا تستبدل الدولة بالشركة، ولا تلغي السياسة لصالح التكنولوجيا، بل تعيد تنظيم هرم السلطة العالمي. فإلى جانب الدولة تظهر مراكز قوة جديدة: الشركات التكنولوجية العملاقة؛ والمنصات الرقمية؛ وشبكات التمويل العالمية؛ ومشغلو البنية السحابية؛ ومنتجو المعايير التقنية. ولا تعمل هذه القوى خارج الدولة، كما لا تعمل الدولة خارجها، بل تنشأ بين الطرفين علاقات معقدة من التعاون والتنافس والاعتماد المتبادل. ولهذا فإن السلطة في عصر الرقسمالية تصبح موزعة داخل شبكة واسعة من الفاعلين، بدل أن تبقى متمركزة بصورة كاملة داخل الدولة القومية. لكن التحول الأهم لا يتعلق بتوزيع السلطة فقط، بل بإعادة إنتاج التبعية. فإذا كانت الإمبريالية الصناعية قد أنتجت التبعية عبر: الاحتلال؛ والاستعمار؛ والسيطرة على الموارد؛ والهيمنة التجارية؛ فإن الرقسمالية تنتج التبعية عبر الاعتماد الشبكي. وهنا يظهر الشكل الجديد للعلاقة الإمبريالية. فالدولة قد تكون مستقلة رسميًا، لكنها لا تستطيع العمل بكفاءة دون الوصول إلى: الشبكات المالية العالمية؛ والتقنيات المتقدمة؛ والرقائق الإلكترونية؛ والبنية السحابية؛ والمنصات الرقمية؛ والتدفقات المعلوماتية. وبالتالي فإن السيطرة على هذه البنى تمنح القوى المهيمنة قدرة هائلة على التأثير دون الحاجة إلى الاحتلال المباشر. ومن هنا يمكن فهم العقوبات الحديثة بوصفها تعبيرًا عن هذا التحول. فالعقوبة لم تعد تعني فقط منع التجارة أو فرض الحصار التقليدي، بل قد تعني: العزل عن النظام المالي؛ والحرمان من التكنولوجيا؛ وقطع الوصول إلى البرمجيات؛ وتعطيل سلاسل الإمداد؛ والحد من الوصول إلى البنية الرقمية العالمية. أي أن القوة لم تعد تُمارس فقط عبر السيطرة على الأرض، بل عبر التحكم بدرجة اتصال الآخرين بالعالم. وهكذا تعيد الرقسمالية تعريف معنى الاستقلال نفسه. فالاستقلال لم يعد يعني فقط حماية الحدود أو امتلاك الجيش أو إدارة الاقتصاد الوطني، بل أصبح يعني أيضًا امتلاك قدر من السيطرة على البنية التي يقوم عليها الوجود الاقتصادي والتكنولوجي للمجتمع. ولهذا تتزايد أهمية مفاهيم مثل: السيادة الرقمية؛ والسيادة التكنولوجية؛ والسيادة المعلوماتية؛ والاستقلال الشبكي. لكن أهمية هذه المفاهيم لا تكمن في بعدها التقني فقط، بل في كونها تعبر عن محاولة تاريخية لاستعادة جزء من السيادة التي بدأت تنتقل من المجال إلى البنية. وبهذا المعنى، فإن الإمبريالية الشبكية لا تمثل مجرد تحديث تقني للإمبريالية القديمة، بل تمثل تحولًا في منطق الهيمنة نفسه. فالقوة لم تعد تقوم أساسًا على السيطرة على المجال الجغرافي، بل على السيطرة على البنية التي تنظم ذلك المجال. والسيادة لم تعد تعني فقط حكم الأرض، بل القدرة على التحكم بالشبكات التي تجعل الأرض جزءًا من العالم. ولهذا فإن الصراع المركزي في عصر الرقسمالية لا يدور فقط حول من يملك الموارد أو الجيوش أو الأسواق، بل حول من يملك البنية التي تجعل كل ذلك قابلًا للعمل. ومن هنا يصبح السؤال الاستراتيجي الأهم في القرن الحادي والعشرين ليس فقط: من يسيطر على العالم؟.. بل ماهي بنيوية السلطه العالميه
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٥
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٤
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.. ج٣
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه... ج٢
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه
-
من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟
-
علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟
-
إسرائيل تسابق الزمن: كيف تحوّل ترامب إلى آخر نوافذ النظام ال
...
-
من التحالفات الصلبة إلى الشبكات الهجينة: الاقتصاد الرقمي وإع
...
-
قمة بكين مايو 2026: اختبار حدود الاحتواء الأمريكي في مواجهة
...
-
ترامب يتقصد الفشل في إدارة الحرب: طموح استراتيجي أم خلل وظيف
...
-
الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً
...
-
الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة
...
-
الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة
...
-
حرب إيران: الغموض السياسي بين ترامب وطهران، يُغذّي مضاعفة أر
...
-
حرب بلا حقيقة: كيف تحوّلت المواجهة بين إيران والولايات المتح
...
-
من الحرب الشاملة إلى شمول الصراع: جدل المفهوم في المواجهة مع
...
-
لماذا دخلت باكستان الآن للوساطة بين إيران وأمريكا؟ السر الخف
...
-
الغموض الاستراتيجي في تجنب الجزر الإيرانية: تحليل لحرب مضيق
...
-
الصواريخ متعددة الرؤوس: حين يتحول السلاح إلى قرار دولي مؤجل
المزيد.....
-
منافس بورنهام الوحيد ينسحب من سباق رئاسة الوزراء البريطانية
...
-
العدد 660 من جريدة النهج الديمقراطي
-
المؤسسات الإسلامية في أوروبا بين الاندماج والتأثير الخارجي:
...
-
ترامب يركز حملته الانتخابية على مناهضة الشيوعية فيما تُوجه ا
...
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
-
ترامب يثير الجدل بتصريحاته عن الشيوعية ولينين: كنت سأكون أعظ
...
-
What Is Humanitarian Education and Does It Help Build Peace?
...
-
Demagogue Stunt: Nigel Farage’s by-Election Gambit
-
Understanding NATO’s Purpose — And Why the Hormuz Dispute Fa
...
-
The Balkans’ Future Caught Between America, Europe, and Turk
...
المزيد.....
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
المزيد.....
|