|
|
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٥
ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 02:52
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
المختصر الموجز ينطلق هذا البحث من محاولة قراءة التحول التاريخي الذي طرأ على الإمبريالية، لا بوصفه انتقالًا من الرأسمالية إلى نظام اقتصادي جديد، وإنما بوصفه تحولًا في أداة الهيمنة، وبنية التراكم، وشروط ممارسة القوة. ومن هذا المنظور، فإن «الرقسمالية» لا تشير إلى مجرد رقمنة الرأسمالية، ولا إلى نشوء اقتصاد إنتاجي منفصل عن الاقتصاد المادي، بل إلى طور تاريخي تتغير فيه آليات الإمبريالية من السيطرة المباشرة على المجال والموارد إلى السيطرة المتزايدة على البنى والشبكات والتدفقات التي تجعل النظام العالمي قادرًا على العمل. ولا يعني ذلك أن الصناعة أو العمل أو الإنتاج المادي قد فقدت أهميتها، بل إن الرأسمال يعيد تموضعه فوقها، ساعيًا بصورة متزايدة إلى امتلاك المواقع الاستراتيجية التي تنظم حركة الإنتاج والتبادل والاستهلاك. ومن هنا يصبح التمييز بين الإنتاج الرقمي والتراكم الرقمي ضروريًا؛ فبعض الأنشطة الرقمية إنتاجية بالفعل، لكن جانبًا متزايدًا من التراكم الرقسمالي يقوم على امتلاك البنية الاحتكارية التي تسمح بالتحكم في النشاط الاقتصادي والاجتماعي واستخلاص الريع منه. وبذلك لا تكمن خصوصية الرقسمالية في أن العالم أصبح ينتج «رقميًا»، وإنما في أن الرأسمال أصبح قادرًا على الانتقال من امتلاك وسائل الإنتاج وحدها إلى امتلاك العقد والبنى التي تربط وسائل الإنتاج بالأسواق والمستهلكين والدول. ومن هنا يصبح الاقتصاد الرقمي، في جانبه الرقسمالي المهيمن، ليس بديلًا عن الاقتصاد المنتج، بل طبقة احتكارية تعلو عليه وتستمد جزءًا مهمًا من قوتها من التحكم في شروط عمله. 1. الإمبريالية لا تتغير عندما يتغير هدفها، بل عندما تتغير أداة الهيمنة من إمبريالية المجال إلى إمبريالية البنية التحول ليس ببساطة من إمبريالية قديمة إلى إمبريالية رقمية، وإنما من نمط تكون فيه السيطرة مرتبطة بالمجال والموارد والموقع الجغرافي، إلى نمط تصبح فيه السيطرة مرتبطة بالبنية التي تجعل المجال والموارد والتدفقات قابلة للعمل أصلًا. ولهذا تأتي الفكرة المركزية: الانتقال من السيطرة على العناصر إلى السيطرة على العلاقات التي تربط العناصر ببعضها. هنا تتحول الشبكة من مجرد وسيلة اتصال إلى موضوع للهيمنة، ويتحول امتلاك البنية إلى مصدر من مصادر القوة والتراكم. 2. من إنتاج القيمة إلى الاستحواذ الريعي عليها تكمن إحدى أهم التحولات التي تميز الرقسمالية في إعادة ترتيب العلاقة بين الإنتاج والتراكم. فالرأسمال الرقمي لا يحتاج بالضرورة إلى إنتاج كل السلع والخدمات التي تمر عبر بنيته لكي يستفيد منها. فمن يملك المنصة لا ينتج كل ما يجري فيها، ومن يملك البنية السحابية لا ينتج كل الخدمات التي تعتمد عليها، ومن يسيطر على أنظمة الدفع أو أنظمة التشغيل لا يكون منتجًا مباشرًا لكل النشاط الذي يمر من خلالها. إن مصدر القوة هنا هو امتلاك موقع احتكاري داخل الشبكة. ولهذا يصبح الريع عنصرًا متزايد الأهمية في التراكم الرقمي: رسوم الاستخدام، والعمولات، والإعلانات، والاشتراكات، وترخيص البرمجيات، والوصول إلى البنية السحابية، واحتكار أنظمة التشغيل، وبراءات الاختراع، والمعايير التقنية، فضلًا عن الاستفادة الاقتصادية من البيانات والقدرة على توجيه السلوك الاستهلاكي والإعلاني. ولا يعني وصف هذا التراكم بأنه ريعي وطفيلي أن الاقتصاد الرقمي يخلو من النشاط الإنتاجي، وإنما يعني أن قدرة الرأسمال على الاستحواذ قد تتجاوز مساهمته المباشرة في إنتاج القيمة التي يستولي على جزء منها. وهنا يظهر التمييز الحاسم بين: إنتاج القيمة و امتلاك الشروط التي تسمح باستخلاصها. فالبيانات والانتباه والتفاعل والنشاط الاجتماعي ليست، في حد ذاتها، بديلًا عن العمل المنتج، وإنما تصبح موارد يمكن للرأسمال احتكارها واستثمارها وتحويلها إلى أدوات للاستخلاص والسيطرة. 3. القوة لم تعد موجودة فقط في مركز النظام، بل في العقد التي لا يستطيع النظام العمل بدونها من مركز القوة إلى عقدة القوة لا تعود القوة مقصورة على ما تملكه الدول من قدرات عسكرية واقتصادية مباشرة، وإنما ترتبط أيضًا بموقعها داخل البنية التي يعتمد عليها الآخرون. فالدولة قد تكون قوية عسكريًا، ولكنها تعتمد على الرقائق، وأنظمة الدفع، والسحابة، والاتصالات، والبرمجيات، والمنصات، وسلاسل الإمداد. إذن لا تقاس القوة فقط بما تملكه الدولة، وإنما أيضًا بموقعها داخل البنية التي يعتمد عليها الآخرون. وهذا يجعل مفهوم العقدة أكثر أهمية من مفهوم المركز الجغرافي التقليدي. فالرقسمالية لا تحتاج إلى امتلاك كل عناصر النظام لكي تهيمن عليه؛ يكفيها أن تسيطر على بعض العقد التي لا يستطيع النظام العمل من دونها. 4. الخصومة لم تعد تعني الانفصال مفارقة الاعتماد المتبادل في النموذج القديم، كان من الممكن تصور العالم في صورة: معسكر × معسكر. أما في النظام الشبكي، فيمكن لدولتين أن تكونا في الوقت نفسه خصمين استراتيجيين، وشريكين اقتصاديين، ومتكاملين تكنولوجيًا، ومعتمدين على البنية نفسها. وهنا تظهر المفارقة: كلما اشتد التنافس، قد تزداد الحاجة إلى الشبكة المشتركة التي تجعل الانفصال الكامل أكثر كلفة. ومن هنا تظهر التحالفات الهجينة، حيث لا تختفي التناقضات، وإنما يعاد تنظيمها وإدارتها داخل شبكة من الاعتماد المتبادل. 5. النظام لا يحتاج دائمًا إلى حل التناقضات من إدارة التناقض إلى إدارة النظام النظام الشبكي يستطيع أحيانًا أن يستمر بوجود التناقض نفسه. فالتناقض بين القوى الكبرى لا يصبح بالضرورة أزمة يجب حلها، بل يمكن أن يتحول إلى شيء تتم إدارته عبر الاعتماد المتبادل، وإعادة التموضع، والعقوبات، والتحالفات الجزئية، وسلاسل الإمداد، والتنافس التكنولوجي. وهذا يفسر لماذا لا تؤدي كل مواجهة إلى قطيعة، ولماذا يمكن للصراع أن يستمر داخل البنية نفسها التي تجعل أطرافه مترابطة. 6. الحرب لم تعد بالضرورة تبحث عن نهاية الحرب الحرب بوصفها إدارة للتوتر في بعض الصراعات الشبكية، لا يصبح الهدف الحاسم هو تدمير الخصم، وإنما إبقاؤه داخل مستوى يمكن التحكم به من الصراع. أي أن الحرب يمكن أن تتحول من أداة للحسم إلى أداة لإعادة ضبط العلاقات داخل النظام. ولا يعني ذلك اختفاء الحرب التقليدية، بل يعني أن الحرب تصبح جزءًا من منظومة أوسع تشمل العقوبات، والضغط المالي، والتحكم في التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والاتصالات، والمعلومات. وهكذا تصبح الحرب نفسها جزءًا من إدارة الشبكة الدولية. 7. السيادة لم تختفِ، وإنما انفصلت عن السيطرة مفارقة السيادة البنيوية الدولة قد تكون ذات سيادة قانونية كاملة، لكنها لا تملك بالضرورة السيطرة على الشروط المادية التي تجعل سيادتها قابلة للممارسة. يمكن أن تمتلك: الأرض + الحكومة + الجيش + القانون لكنها تعتمد في عملها على: الرقائق + السحابة + أنظمة الدفع + الاتصالات + البرمجيات. وبذلك يظهر التمييز بين: السيادة القانونية و السيطرة البنيوية. وهنا لا تختفي الدولة، وإنما تتغير شروط ممارستها للسيادة. فالرقسمالية لا تستبدل الدولة بالشركة، ولا تلغي السياسة لصالح التكنولوجيا، وإنما تعيد توزيع القوة بين الدولة والشركات والمنصات وشبكات التمويل ومشغلي البنية الرقمية ومنتجي المعايير التقنية. 8. البنية التحتية أصبحت أداة سياسية واقتصادية البنية التحتية في التفكير التقليدي تبدو محايدة، لكن من يملك البنية التي تمر عبرها التدفقات يستطيع التأثير في التدفقات نفسها. ولهذا يصبح الكابل، والسحابة، والمنصة، ونظام الدفع، والرقاقة، ومركز البيانات، ليست مجرد أدوات اقتصادية، وإنما أصولًا استراتيجية وأدوات قوة سياسية وإمبريالية. ومن هنا تنتقل الإمبريالية من السيطرة على المجال إلى السيطرة على شروط عمل المجال. 9. المجتمع لم يعد فقط مستهلكًا للشبكة المجتمع بوصفه مجالًا للاستخلاص والإدارة الفرد لا يدخل الشبكة فقط لكي يستهلك خدمة. إن وجوده داخلها يولد بيانات وانتباهًا وتفاعلًا ومعلومات سلوكية ومحتوى يمكن أن تتحول إلى موارد اقتصادية وأدوات للسيطرة. لكن ينبغي هنا تجنب الخلط بين النشاط الاجتماعي وبين إنتاج القيمة بالمعنى المباشر. فالأهمية الاقتصادية لهذا النشاط تنبع، في جانب أساسي منها، من قدرة المنصات على امتلاك البيانات وتنظيم الوصول إليها واستثمارها وتحويلها إلى ريع أو إلى وسيلة لتعظيم الاستخلاص. وهكذا لا تستولي الرقسمالية على وقت العمل وحده، وإنما توسع مجال التراكم ليشمل أجزاء متزايدة من الوقت الاجتماعي. 10. المجتمع الشبكي لا يلغي التنظيم؛ بل يغير شروط إمكانه من المجتمع المنظم إلى المجتمع المُدار لا تجعل الشبكات الناس غير قادرين على التنظيم، وإنما تغير شروط التنظيم نفسه، فيصبح أكثر سرعة ومرونة وأقل استقرارًا وأكثر تعرضًا للتفكك وإعادة التوجيه. وبالتالي ينتقل المجتمع من الاعتماد الكامل على مؤسسات ثابتة نسبيًا إلى شبكة من العلاقات القابلة لإعادة التشكيل باستمرار. وهذا لا يعني «نهاية المجتمع»، بل ظهور شكل جديد من المجتمع المُدار؛ أي المجتمع الذي تتحرك أفعاله داخل شبكة من التدفقات والأزمات والاعتمادات المتبادلة، بحيث لا تكون السيطرة دائمًا في صورة قسر مباشر، وإنما في صورة تنظيم للبيئة التي يتحرك داخلها الفعل الاجتماعي. 11. الهيمنة لم تعد تحتاج إلى احتكار المعلومة من احتكار الحقيقة إلى إدارة سوق الحقائق الهيمنة التقليدية تستطيع أن تقول: هذه هي الحقيقة. أما البيئة الشبكية فتستطيع أن تنتج عددًا هائلًا من الروايات، بحيث تصبح المشكلة ليست نقص المعلومات، بل فائض المعلومات المتنافسة. وعندها تتحول السلطة من: احتكار المعلومة إلى: تحديد شروط ظهور المعلومة وانتشارها ووزنها. وهذا يقود إلى مفهوم حرب الإدراك. 12. السيطرة على المعرفة تحولت إلى السيطرة على شروط إنتاج المعرفة من احتكار المعرفة إلى هندسة البيئة المعرفية القوة لا تقول فقط: ماذا يجب أن تعرف؟ بل تستطيع التأثير في: ما الذي سيظهر أصلًا لكي تعرفه؟ أي التحكم في الخوارزمية، وترتيب الظهور، وقابلية الانتشار، والتوصية، والترشيح، والبيئة التي يتشكل داخلها الإدراك. وهنا تنتقل الهيمنة من مضمون الفكر إلى شروط إنتاج الفكر وانتشاره. وبذلك لا تعود حرب الإدراك مجرد تطور في وسائل الإعلام، وإنما تصبح امتدادًا للسيطرة على البنية التي تنتج المعلومات وتوزعها وتحدد قابليتها للوصول. 13. الإنسان لم يعد فقط مستخدمًا للنظام من المستخدم إلى العقدة الفرد داخل الشبكة ليس مجرد مستهلك لخدماتها، وإنما هو في الوقت نفسه: مستخدم + مصدر بيانات + منتج محتوى + مصدر انتباه + عقدة داخل الشبكة. لكن هذا لا يعني أن الإنسان أصبح «آلة لإنتاج القيمة» بالمعنى المباشر، بل يعني أن حياته الاجتماعية أصبحت تدخل بصورة متزايدة في مجال الاستخلاص والتنظيم والمراقبة والتوجيه. وهنا يتحول الإنسان من مجرد طرف خارج النظام إلى عنصر مدمج في البنية التي يعمل من خلالها النظام. 14. الحرية نفسها تنتقل من سؤال قانوني إلى سؤال بنيوي من حرية الاختيار إلى شروط الاختيار السؤال لم يعد فقط: هل الإنسان حر في اختيار ما يريد؟ بل: من الذي يصمم البيئة التي تتشكل داخلها خياراته؟ ولا يعني ذلك أن الإنسان أصبح بلا إرادة، بل إن السؤال ينتقل إلى الشروط التي تُنتج داخلها الإرادة والاختيار. وبذلك تصل الرقسمالية إلى مستوى أعمق من السيطرة الاقتصادية والسياسية: التأثير في البيئة التي يتشكل داخلها الاختيار. 15. «فائض البشر» بوصفه نتيجة تاريخية جديدة من استغلال فائض العمل إلى مشكلة فائض البشر في الرأسمالية الصناعية كان رأس المال يحتاج إلى العمال حتى لو استغلهم. أما مع الأتمتة والذكاء الاصطناعي، فإن جزءًا متزايدًا من النشاط الإنتاجي يمكن أن يُنجز مع حاجة أقل إلى العمل البشري المباشر. فتظهر مفارقة: النظام الذي أنتج الإنسان بوصفه قوة عمل يبدأ بإنتاج ظروف تقلل حاجته إلى قوة العمل. وهنا تظهر مسألة «فائض البشر من منظور النظام»، لا باعتبار البشر فائضًا بالمعنى الإنساني، وإنما بوصفها مشكلة تنشأ من تناقض بين قدرة التكنولوجيا على تقليل الحاجة إلى العمل وبين استمرار المجتمع في توزيع الدخل والمكانة والحقوق من خلال العمل. وتصل هذه المسألة بين: التكنولوجيا + التراكم + الطبقة + مستقبل المجتمع. 16. المفارقة الصينية التحديث داخل شبكة لا تستطيع الدولة الانفصال عنها الصين ليست ببساطة رأسمالية غربية بنسخة صينية، ولا يمكن اختزالها في صورة اشتراكية خرجت من الرأسمالية. بل تمثل حالة أكثر تعقيدًا: قوة صاعدة تحاول إعادة تشكيل الشبكة العالمية، وهي في الوقت نفسه جزء أساسي منها. وهنا تصبح الصين اختبارًا عمليًا لأطروحة الرقسمالية؛ إذ تكشف أن الصراع العالمي لم يعد يدور فقط حول اختلاف الأنظمة الاقتصادية، وإنما حول من يستطيع امتلاك العقد الاستراتيجية للشبكة وإعادة صياغة قواعدها. 17. المفارقة الكبرى للرقسمالية النظام يحتاج إلى الشبكة التي تهدد استقلاله الرقسمالية تحقق قوتها من خلال: الترابط + الاعتماد + الشبكات + البنية المشتركة. لكن كلما ازدادت قوة هذه الشبكة، زادت قابلية النظام للتأثر بالأزمات، وارتفعت درجة الاعتماد المتبادل، وأصبح الانفصال أكثر كلفة، وأصبح التنافس نفسه يجري داخل البنية التي يعتمد عليها الجميع. أي أن: مصدر القوة يصبح في الوقت نفسه مصدر الهشاشة. وهنا تظهر الجدلية المغلقة للرقسمالية. فالرقسمالية تحتاج إلى توسيع الشبكة لكي تعظم قدرتها على التراكم والاستخلاص، لكنها كلما وسعت الشبكة زادت درجة اعتمادها على بنية مشتركة يصعب التحكم الكامل بها. ويضاف إلى ذلك تناقض اقتصادي أعمق: فهي تحتاج إلى استمرار نمو الاقتصاد المادي والاجتماعي الذي تستخلص منه الريع، لكنها تميل في الوقت نفسه إلى تعظيم الاحتكار والاستحواذ عليه. وكلما ارتفع وزن الريع والاحتكار في التراكم، ازدادت الضغوط على القطاعات المنتجة التي تمثل القاعدة المادية للنظام. وهكذا تنشأ جدلية ثانية داخل الجدلية المغلقة: الرقسمالية تحتاج إلى الاقتصاد المنتج لكي تستمر في استخلاص الريع منه، لكنها في سعيها إلى تعظيم الريع قد تضعف القاعدة الإنتاجية والاجتماعية التي تستند إليها. 18. الالتفاتة التي تجمع البحث كله من السيطرة على العالم إلى السيطرة على شروط عمل العالم إذا أردنا اختزال البحث كله في جملة نظرية واحدة، فهذه هي الأقرب: الإمبريالية القديمة كانت معنية بدرجة كبيرة بالسيطرة على المجال الذي يعمل فيه العالم، أما الرقسمالية فتتجه نحو السيطرة على البنية التي تجعل العالم قادرًا على العمل. كانت الإمبريالية التقليدية معنية بالسيطرة على: الأرض، الموارد، الممرات، الأسواق، السكان. أما الرقسمالية فتتجه نحو السيطرة على: البنى، الشبكات، التدفقات، المعايير، المنصات، البيانات، الخوارزميات. لكن التحول لا يتوقف عند ذلك. فمن السيطرة على شروط عمل العالم تنتقل الرقسمالية إلى التأثير في شروط إدراك العالم. ثم يصل البحث إلى السؤال الأخير: إذا تغيرت شروط عمل العالم وشروط إدراكه، فماذا يحدث للإنسان الذي يعيش داخله؟ وهنا يتضح أن الانتقال من السياسة إلى المجتمع ثم إلى الإنسان ليس انتقالًا أدبيًا أو فلسفيًا منفصلًا، وإنما هو المسار المنطقي للتحول نفسه: الإمبريالية → البنية → الشبكة → التراكم → الريع → الاحتكار → التبعية → الدولة → الحرب → السيادة → المجتمع → الإدراك → الإنسان. ومن هنا تتحدد أطروحة البحث في صورتها النهائية: الرقسمالية ليست نهاية الرأسمالية ولا بديلًا عن الاقتصاد المادي، وإنما هي طور تاريخي متقدم من الإمبريالية يعيد تموضع رأس المال فوق العملية الإنتاجية، ويمنحه قدرة متزايدة على التحكم في البنى والشبكات التي تمر عبرها القيمة، واستخلاص الريع من الاقتصاد والمجتمع، وإعادة إنتاج التبعية على المستوى العالمي. ولهذا فإن «الرقسمالية كأعلى مراحل الإمبريالية» لا تعني أن العمل أو الإنتاج قد اختفيا، وإنما تعني أن موقع القوة قد انتقل بصورة متزايدة من امتلاك وسائل الإنتاج وحدها إلى امتلاك البنية التي تحدد شروط الوصول إليها واستعمالها وتبادل نتائجها. وهنا تبلغ الإمبريالية شكلها الشبكي: لا تحتاج القوة المهيمنة إلى امتلاك العالم كله، بل يكفيها أن تمتلك بعض العقد التي لا يستطيع العالم الحديث العمل من دونها.
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج ١٤
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١٣
-
الرقسماليه أعلى مراحل ألأمبرياليه... ج١٢
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١١
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٠
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٩
-
طوفان الأقصى... عندما تصبح النتائج قرينة على ضرورة إعادة الت
...
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٧
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج٦
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٥
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٤
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.. ج٣
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه... ج٢
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه
-
من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟
-
علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟
-
إسرائيل تسابق الزمن: كيف تحوّل ترامب إلى آخر نوافذ النظام ال
...
-
من التحالفات الصلبة إلى الشبكات الهجينة: الاقتصاد الرقمي وإع
...
-
قمة بكين مايو 2026: اختبار حدود الاحتواء الأمريكي في مواجهة
...
المزيد.....
-
Slander and Impunity: the World Central Kitchen Killings in
...
-
Former Enemies, a Common Adversary
-
Sustainability in Germany in 2026
-
How Workers Struggle in America’s Dead-end Economy
-
The Freedom Bus and Ms. Baker
-
Control Failure
-
ذكرى تأسيس الأممية: إخفاقات الستالينية تؤكد صحة نقد تروتسكي
...
-
جهاز الأمن الفيدرالي الروسي يكشف تفاصيل حول إعدام مواطنين سو
...
-
أزمة المياه تتفاقم في تونس وسط نقص الإمدادات والاحتجاجات الش
...
-
آلاف المتظاهرين في سبتة يحتجون على تعامل الحكومة الإسبانية م
...
المزيد.....
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
المزيد.....
|