|
|
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١١
ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 01:17
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
جيوسياسية الرقسمالية لقد انتهينا، من خلال ما سبق من فصول هذا البحث، إلى استنتاج مفاده أن استمرار الرقسمالية في توجيه التطور التكنولوجي وفق منطق التراكم والاحتكار سيدفع البشرية إلى مفترق تاريخي بالغ العمق. فكلما تعاظمت قدرتها على إنتاج الثروة مع تراجع الحاجة إلى العمل البشري، برزت ضرورة تاريخية لإعادة تنظيم العلاقة بين التكنولوجيا والثروة والعمل والملكية، بما يضمن استمرار الاندماج الاجتماعي وإعادة إنتاج المجتمع نفسه. أما إذا بقي هذا التطور محكومًا بمنطق التراكم الاحتكاري وحده، فإن احتمال الانزلاق إلى طور جديد من البربرية سيغدو أكثر ترجيحًا، حيث تتحول المنجزات التقنية من وسائل لتوسيع إمكانات الإنسان إلى أدوات لتعميق الإقصاء الاجتماعي والاستقطاب الطبقي، فتغدو الوفرة المادية مقترنة بعجز متزايد عن إعادة إنتاج التماسك الاجتماعي والحضاري. ومع ذلك، فإن هذا الاستنتاج لا يُطرح بوصفه نبوءة تاريخية أو ادعاءً بامتلاك يقين بشأن المستقبل، وإنما بوصفه نتيجة تحليلية تستند إلى اتجاهات بنيوية ومعطيات واقعية يصعب الاختلاف حولها. فالتوسع المتسارع في الأتمتة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وتزايد تمركز الثروة والبيانات والبنى الرقمية في أيدي عدد محدود من الشركات والدول، كلها ظواهر قائمة بالفعل وليست فرضيات نظرية. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن في ادعاء الكشف عن مستقبل محتوم، بل في لفت الانتباه إلى سؤال ظل، في كثير من الأدبيات، خارج دائرة النقاش: ماذا يحدث للمجتمع عندما يصبح النظام الاقتصادي قادرًا على توسيع إنتاج الثروة، في الوقت الذي تتراجع فيه حاجته إلى القسم الأكبر من العمل البشري؟ غير أن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تقتصر على تحليل التناقضات الداخلية للرقسمالية، لأن مآلاتها لا تتحدد داخل الاقتصاد وحده، بل تتشكل أيضًا في إطار البنية السياسية العالمية التي تتحرك فيها. فمصير هذا النمط الجديد من التراكم يرتبط بطبيعة النظام الدولي، وبالقوى التي تعيد تشكيل توازناته، وبالطريقة التي تُدار بها تناقضاته على المستوى العالمي. ومن هذا المنطلق، تبرز الصين بوصفها الحلقة الأكثر أهمية في فهم هذه المرحلة التاريخية. وهنا نواجه اختلافًا جوهريًا بين الإمبريالية التي واجهت الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية خلال القرن العشرين، وبين الرقسمالية التي تنخرط فيها الصين اليوم بوصفها قوة محورية في الاقتصاد العالمي، في الوقت الذي ما تزال تتبنى فيه أيديولوجية اشتراكية ونظامًا سياسيًا يختلف عن النموذج الليبرالي الغربي. إن هذه ليست مجرد ملاحظة نظرية، بل مفارقة تاريخية لم يعرفها النظام الرأسمالي بصورتها الراهنة من قبل. ففي المرحلة الإمبريالية الكلاسيكية كان الصراع يدور بين منظومتين اقتصاديتين وسياسيتين متقابلتين، أما في عصر الرقسمالية فإن إحدى أهم القوى التي تسهم في تشكيل الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا الرقمية وسلاسل الإنتاج العالمية هي دولة تعلن تمسكها بالاشتراكية وتقودها منظومة سياسية يقودها حزب شيوعي. ومن هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن فهم موقع الصين داخل منظومة عالمية تتجه نحو الرقمنة والاحتكار والتراكم الشبكي، في الوقت الذي لا تتبنى فيه الصين النموذج الليبرالي الغربي، بل تقدم نفسها بوصفها دولة اشتراكية ذات خصائص صينية؟ الصين بين الاشتراكية والشوفينية يثير النظام الصيني صعوبة في التصنيف، لأنه يجمع بين عناصر تبدو متناقضة: فهو يعلن نفسه دولة اشتراكية يقودها الحزب الشيوعي، لكنه يعتمد في إدارة اقتصاده على السوق والقطاع الخاص والمنافسة والربح. وينص الدستور الصيني على أن جمهورية الصين الشعبية دولة اشتراكية، وأن قيادة الحزب الشيوعي هي السمة المميزة للاشتراكية ذات الخصائص الصينية. لذلك لا يمكن وصف الصين بأنها ليبرالية، لأنها لا تقوم على التعددية الحزبية وتداول السلطة، كما لا يمكن اعتبارها اشتراكية كلاسيكية خالصة، لأنها لا تلغي الملكية الخاصة ولا تفرض تخطيطًا مركزيًا شاملًا. إن النظام الصيني أقرب إلى صيغة هجينة تجمع بين الاشتراكية الرسمية، ورأسمالية الدولة، والسلطوية السياسية. فالسوق موجودة، والقطاع الخاص يؤدي دورًا أساسيًا في الإنتاج والتوظيف والابتكار، إلا أنه لا يعمل بوصفه قوة مستقلة عن الدولة. يفرض الحزب حضوره داخل الشركات من خلال البنية التنظيمية والتوجيه السياسي، كما تستخدم الدولة التمويل والعقود والدعم والملكية المختلطة للتأثير في قرارات القطاع الخاص. وبذلك لا تلغي الدولة السوق، بل تجعلها تعمل داخل حدود سياسية واستراتيجية تحددها الدولة والحزب. وهذا يعني أن الصين لا تتبنى رأسمالية ليبرالية تترك الاقتصاد والمجتمع لحركة السوق وحدها، ولا تعود إلى الاشتراكية المركزية التي ألغت السوق والملكية الخاصة. إنها تستخدم أدوات السوق لإنتاج الثروة، لكنها تمنع السوق من التحول إلى قوة سياسية مستقلة. فالاقتصاد الخاص مسموح به ومطلوب، لكنه يظل خاضعًا لأولويات الدولة، ولا سيما في مجالات التكنولوجيا والبيانات والطاقة والتمويل والبنية التحتية والأمن القومي. ولا يقتصر هذا المنطق على السياسة الداخلية، بل يمتد إلى الدور الذي باتت الصين تؤديه على الصعيد الدولي. فقد أصبحت بكين تتعامل مع عدد من الأنظمة والدول بوصفها شركاء اقتصاديين واستراتيجيين، وتقدم لها القروض والاستثمارات والتكنولوجيا والتعاون الدبلوماسي، من دون أن تجعل النموذج السياسي الغربي شرطًا أساسيًا لعلاقاتها معها. كما أسهم هذا الحضور في توفير بدائل لبعض الدول التي تواجه عقوبات أو ضغوطًا غربية، وقلل من اعتمادها على القنوات الاقتصادية والسياسية التي يهيمن عليها الغرب. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الصين مجرد دولة تدافع عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بل قوة تعمل على توسيع مجال نموذجها السياسي بصورة غير مباشرة: نموذج الدولة المركزية، والحزب المهيمن، والاستقرار القائم على الضبط، والنمو الاقتصادي الموجَّه. وهي تستفيد في الوقت نفسه من التناقضات التي تنتجها سياسات الولايات المتحدة، ولا سيما العقوبات والحصارات الاقتصادية، إذ تتيح هذه السياسات للصين فتح قنوات مع الدول الواقعة تحت الضغط الغربي، والحصول على نفوذ اقتصادي وسياسي في مناطق يتراجع فيها الحضور الغربي أو يواجه فيها قيودًا متزايدة. ومن هنا يمكن، في إطار هذا التحليل، فهم وصف الصين بأنها اشتراكية شوفينية. فالمقصود بهذا الوصف ليس أنها اشتراكية بالمعنى الأممي أو التحرري، بل أنها دولة تتبنى الاشتراكية دستوريًا وأيديولوجيًا، ثم توظفها في خدمة قومية الدولة وقوتها ومصالحها الجيوسياسية. فالاشتراكية في الحالة الصينية لا تظهر باعتبارها مشروعًا لتجاوز الدولة القومية أو لتحقيق تضامن أممي بين الطبقات، وإنما باعتبارها إطارًا شرعيًا لتوحيد المجتمع خلف الحزب، وتعزيز قدرة الدولة، وتبرير مشروعها القومي والتوسع الاقتصادي الخارجي. وتتأسس أهمية هذا الوصف على أن الصفة الاشتراكية ليست عنصرًا خارجيًا أُلصق بالصين من خارج بنيتها، بل هي جزء من تعريفها الدستوري والسياسي. فالدستور يصف الدولة بأنها اشتراكية، ويمنح قيادة الحزب الشيوعي موقعًا مركزيًا في النظام، كما يؤكد دستور الحزب أن قيادة الحزب هي جوهر الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. لذلك فإن الجمع بين الاشتراكية المعلنة والقومية للدولة يتيح، من منظور نقدي، استعمال مصطلح الاشتراكية الشوفينية بوصفه مفهومًا تحليليًا. أما إذا لم يكن الدستور يتبنى الاشتراكية، ولم يكن النظام يعرّف نفسه بوصفه شيوعيًا أو اشتراكيًا، لما كان وصفه بالاشتراكية الشوفينية دقيقًا؛ إذ كان سيصبح الوصف الأقرب آنذاك هو القومية السلطوية أو رأسمالية الدولة. فمصطلح الاشتراكية الشوفينية يفترض وجود اشتراكية معلنة أولًا، ثم تحولها من مشروع ذي أفق أممي إلى أداة لتعظيم الدولة القومية ومصالحها الجيوسياسية. وبذلك يمكن القول إن الصين ليست ليبرالية، ولا اشتراكية كلاسيكية، ولا شيوعية مكتملة بالمعنى النظري، بل هي نظام يستخدم الاشتراكية في الشرعية والخطاب، والسوق في الاقتصاد، والحزب في الحكم، والقومية في السياسة الداخلية والخارجية. ومن هذا التركيب تحديدًا يستمد وصفها بـ الاشتراكية الشوفينية مشروعيته التحليلية: فهي اشتراكية في التعريف الرسمي، سلطوية في البنية السياسية، قومية في التوجه، وتستخدم آليات رأسمالية الدولة والسوق في تنظيم اقتصادها. انعكاسات الاشتراكية الشوفينية ولم تظل هذه الاشتراكية الشوفينية محصورة في حدود الصين الداخلية، بل أخذت انعكاساتها تتسع في مختلف الاتجاهات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية والدبلوماسية. فكلما تعاظمت قوة الصين، واتسع حضورها في الأسواق العالمية، وتعززت علاقاتها بالدول النامية والأنظمة الواقعة تحت الضغط الغربي، تراجعت قدرة المركز الإمبريالي على احتكار الحركة الدولية وتحديد حدودها. ومن هنا أسهم صعود الصين في زعزعة ما يمكن تسميته بـ السلام الإمبريالي؛ أي ذلك الاستقرار النسبي الذي لم يكن قائمًا على غياب الصراع، بل على تفوق قوة إمبريالية واحدة وقدرتها على فرض قواعد النظام الدولي وإدارة تناقضاته. فهذا السلام لم يكن سلامًا بين قوى متكافئة، بل كان نظامًا من الهدوء النسبي المفروض بوسائل اقتصادية وعسكرية وسياسية، من بينها العقوبات والحصارات والتحالفات والقواعد العسكرية وآليات التحكم في التجارة والتمويل. غير أن الصين، بما راكمته من قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية، وبما أقامته من شراكات مع قوى ودول متضررة من الهيمنة الغربية، بدأت تكسر احتكار الولايات المتحدة لتحديد المجال الدولي. وهي لا تواجه النظام الإمبريالي مواجهة ثورية مباشرة، ولا تسعى بالضرورة إلى إلغائه، لكنها تعمل على إعادة توزيع مراكز القوة داخله، بما يحد من قدرة الإمبريالية الغربية على فرض إرادتها منفردة. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: فالاشتراكية الشوفينية الصينية لا تؤدي إلى إقامة سلام بديل قائم على التحرر والمساواة، بل تسهم في تفكيك السلام الإمبريالي من خلال إنتاج توازنات جديدة وتوسيع التنافس بين المراكز الكبرى. ولذلك فإن صعود الصين قد يزعزع النظام الذي فرضته الإمبريالية الأمريكية، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الإمبريالية؛ فقد ينتقل العالم من مرحلة هيمنة مركز واحد إلى مرحلة تنافس بين مراكز كبرى، تتصارع على الأسواق والموارد ومجالات النفوذ، بينما تبقى الشعوب والدول الأضعف عرضة لتبعات هذا الصراع. وبذلك يمكن القول إن الاشتراكية الشوفينية الصينية تحمل أثرًا مزدوجًا: فمن جهة، تضعف احتكار القوة الغربية وتفتح أمام الدول الواقعة تحت العقوبات والضغط منافذ جديدة للمناورة؛ ومن جهة أخرى، لا تقدم مشروعًا أمميًا لتحرير هذه الدول، بل تربط علاقاتها بها بمصالحها القومية والاستراتيجية. ولهذا فإنها تزعزع السلام الإمبريالي القائم، من دون أن تتجاوزه بالضرورة نحو نظام عالمي تحرري، وإنما تدفع باتجاه نظام أكثر تنافسًا وتعددًا واستقطابًا. إن هذه الزعزعة، بما تحدثه من اضطراب في توازنات القوة وإعادة توزيع لمراكز النفوذ، تمثل، في إطار أطروحة هذا الكتاب، أحد مسببات انتقال الإمبريالية إلى مرحلة الرقسمالية. فصعود الصين، بوصفها قوة تجمع بين الاشتراكية الرسمية، ورأسمالية الدولة، والقومية الاستراتيجية، لا يظل محصورًا في نطاق المنافسة الاقتصادية أو التوسع التجاري، بل ينعكس على مجمل البنية الإمبريالية، ويدفعها إلى التحول في أدواتها وآلياتها ومراكزها. ومع اتساع النفوذ الصيني وتزايد قدرته على منافسة المركز الإمبريالي القائم، تدخل الإمبريالية في طور جديد تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الصراعات السياسية والاستراتيجية، وتتعدد فيه مراكز القوة، وتتسع فيه المنافسة على الأسواق والموارد ومجالات النفوذ. لكن الجديد الأهم هو أن هذه المنافسة لم تعد تجري حول السيطرة على الأرض والموارد المادية وحدها، بل حول السيطرة على البنية التحتية التي تنتظم عبرها عملية الإنتاج والتبادل والاتصال والمعرفة: الشبكات، والمنصات، والبيانات، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والمعايير التقنية. ومن هنا فإن الصراع بين المراكز الكبرى لا يمثل مجرد استمرار للمنافسة الإمبريالية القديمة بأدوات جديدة، بل يعكس تحولًا في موضوع الهيمنة نفسه. فحين تصبح البنية الرقمية شرطًا متزايد الأهمية لإنتاج القيمة وتداولها، تصبح السيطرة عليها جزءًا من السيطرة على الاقتصاد العالمي. وفي هذه النقطة تحديدًا تتقاطع الجغرافيا السياسية مع منطق الرقسمالية، وتتحول المنافسة بين الدول إلى صراع على البنية التي ستحدد من يملك القدرة على التحكم في تدفقات القيمة والمعرفة والبيانات والتكنولوجيا. ومن ثم فإن زعزعة ما يمكن تسميته بالسلام الإمبريالي لا تمثل حادثة عابرة أو نتيجة جانبية لصعود الصين، بل تكشف عن انتقال عميق في طبيعة النظام العالمي. فالتوازن الذي كان قائمًا على هيمنة مركز واحد أخذ يتعرض للتفكك، لتحل محله علاقات أكثر اضطرابًا وتنافسًا، تتداخل فيها الرأسمالية مع الإمبريالية، وتتخذ فيها الصراعات الاقتصادية شكلًا سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا، بينما تتزايد أهمية البنية الرقمية بوصفها مجالًا جديدًا للصراع على القوة. وفي هذا السياق، تصبح الصين إحدى القوى التي تدفع الإمبريالية إلى هذه المرحلة الجديدة، لا من خلال إلغائها، بل من خلال زعزعة صورتها القديمة وإعادة تشكيل بنيتها وموازينها. فالرقسمالية لا تنشأ، وفق هذا المنظور، في فراغ جيوسياسي، وإنما تتشكل داخل صراع عالمي على السيطرة على البنية الجديدة للتراكم. إن الاشتراكية الشوفينية الصينية لا تهدم الإمبريالية، بل تزعزع توازنها القديم، وتدفعها إلى مرحلة جديدة تتعدد فيها مراكز القوة، وتنتقل فيها المنافسة من هيمنة مركز واحد إلى صراع مفتوح بين مراكز كبرى على الأسواق والموارد ومجالات النفوذ، وعلى نحو متزايد على البنية الرقمية التي أصبحت شرطًا أساسيًا للتراكم والسيطرة. وهنا تحديدًا تظهر المفارقة التي ينبغي التوقف عندها: فالصين، التي نشأت تاريخيًا بوصفها دولة اشتراكية، لم تعد تمثل الاشتراكية في مواجهة النظام الرأسمالي العالمي، وإنما تحولت إلى صيغة تاريخية هجينة من الاشتراكية الشوفينية، ورأسمالية الدولة، والسوق، والقومية الاستراتيجية، وأصبحت في الوقت نفسه إحدى القوى المركزية في إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية والتكنولوجية التي تنشأ داخلها الرقسمالية. وهذه المفارقة لا يمكن فهمها من خلال التقابل التقليدي بين الرأسمالية والاشتراكية، لأن الاشتراكية الشوفينية لا تقف خارج النظام الذي يتشكل، ولا تنخرط فيه بوصفها قوة رأسمالية ليبرالية، وإنما تتحرك داخله من موقع مختلف، وتستخدم أدواته الاقتصادية والتكنولوجية، بينما تحتفظ ببنيتها السياسية والأيديولوجية الخاصة. ومن هنا فإن وجود الصين لا يمثل مجرد عامل من عوامل التنافس داخل الرقسمالية، بل يمثل أحد الشروط الجيوسياسية التي تساعد على تحديد شكلها ومآلاتها. وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل الصين اشتراكية أم رأسمالية؟ فهذا السؤال يعيدنا إلى ثنائية تاريخية لم تعد كافية لتفسير المرحلة الراهنة، وإنما يصبح السؤال: ما الذي يعنيه ظهور قوة عالمية تتبنى الاشتراكية الشوفينية، وتستخدم السوق ورأسمالية الدولة، وتصبح في الوقت نفسه قوة محورية في الاقتصاد الرقمي العالمي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أن الرقسمالية لا تتشكل باعتبارها مرحلة انتصار نهائي لنموذج اقتصادي واحد، وإنما باعتبارها بنية عالمية جديدة تستطيع أن تتداخل داخلها نماذج سياسية وأيديولوجية مختلفة، بل ومتعارضة، ما دامت تشارك في إعادة إنتاج البنية الجديدة للتراكم والسيطرة. ومن هنا تصبح الصين ليست مجرد حالة استثنائية داخل الرقسمالية، بل إحدى المفاتيح الضرورية لفهم جيوسياسيتها وحدودها ومآلاتها التاريخية.
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٠
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٩
-
طوفان الأقصى... عندما تصبح النتائج قرينة على ضرورة إعادة الت
...
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٧
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج٦
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٥
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٤
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.. ج٣
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه... ج٢
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه
-
من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟
-
علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟
-
إسرائيل تسابق الزمن: كيف تحوّل ترامب إلى آخر نوافذ النظام ال
...
-
من التحالفات الصلبة إلى الشبكات الهجينة: الاقتصاد الرقمي وإع
...
-
قمة بكين مايو 2026: اختبار حدود الاحتواء الأمريكي في مواجهة
...
-
ترامب يتقصد الفشل في إدارة الحرب: طموح استراتيجي أم خلل وظيف
...
-
الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً
...
-
الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة
...
-
الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة
...
المزيد.....
-
سبتة 2026: مأساة هجرة جُعلت سلاحا جيوسياسيا ضد الحكومة الإسب
...
-
الماركسية لا تزال قادرة على تغيير العالم
-
الاشتراكي الديمقراطي يرفض مطالب حزب البيئة بزيادة الهجرة
-
أشغال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السادس لحزب النهج الديمقراطي
...
-
The Strait of Hormuz and the Limits of Labor-Centered Emanci
...
-
Donald Trump Gives Decline New Meaning
-
Shelves Go Dry, Services Collapse, Anti-Rights Forces Surge
...
-
The Experience of the Iraqi Communist Partisans (Ansar): an
...
-
This is How We Take Back What’s Ours
-
Is It (Still) Un-American to Care?
المزيد.....
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
المزيد.....
|