|
|
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج ١٤
ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 02:51
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
التفاتات... .
الالتفاتات الالتفاتة الأولى: هل يمكن أن يتحول فائض البشر إلى هدف؟ ثمة عبارة وردت في خاتمة هذا البحث تستحق التوقف عندها أكثر من غيرها، وهي أن قوى الرقسمالية، إذا ما وصلت تناقضاتها الداخلية إلى طريق مسدود، قد تلجأ إلى تصدير أزمتها إلى الخارج عبر الصراع والحرب. غير أن هذه النتيجة تفتح أمامنا سؤالًا أكثر خطورة: ماذا لو لم تعد المشكلة، في نظر بعض قوى النظام، محصورة في توزيع الثروة أو السيطرة على الأسواق ومصادر الموارد، بل أصبحت مرتبطة بحجم السكان أنفسهم وبعدد البشر الذين يحتاج إليهم النظام الاقتصادي في المستقبل؟ إن هذا السؤال لا يعني، بأي حال، افتراض وجود مشروع عالمي قائم بالفعل لتقليص عدد سكان الأرض، ولا يبرر تحويل الشك إلى حقيقة أو تفسير كل أزمة صحية باعتبارها مؤامرة مدبرة. لكن مجرد ظهور مثل هذه الأفكار، وترددها بين فترة وأخرى في المجال السياسي أو البحثي أو الإعلامي، يستحق أن يُقرأ ضمن التحولات البنيوية التي أحدثتها الرقسمالية، لا باعتباره دليلًا قائمًا بذاته على وجود مخطط سري. فالمسألة التي تفرض نفسها هنا أعمق من نظرية المؤامرة بمعناها التقليدي. إنها تتعلق بالسؤال عن الكيفية التي يمكن أن تتغير بها نظرة النظام إلى السكان عندما تتغير حاجته إليهم. ففي الرأسمالية الصناعية كان اتساع السكان يعني، في جانب أساسي منه، اتساع قوة العمل واتساع السوق الاستهلاكية في الوقت نفسه. أما عندما تصبح الأتمتة والذكاء الاصطناعي قادرين على إنتاج قدر متزايد من الثروة مع حاجة أقل إلى العمل البشري، فإن العلاقة التاريخية بين حجم السكان وحاجات التراكم تبدأ في التغير. وهنا يظهر لأول مرة احتمال تاريخي بالغ الخطورة: أن يتحول الإنسان من عنصر ضروري لتوسيع الإنتاج إلى متغير يُنظر إليه من زاوية الكلفة التي يفرضها على النظام، أو الموارد التي يستهلكها، أو العبء الاجتماعي الذي يتطلب إعادة توزيعه. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال متعلقًا فقط بمن يملك الثروة، وإنما بمن يحدد أصلًا من يستحق أن يحصل عليها، ومن يُنظر إليه باعتباره ضروريًا لاستمرار النظام. ولعل تجربة كوفيد-19، بصرف النظر عن الجدل الذي رافق منشأ الفيروس ومسارات انتشاره، تقدم لنا مثالًا يستحق التوقف عنده من زاوية مختلفة تمامًا. فقد كشفت الجائحة عن هشاشة شديدة في قدرة النظام العالمي على التعامل مع أزمة صحية شاملة، كما كشفت في الوقت نفسه عن اختلافات هائلة في إدارة السكان، وتوزيع الموارد، وإنتاج اللقاحات، واحتكار المعرفة الطبية، وتحديد أولويات الإنفاق، وعن قدرة الدول والشركات الكبرى على إعادة تنظيم قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي والاجتماعي خلال فترة قصيرة. ولا نحتاج هنا إلى إثبات أن الجائحة صُنعت عمدًا حتى تصبح ذات دلالة بالنسبة إلى موضوعنا. بل إن الدرس الأهم يكمن في مكان آخر: الأزمة، مهما كان منشؤها، يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة تنظيم المجتمع عندما تدخل في منظومة السلطة والتراكم. وهذه هي النقطة التي ينبغي فصلها عن نظرية المؤامرة التقليدية. لقد حاولت، في كتابات سابقة حول كوفيد-19، التمييز بين أمرين كثيرًا ما اختلطا في النقاش العام: السؤال عن منشأ الوباء ومساره، والسؤال عن كيفية توظيفه سياسيًا واقتصاديًا بعد وقوعه. فالأول يحتاج إلى أدلة علمية لا توفرها الشكوك وحدها، أما الثاني فهو قابل للرصد والتحليل من خلال القرارات التي اتخذتها الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية، ومن خلال التحولات التي أحدثتها الجائحة في الاقتصاد والعمل والسياسة والعلاقات الدولية. وهذا التمييز ضروري هنا؛ لأننا لا نريد أن نحول هذا البحث إلى امتداد لنظريات المؤامرة، وإنما نريد أن نضع إصبعنا على احتمال أكثر عمقًا: أن تنتج البنية نفسها، من خلال منطقها الداخلي، نتائج لا تحتاج إلى وجود مؤامرة مركزية حتى تتجه في الاتجاه ذاته. وهنا يصبح مفهوم «المؤامرة الرأسمالية المستدامة» أكثر دقة إذا فهمناه لا باعتباره غرفة مغلقة يجتمع فيها أصحاب النفوذ لرسم مصير البشرية، وإنما باعتباره قدرة النظام على إنتاج أفعال متشابهة في نتائجها من خلال المصالح المتقاطعة لقواه ومؤسساته، حتى من دون وجود اتفاق مسبق بينها. فحين تتجه الشركات إلى تعظيم الربح، والدول إلى حماية مصالحها، والمراكز الكبرى إلى الحفاظ على تفوقها، والمؤسسات المالية إلى ضمان استقرار التراكم، قد تنتج هذه المصالح مجتمعة نتائج ذات أثر عالمي هائل، من دون أن يكون هناك بالضرورة عقل مركزي واحد يديرها جميعًا. وهذه النقطة تصبح أكثر خطورة في عصر الرقسمالية؛ لأن امتلاك التكنولوجيا والبيانات والخوارزميات يمنح القدرة على إدارة السكان بدرجة لم تكن متاحة في المراحل السابقة. فالمراقبة الرقمية، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على جمع البيانات وتحليلها، لا تمنح النظام قدرة أكبر على معرفة المجتمع فحسب، وإنما تمنحه قدرة متزايدة على تصنيفه والتنبؤ بسلوكه وإدارته وتحديد الأولويات المتعلقة به. ومن هنا ينبغي أن ننتبه إلى التحول الذي قد يحدث في مفهوم «السكان» نفسه. فإذا كان السكان في العصر الصناعي يمثلون قوة عمل وسوقًا في الوقت ذاته، فإن المجتمع الرقمي المؤتمت قد يجعل جزءًا متزايدًا من السكان أقل أهمية بالنسبة إلى العملية الإنتاجية المباشرة. وعندها يمكن أن يظهر تصور جديد، لا يعلن بالضرورة عن نفسه باعتباره عداءً للإنسان، وإنما يتحدث عن «الكفاءة»، و«استدامة الموارد»، و«الضغط السكاني»، و«إدارة المخاطر»، و«إعادة التوازن بين السكان والموارد». وهنا تحديدًا ينبغي أن يكون الحذر المنهجي في أعلى درجاته. فالدعوة إلى تنظيم النمو السكاني ليست في ذاتها دليلًا على مشروع لإبادة البشر أو تقليصهم قسرًا، كما أن الحديث عن الموارد والبيئة لا يعني تلقائيًا وجود مشروع سري لاستبعاد قطاعات من البشرية. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه المفاهيم من سياسات طوعية وعادلة إلى منطق لتحديد القيمة الاجتماعية للبشر بحسب حاجتهم الاقتصادية للنظام. وعند هذه النقطة فقط يصبح السؤال الذي طرحناه في متن البحث حول «فائض البشر من منظور النظام» أكثر خطورة مما يبدو لأول وهلة. فإذا كان الإنسان قد أصبح أقل ضرورة في عملية الإنتاج، ثم أضيف إلى ذلك تصور يرى أن الموارد محدودة وأن النمو السكاني يمثل تهديدًا، فإن إمكانية نشوء سياسات تمييزية بين البشر تصبح خطرًا نظريًا لا يجوز تجاهله. وقد لا تبدأ هذه السياسات بشعار صريح يدعو إلى تقليص البشر، بل يمكن أن تبدأ بتفاوت في الحصول على الرعاية، أو الغذاء، أو التكنولوجيا، أو الحماية الاجتماعية، أو فرص التعليم، أو الحق في الحركة والعمل، ثم تتطور تدريجيًا إلى منظومة كاملة تعيد تعريف من يستحق الحماية ومن يمكن تركه خارجها. وهنا تصبح البربرية التي حذرنا منها في الخاتمة مختلفة عن الصورة التقليدية للبربرية. إنها ليست بالضرورة انهيارًا للتكنولوجيا أو عودة إلى الفوضى، بل قد تكون بربرية فائقة التنظيم، تمتلك أحدث أدوات العلم والتكنولوجيا، لكنها تستخدمها لإدارة الاستبعاد بدل تحرير الإنسان. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الرقسمالية ليس أن تستغني عن العمل البشري فحسب، وإنما أن تنتقل من الاستغناء عن العمل إلى الاستغناء عن الإنسان بوصفه قيمة اجتماعية مستقلة عن حاجته الاقتصادية. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: إذا كان النظام قادرًا على إنتاج الثروة دون الحاجة إلى معظم البشر، فمن الذي سيقرر حدود «الحاجة»؟ ومن الذي سيقرر معنى «الفائض»؟ ومن الذي يملك السلطة التي تسمح له بتحويل هذا التصنيف من فكرة اقتصادية إلى سياسة اجتماعية؟ إننا لا نملك، في هذه المرحلة، ما يسمح بتحويل هذه الأسئلة إلى اتهام مباشر لقوى أو دول أو مؤسسات بعينها، ولا يجوز أن نفعل ذلك من دون أدلة قاطعة (مع أن الشكوك التي أحاطت بمختبر ووهان البيولوجي، وطبيعة التعاون الأمريكي ـ الصيني في بعض أبحاثه، تبقى مسألة جديرة بالتوقف عندها مليًا، لا باعتبارها دليلًا على افتعال الوباء، وإنما بوصفها واقعة تستحق التحقيق العلمي والسياسي المستقل). لكن عدم امتلاك الدليل على وجود مشروع محدد لا يعني أن السؤال نفسه غير مشروع، بل إن قيمة السؤال تكمن تحديدًا في أنه يستشرف الخطر قبل أن يتحول إلى واقع. فالتحولات الكبرى في التاريخ لا تبدأ دائمًا بإعلان صريح عن غاياتها النهائية. وقد تبدأ أحيانًا من تغير في المفاهيم: من الإنسان بوصفه منتجًا إلى الإنسان بوصفه مستهلكًا، ثم من المستهلك إلى المتغير السكاني، ثم من السكان إلى «الفائض»، وحينها تصبح الحدود بين إدارة المجتمع وإدارة البشر أكثر هشاشة. ومن هنا فإن الالتفاتة التي تفرض نفسها في نهاية هذا البحث ليست القول إن هناك مشروعًا مؤكدًا لتقليص سكان الأرض، وإنما التنبيه إلى أن الرقسمالية، إذا استمرت في إنتاج فائض بشري من منظور حاجتها الاقتصادية، قد تخلق للمرة الأولى في التاريخ الحديث الشروط الموضوعية التي تجعل مسألة عدد البشر نفسها قابلة للدخول في حسابات القوة والتراكم والسيطرة. وهذا الاحتمال، حتى لو بقي مجرد احتمال، يكفي لكي يجعل الدفاع عن الإنسان أسبق من الدفاع عن أي نظام اقتصادي. فحين يصبح التطور التقني قادرًا على تحرير البشرية من العمل الضروري، ينبغي ألا ينقلب هذا التحرر إلى تحرير النظام من البشر. وهنا ينبغي أن نعود إلى المعيار الذي يحكم هذا البحث كله: الحاضر هو المجال الوحيد الذي يمكن أن نمسك فيه بالحقيقة، أما المستقبل فلا يعدو أن يكون احتمالًا مهما بلغت قوة التحليل الذي يستشرفه. ولذلك لا يمكننا أن نجزم اليوم بأن الرقسمالية ستتجه إلى تقليص عدد البشر، كما لا يمكننا أن نجزم بأنها ستستخدم قدراتها التقنية لإعادة تعريف من يستحق أن يكون جزءًا من المستقبل. كلاهما احتمال، وليس حقيقة. أما الحقيقة التي نستطيع الإمساك بها الآن، فهي أن الرقسمالية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعمل والثروة، وأنها تدفع نحو تراكم متزايد للثروة والقدرة في أيدي قوى محدودة، بالتزامن مع تراجع الحاجة النسبية إلى العمل البشري. وهذه ليست نبوءة بالمستقبل، بل واقع يتشكل أمامنا. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستفعل الرقسمالية بالإنسان في المستقبل؟ وإنما: ماذا تفعل به الآن، ومن يملك القدرة على تحديد شروط وجوده الآن؟ ففي الحاضر وحده يمكن رؤية الطبقات، ومواقع الملكية، وتوزيع الثروة، ومراكز القرار، واتجاهات التكنولوجيا، ومن يستفيد من تحولاتها ومن يتحمل كلفتها. وبذلك فإن احتمال الانزلاق إلى طور جديد من البربرية لا ينبغي أن يتحول إلى نبوءة، وإنما إلى تحذير يستمد مشروعيته من الحاضر. فإذا كان المستقبل مجهولًا، فإن شروط إنتاجه ليست مجهولة كلها؛ إنها تتشكل الآن داخل علاقات القوة القائمة. وما سيأتي لن يكون منفصلًا عن هذه الشروط، لكنه لا يمكن معرفته قبل أن يصبح حاضرًا. ولهذا فإن دفاعنا عن الإنسان لا يبدأ من الخوف مما قد يحدث في المستقبل، بل من قراءة ما يحدث الآن. فالطبقية هي حقيقة الحاضر، والتراكم هو آليته، والاحتكار هو اتجاهه، والتكنولوجيا هي إحدى أدوات إعادة تشكيله. ومن هذه الحقيقة وحدها يمكن أن نحدد موقعنا في الصراع، لا من خلال استدعاء ماضٍ أصبح تاريخًا، ولا من خلال صناعة مستقبل لم يصبح واقعًا بعد. وهنا تنتهي الالتفاتة عند حدود ما نستطيع معرفته: لا نعرف ما الذي سيختاره النظام في المستقبل، لكننا نعرف ما الذي يفعله الآن؛ ومن الحاضر، لا من المستقبل، يبدأ الحكم على الاتجاه. أما الحقيقة التي نستطيع الإمساك بها الآن، فهي أن الرقسمالية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعمل والثروة، وأنها تدفع نحو تراكم متزايد للثروة والقدرة في أيدي قوى محدودة، بالتزامن مع تراجع الحاجة النسبية إلى العمل البشري. وهذه ليست نبوءة بالمستقبل، بل واقع يتشكل أمامنا. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستفعل الرقسمالية بالإنسان في المستقبل؟ وإنما: ماذا تفعل به الآن، ومن يملك القدرة على تحديد شروط وجوده الآن؟ ففي الحاضر وحده يمكن رؤية الطبقات، ومواقع الملكية، وتوزيع الثروة، ومراكز القرار، واتجاهات التكنولوجيا، ومن يستفيد من تحولاتها ومن يتحمل كلفتها. وبذلك فإن احتمال الانزلاق إلى طور جديد من البربرية لا ينبغي أن يتحول إلى نبوءة، وإنما إلى تحذير يستمد مشروعيته من الحاضر. فإذا كان المستقبل مجهولًا، فإن شروط إنتاجه ليست مجهولة كلها؛ إنها تتشكل الآن داخل علاقات القوة القائمة. وما سيأتي لن يكون منفصلًا عن هذه الشروط، لكنه لا يمكن معرفته قبل أن يصبح حاضرًا. ولهذا فإن دفاعنا عن الإنسان لا يبدأ من الخوف مما قد يحدث في المستقبل، بل من قراءة ما يحدث الآن. فالطبقية هي حقيقة الحاضر، والتراكم هو آليته، والاحتكار هو اتجاهه، والتكنولوجيا هي إحدى أدوات إعادة تشكيله. ومن هذه الحقيقة وحدها يمكن أن نحدد موقعنا في الصراع، لا من خلال استدعاء ماضٍ أصبح تاريخًا، ولا من خلال صناعة مستقبل لم يصبح واقعًا بعد. وهنا تنتهي الالتفاتة عند حدود ما نستطيع معرفته: لا نعرف ما الذي سيختاره النظام في المستقبل، لكننا نعرف ما الذي يفعله الآن؛ ومن الحاضر، لا من المستقبل، يبدأ الحكم على الاتجاه. الخاصة. الالتفاتة الثانيه: الحرب بوصفها مخرجًا من مأزق التراكم إذا كان الاستنتاج الذي انتهينا إليه هو أن الرقسمالية تدخل مرحلة تتعاظم فيها قدرتها على إنتاج الثروة في الوقت الذي تتراجع فيه حاجتها النسبية إلى العمل البشري، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا تفعل قوى التراكم عندما تصبح أدواتها التقليدية لإعادة إنتاج التوازن الاجتماعي أقل قدرة على احتواء تناقضاتها؟ لا ينبغي أن نفهم الحرب هنا باعتبارها قرارًا جاهزًا تتخذه قوة واحدة كلما واجهت أزمة، ولا باعتبارها نتيجة حتمية لتطور الرقسمالية. الحرب، في ذاتها، ليست حلًا اقتصاديًا بالمعنى المباشر، لكنها قد تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب شروط التراكم، وإعادة توزيع الأسواق والموارد ومراكز النفوذ، وإعادة توجيه الفائض الاقتصادي والاجتماعي نحو مجالات جديدة. وهنا تكمن خطورتها في المرحلة الرقسمالية تحديدًا. فكلما ازدادت أهمية التكنولوجيا والبيانات والبنى التحتية والشبكات العالمية في عملية التراكم، لم تعد السيطرة عليها مسألة اقتصادية محضة، بل أصبحت جزءًا من الصراع على القوة الدولية. ولذلك فإن التنافس على أشباه الموصلات، والطاقة، والممرات التجارية، وشبكات الاتصالات، والمعايير التقنية، والموارد الاستراتيجية، يمكن أن يتحول من منافسة اقتصادية إلى صراع جيوسياسي، وقد يصل، عند انسداد أدوات التسوية، إلى استخدام القوة. لكن الأهم من ذلك أن الحرب قد تؤدي وظيفة أخرى أكثر عمقًا: إنها تعيد خلق الحاجة إلى الإنفاق، وإلى الإنتاج العسكري، وإلى إعادة بناء ما دمرته، وتمنح الدولة دورًا اقتصاديًا أوسع، كما تسمح بإعادة ترتيب التحالفات وموازين القوة. وبذلك يمكن للحرب أن تفتح مؤقتًا مجالات جديدة أمام التراكم عندما تضيق بعض مجالاته القديمة. غير أن هذا لا يعني أنها تعالج التناقض الأصلي؛ فهي قد تؤجله أو تعيد توزيعه، لكنها لا تلغي التناقض بين القدرة المتزايدة على الإنتاج وبين تراجع الحاجة إلى العمل البشري. ومن هنا ينبغي الحذر من اختزال المسألة في فكرة أن الرأسمالية «تحتاج إلى الحرب» كي تستمر. الأدق أن نقول إن النظام، عندما تضيق أمامه إمكانات إدارة تناقضاته بالوسائل الاقتصادية والسياسية المعتادة، قد يصبح أكثر قابلية لاستخدام القوة بوصفها وسيلة لإعادة تشكيل البيئة التي يعمل داخلها. وهذه قابلية تاريخية، وليست قانونًا آليًا. والخطر الأكبر أن تتزامن هذه القابلية مع التحول الذي ناقشناه في الالتفاتة الأولى: تراجع الحاجة إلى العمل البشري، وتزايد قدرة التكنولوجيا على إدارة المجتمع. عندها لا تعود الحرب مجرد صراع على الأرض أو الموارد، بل تصبح جزءًا من منظومة أوسع لإعادة ترتيب السكان والاقتصادات ومراكز الإنتاج ومجالات النفوذ. وهنا تتضاعف المخاطر؛ لأن التكنولوجيا التي تستطيع أن تجعل الحرب أكثر دقة وقدرة على التحكم يمكن، في الوقت نفسه، أن تجعل آثارها الاجتماعية أكثر اتساعًا وأقل قابلية للضبط. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننتهي من هذا إلى نبوءة بالحرب، كما لا ينبغي أن نحول احتمالها إلى حقيقة مسبقة. فالحاضر لا يقدم لنا مستقبلًا مكتوبًا، وإنما يقدم لنا اتجاهات وصراعات ومصالح متعارضة. وما يمكن قوله هو أن الرقسمالية، كلما تعاظمت تناقضاتها وتداخل تراكمها مع الجغرافيا السياسية، تجعل الصراع على شروط التراكم أكثر ارتباطًا بالصراع على القوة الدولية. وهنا تلتقي هذه الالتفاتة مع ما سبقها: الخطر ليس في أن نعرف مسبقًا ما ستفعله قوى الرقسمالية، فهذا غير ممكن، وإنما في أن ندرك أن الأدوات التي تمتلكها لإدارة أزمتها أصبحت أوسع من أدوات الرأسمالية السابقة، وأن التكنولوجيا قد تجعل هذه الأدوات أكثر قدرة على إعادة تشكيل المجتمع والحرب والاقتصاد في آن واحد. ولذلك فإن السؤال الذي يتركه الحاضر مفتوحًا ليس: هل ستندلع الحرب؟ بل: إلى أي حد تستطيع البشرية أن تمنع تحول قدرتها التقنية الهائلة إلى وسيلة لإدارة أزمات النظام على حساب الإنسان؟ الالتفاتة الثاله: الإنسان بعد العمل إذا كانت الالتفاتة الأولى قد توقفت عند احتمال أن يتحول فائض البشر إلى مشكلة في نظر النظام، وكانت الثانية قد نظرت في احتمال استخدام الحرب بوصفها أداة لإدارة بعض تناقضات التراكم، فإن السؤال الثالث يذهب إلى الجذر الأعمق للتحول الذي تفرضه الرقسمالية: ماذا يبقى من مفهوم الإنسان الاجتماعي عندما يفقد العمل مكانته التاريخية بوصفه الوسيط الأساسي بين الإنسان والمجتمع والثروة؟ لقد كان العمل، طوال العصر الصناعي، أكثر من وسيلة لإنتاج السلع والحصول على الدخل. فمن خلاله دخل الإنسان في شبكة العلاقات الاجتماعية، واكتسب موقعه الطبقي، وارتبط بحقوقه الاقتصادية، وشارك في إعادة إنتاج المجتمع. ولهذا فإن تراجع الحاجة إلى العمل لا يعني ببساطة انخفاض عدد الوظائف، بل يمكن أن يعني تراجع إحدى الآليات التي نظمت المجتمع الحديث نفسه. وهنا تكمن المفارقة: إن التقنية التي تستطيع أن تحرر الإنسان من القسم الأكبر من العمل الضروري يمكن أن تكون أعظم إنجاز حضاري في التاريخ، بشرط أن تتحول الوفرة التي تنتجها إلى ملكية اجتماعية وحق عام. أما إذا بقيت وسائل الإنتاج الجديدة محتكرة، فإن التحرر من العمل قد ينقلب إلى فقدان للدخل والمكانة والقدرة على المشاركة، أي إلى تحرر تقني لا يستفيد منه الإنسان بقدر ما يستفيد منه رأس المال. ومن هنا لا يكفي أن نسأل: كم وظيفة ستختفي؟ فهذا السؤال يبقى أسير اقتصاد العمل المأجور. السؤال الأعمق هو: كيف سيعاد توزيع الثروة والوقت والسلطة عندما لا يعود العمل شرطًا ضروريًا لإنتاج القسم الأكبر من الثروة؟ وهل يستطيع المجتمع أن يفصل بين حق الإنسان في الحياة وضرورة بيعه قوة عمله؟ إذا نجح المجتمع في ذلك، فقد تتحول الأتمتة من أداة لإقصاء الإنسان إلى وسيلة لتحريره من العمل الضروري، وفتح المجال أمام التعليم والثقافة والإبداع والعلاقات الإنسانية والمشاركة السياسية. أما إذا ظل توزيع الثروة محكومًا بملكية وسائل الإنتاج الرقمية، فإن انخفاض الحاجة إلى العمل لن يؤدي بالضرورة إلى زيادة الحرية، بل قد يؤدي إلى اتساع التبعية؛ لأن الإنسان الذي لم يعد مطلوبًا بوصفه منتجًا قد يصبح أكثر اعتمادًا على من يملك وسائل إنتاج الثروة. وهنا يظهر جوهر الصراع الطبقي في صورته الجديدة. فالمسألة لن تكون فقط حول من يملك المصنع أو الأرض أو رأس المال المالي، وإنما حول من يملك البنية التي تنتج المعرفة والبيانات والخوارزميات والقدرة المؤتمتة على إنتاج الثروة. ومع انتقال مركز القوة من ملكية أدوات الإنتاج التقليدية إلى ملكية البنى الرقمية، يصبح الصراع على ملكية التكنولوجيا وثمارها امتدادًا مباشرًا للصراع على شروط الحياة الاجتماعية. لكن هذه الالتفاتة لا ينبغي أن تنتهي إلى تصور مستقبلي جاهز، ولا إلى وعد طوباوي بعالم ما بعد العمل. فما زلنا نعيش في حاضر تتعايش فيه الأتمتة المتقدمة مع العمل المأجور، وتتناقض فيه الوفرة التقنية مع التفاوت الاجتماعي، وتبقى فيه الملكية الخاصة والتراكم والطبقات حقائق مادية قائمة. ولذلك فإن السؤال عن «الإنسان بعد العمل» لا يُجاب عنه من المستقبل، بل من الصراع الجاري الآن حول ملكية ما تنتجه التكنولوجيا ومن يملك حق الانتفاع به. ومن هنا تلتقي الالتفاتات الثلاث عند نقطة واحدة: الرقسمالية لا تفرض علينا معرفة المستقبل، وإنما تفرض علينا قراءة الحاضر بدرجة أعلى من اليقظة. فهي تفتح، في آن واحد، احتمال تحول البشر إلى «فائض» من منظور النظام، واحتمال استخدام الصراع والحرب لإدارة أزمات التراكم، واحتمال أن يصبح التحرر من العمل ممكنًا تقنيًا من دون أن يصبح تحررًا اجتماعيًا. وهذه الاحتمالات لا تتحول إلى مصائر إلا إذا تركت علاقات القوة القائمة تحدد اتجاهها. ولهذا فإن المسألة الحاسمة ليست ما إذا كانت التكنولوجيا ستتقدم؛ فهذا التقدم مستمر. وليست حتى ما إذا كان العمل سيتراجع؛ فهذا اتجاه يمكن رصده. المسألة الحاسمة هي: من سيمتلك نتائج هذا التقدم، ومن سيقرر كيف توزع ثماره، وما إذا كان انخفاض الحاجة إلى العمل سيصبح بداية لتحرير الإنسان أم بداية لتحرير التراكم من الإنسان؟
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١٣
-
الرقسماليه أعلى مراحل ألأمبرياليه... ج١٢
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١١
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٠
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٩
-
طوفان الأقصى... عندما تصبح النتائج قرينة على ضرورة إعادة الت
...
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٧
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج٦
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٥
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٤
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.. ج٣
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه... ج٢
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه
-
من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟
-
علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟
-
إسرائيل تسابق الزمن: كيف تحوّل ترامب إلى آخر نوافذ النظام ال
...
-
من التحالفات الصلبة إلى الشبكات الهجينة: الاقتصاد الرقمي وإع
...
-
قمة بكين مايو 2026: اختبار حدود الاحتواء الأمريكي في مواجهة
...
-
ترامب يتقصد الفشل في إدارة الحرب: طموح استراتيجي أم خلل وظيف
...
المزيد.....
-
م.م.ن.ص// غشت الحقيقة.. الحقيقة، يا رفاق، الحقيقة..
-
الجبهة الشعبية تلتقي قيادة حركة فتح وتؤكد أولوية وقف حرب الإ
...
-
نحو أوسع دعم وإسناد وتضامن مع الأمين العام للجبهة الشعبية أح
...
-
Iran Is being Driven Towards the Nuclear Threshold
-
Marxist Leninists Shouldn’t Lead DSA
-
The Messiah and the Crowd
-
The US War Machine and the Culture of Militarism
-
An Open Letter to the Editor of NEA Today
-
Trump’s Threats and Alliance Realities
-
Deprived at Sea: the Tribulations of the USS Abraham Lincoln
...
المزيد.....
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
المزيد.....
|