أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - الإسلامويسارية: تحالف سياسي أم مصطلح أيديولوجي؟ .. ج١















المزيد.....

الإسلامويسارية: تحالف سياسي أم مصطلح أيديولوجي؟ .. ج١


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 01:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


: حين يتحول المصطلح إلى أداة في الصراع السياسي

لم يعد مصطلح «الإسلامويسارية في فرنسا مجرد توصيف لعلاقة محتملة بين اليسار والتيارات الإسلامية، بل أصبح مفهوماً سياسياً وأيديولوجياً يُستخدم لتفسير طيف واسع من المواقف والاحتجاجات والتحالفات، ولإعادة رسم الحدود بين ما يُعدّ يساراً مشروعاً وما يُصنّف خروجاً على مبادئ الجمهورية الفرنسية وعلمانيتها.

وتكمن المشكلة في أن المصطلح يجمع تحت تسمية واحدة ظواهر مختلفة في طبيعتها ودوافعها: دفاع اليسار عن حقوق المسلمين، والاحتجاج على التمييز الذي تتعرض له بعض الفئات ذات الأصول المهاجرة، والتقاطع في المواقف من القضية الفلسطينية، والتعاون الانتخابي بين قوى متباينة، وصولاً إلى العلاقات المحتملة بين بعض التنظيمات اليسارية والحركات الإسلامية السياسية. غير أن جمع هذه الظواهر في مفهوم واحد لا يثبت وجود تحالف سياسي أو تنظيمي أو أيديولوجي بينها، بل قد يؤدي إلى حجب التناقضات الفعلية التي تفصل بين أطرافها.

الا ان اختزال المسألة في الدفاع عن اليسار ضد اتهامات خصومه لا يكفي بدوره لفهم الظاهرة. فالسؤال ليس ما إذا كان اليسار الفرنسي بريئاً بصورة مطلقة من أي تقاطع انتهازي مع الإسلاميين، ولا ما إذا كانت جميع القوى الإسلامية متشابهة في أهدافها وممارساتها، وإنما كيف نشأت هذه التقاطعات، وما المصالح التي تنتجها، وما التناقضات التي تحكمها، وكيف توظفها السلطة الفرنسية في صراعها السياسي.

وهنا تظهر مسألة أكثر عمقاً: التناقض في تعامل السلطة الفرنسية مع الدين، بين تشديد القيود على بعض مظاهره الفردية في المجال العام، وبين ضرورة مساءلتها عن شبكات النفوذ الديني المؤسسي والتمويل الخارجي، في الوقت الذي تتهم فيه اليسار بالتقارب مع الإسلاميين المعادين للعلمانية.

إن فهم «الإسلامويسارية» يقتضي، لذلك، تجاوز السؤال المباشر عن وجود تحالف بين اليسار والإسلاميين،لأن هذا التحالف المفترض يمثل اشكاليه فكريه لاتفضي في النهايه الا إلى استنتاج مفاده تحلل اليسار الفرنسي وتلاشيه.. ولفهم هذه الظاهره علينا الانتقال إلى تحليل البنية الاجتماعية والسياسية التي أنتجت هذا الاتهام، والوظائف التي يؤديها في الصراع على المجتمع الفرنسي، وعلى تعريف العلمانية والهوية الوطنية وحدود الحقوق والحريات.

أولاً: ما الإسلامويسارية، وما الذي يخفيه المصطلح؟

ظهر مصطلح «الإسلامويسارية» في السجال الفرنسي لوصف تقارب يُفترض وجوده بين بعض قوى اليسار والتيارات الإسلامية، ولا سيما في المواقف المتعلقة بالهجرة والعنصرية والإسلاموفوبيا والقضية الفلسطينية والسياسة الخارجية الفرنسية.

غير أن المصطلح سرعان ما تجاوز وصف مواقف سياسية محددة ليصبح اتهاماً واسعاً يمكن توجيهه إلى جهات مختلفة لمجرد اعتراضها على سياسات الدولة تجاه المسلمين، أو دفاعها عن حقوقهم، أو نقدها للسياسة الفرنسية في الشرق الأوسط.

وهذا التوسع ليس مسألة لغوية عابرة، بل يحمل وظيفة سياسية. فعندما تُجمع مواقف متباينة تحت تسمية واحدة، يصبح من الممكن نقل النقاش من مضمون كل موقف إلى هوية صاحبه، ومن نقد سياسة حكومية محددة إلى التشكيك في ولاء من يعارضها، ومن مساءلة الوقائع إلى افتراض وجود مشروع أيديولوجي موحد.

لكن الدفاع عن حقوق المسلمين لا يعني تبني الإسلام السياسي، كما أن الاعتراض على القيود المفروضة على الحجاب أو العباءة لا يثبت وجود تحالف مع جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها من التنظيمات الإسلامية بل ان هذا الاعتراض ان نفذ بالطريقه المناسبه انما يدخل ضمن اطار الحقوق المدنيه. وفي المقابل، لا يجوز افتراض استحالة وجود تقاطعات سياسية انتهازية أو علاقات تنظيمية فعلية لمجرد أن أطرافها تنتمي إلى معسكرات فكرية مختلفة.

المعيار هنا هو طبيعة العلاقة نفسها: هل نحن أمام تقاطع في موقف محدد؟ أم تعاون انتخابي؟ أم تنسيق مستمر؟ أم تحالف تنظيمي؟ أم اتفاق على مشروع اجتماعي وسياسي مشترك؟

هذه مستويات مختلفة لا يمكن التعامل معها بوصفها شيئاً واحداً. فالتقاطع حول قضية لا يلغي التناقضات في القضايا الأخرى، والتعاون الانتخابي لا يثبت تطابقاً أيديولوجياً، كما أن إثبات وجود علاقة تنظيمية في حالة معينة لا يبرر تعميمها على اليسار الفرنسي بأكمله.لان وجود علاقه تنظيميه ينقض يساريه الجهه التي تورطت به...

إن الخلل الأساسي في الاستخدام الفضفاض للمصطلح يتمثل في تحويل احتمال سياسي يحتاج إلى الإثبات إلى تفسير شامل لمجمل الصراعات الاجتماعية والسياسية في فرنسا.

ثانياً: المسلمون ليسوا الإسلاميين

من أبرز مصادر الالتباس في هذا النقاش الخلط بين المسلمين بوصفهم فئة اجتماعية ودينية واسعة، وبين الإسلاميين بوصفهم تيارات سياسية تسعى إلى تنظيم المجتمع أو الدولة وفق تصورات دينية محددة.

فالمسلمون في فرنسا ليسوا كتلة اجتماعية متجانسة، ولا يشتركون جميعاً في المصالح الطبقية أو المواقف السياسية أو التصورات الدينية. بينهم عمال وموظفون وأصحاب أعمال وطلاب وعاطلون عن العمل، وبينهم متدينون بدرجات مختلفة وغير متدينين، ومؤيدون لليسار واليمين والوسط، وأشخاص لا يعرّفون أنفسهم سياسياً من خلال الدين أصلاً.

أما الإسلاميون، فهم تيارات وتنظيمات ومشاريع سياسية تختلف فيما بينها في المرجعيات والأهداف وأساليب العمل، لكنها تتجاوز في حالات معينة ممارسة الدين بوصفه اعتقاداً فردياً إلى السعي لجعله أساساً لتنظيم الحياة العامة أو السلطة السياسية.

وهذا يعني ليس كل إسلامي يتبنى المشروع نفسه، أو أن جميع الحركات الإسلامية متساوية في ممارساتها، بل إن التمييز ضروري لفهم اختلافاتها وتحديد طبيعة كل حالة على حدة.

وعندما يدافع اليسار عن حق المسلمين في عدم التعرض للتمييز بسبب الدين أو الأصل أو المظهر، فإنه يدافع عن مبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق لكن هذا يشترط على اليسار نشاط دعائي يؤكد على ماهية توجهه. ولا يتحول هذا الموقف إلى تحالف مع الإسلاميين إلا إذا وُجدت علاقة سياسية تتجاوز الدفاع عن الحق العام إلى التعاون مع مشروعهم الخاص.

وفي الاتجاه المقابل، لا يجوز استخدام وجود تنظيمات إسلامية سياسية لتصوير المسلمين جميعاً بوصفهم امتداداً لها، أو التعامل مع مطالبهم الاجتماعية بوصفها تعبيراً عن أجندة دينية موحدة.

إن الخلط بين المسلمين والإسلاميين لا يضر فقط بفهم الواقع الاجتماعي، بل يخدم أيضاً تحويل مسألة المواطنة إلى مسألة اشتباه جماعي، بحيث يصبح الفرد مطالباً بإثبات استقلاله عن تيارات لم يختر الانتماء إليها أصلاً.

ثالثاً: التقاطع السياسي لا يساوي التحالف الأيديولوجي

ليس غريباً في السياسة أن تلتقي قوى متناقضة في موقف معين، أو أن تتعاون مؤقتاً ضد خصم مشترك، أو أن تتبنى شعارات متشابهة انطلاقاً من دوافع مختلفة.

وقد يلتقي اليسار مع قوى إسلامية في رفض التمييز العنصري، أو الاعتراض على سياسة خارجية معينة، أو الدفاع عن حق التظاهر، أو معارضة إجراء حكومي يمس فئة اجتماعية بعينها. لكن هذا الالتقاء لا يعني أن الطرفين ينطلقان من التصور نفسه للمجتمع أو الدولة أو الحريات الفردية.وتبقى مسؤوليه اليسار التأكيد الدؤوب على استقلالية نهجه في هذه القضايا

فاليسار، في تقاليده الماركسية والعلمانية، ينطلق من تحليل العلاقات الاجتماعية والطبقية، ومن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمساواة والتحرر من أشكال الاستغلال والهيمنة. أما الحركات الإسلامية السياسية، فتختلف مرجعياتها، وقد تجعل من الدين أساساً لمشروعها في تنظيم المجتمع أو السلطة، بما يمكن أن يتعارض مع تصورات اليسار بشأن استقلال المجال السياسي، وحقوق النساء، والحريات الفردية، وعلاقة الدين بالدولة.

قد يلتقي الطرفان في مواجهة خصم محدد، لكنهما يختلفان في تحديد المجتمع الذي يريد كل منهما بناءه، وفي فهمهما لمصادر السلطة والشرعية وحدود الحرية.

وهذا التناقض لا يختفي بمجرد حصول تقاطع سياسي، كما أن وجوده لا يحتم إمكان تعاون تكتيكي بين الطرفين. فالمطلوب ليس إنكار التقاطعات، بل تحديد طبيعتها وحدودها، والكشف عما إذا كانت تتحول إلى علاقات مستمرة تمنح أحد الطرفين قدرة على توجيه الآخر أو توظيفه.

ومن هنا، فإن اتهام اليسار الفرنسي بـ«الإسلامويسارية» لا يصبح مقنعاً بمجرد الإشارة إلى مواقف مشتركة. لا بد من إثبات طبيعة العلاقة، وأهدافها، وآليات التنسيق فيها، وما إذا كان اليسار يتخلى فعلاً عن مبادئه أو يبرر مشروعاً سياسياً يناقضها.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول نقد المصطلح إلى إعفاء اليسار من مساءلة مواقفه حين يقدم تنازلات سياسية أو انتخابية لقوى دينية، أو حين يتجنب نقد تيارات إسلامية بعينها خشية خسارة قاعدة انتخابية أو اجتماعية.

فالنقد الجاد يرفض التعميم الاتهامي، لكنه لا يستبدله بتبرئة مسبقة.

رابعاً: العلمانية الفرنسية بين المبدأ والتطبيق

تحتل العلمانية موقعاً مركزياً في الهوية الدستورية والسياسية للجمهورية الفرنسية. وهي، من حيث المبدأ، تقوم على استقلال الدولة عن المؤسسات الدينية، وضمان حرية الضمير، وعدم إخضاع المواطنة للانتماء الديني.

لكن العلمانية الفرنسية ليست مجرد قاعدة قانونية محايدة تعمل خارج الصراعات الاجتماعية. فقد أصبحت، في الممارسة السياسية، موضوعاً للخلاف حول حدود ظهور الدين في المجال العام، ومكانة المسلمين في المجتمع، ومدى مشروعية تدخل الدولة في المظاهر الدينية الفردية.

وقد تجسد هذا الخلاف في القانون الصادر عام 2004 الذي يحظر ارتداء الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية، وفي قانون عام 2010 الذي يحظر تغطية الوجه في الأماكن العامة، ثم في الجدل الذي أحاط بارتداء العباءة في المدارس الحكومية عام 2023.

وتختلف هذه الإجراءات في نطاقها ومسوغاتها القانونية، ولا يصح وضعها جميعاً في مرتبة واحدة. لكن تراكمها جعل العلاقة بين العلمانية والمظاهر الدينية للمسلمين محوراً دائماً للصراع السياسي الفرنسي.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تُفهم العلمانية باعتبارها ضمانة لحرية الضمير والمساواة بين المواطنين، أم تتحول في بعض تطبيقاتها إلى وسيلة لضبط ظهور الدين في المجال العام، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمسلمين من أصول مهاجرة؟

إن الاعتراض على بعض القوانين لا يعني بالضرورة رفض العلمانية. فقد يأتي الاعتراض نفسه من موقع علماني، انطلاقاً من أن الدولة ينبغي ألا تجعل المظهر الديني معياراً للحكم على ولاء المواطن أو اندماجه، ما لم تكن هناك مبررات قانونية محددة ومتناسبة للتدخل.

وفي المقابل، لا يجوز تجاهل أن بعض التنظيمات الإسلامية قد توظف المظاهر الدينية في صراعات سياسية، أو تجعلها وسيلة للضغط الاجتماعي، أو تربطها بمشروع أوسع لإعادة تنظيم المجال العام وفق تصورات دينية محافظة.

لكن إثبات ذلك في حالة معينة لا يمنح الدولة حق تحويل كل مظهر ديني إلى علامة سياسية، ولا يبرر الخلط بين حق الفرد في الاعتقاد وبين المشروع السياسي الذي قد تسعى بعض التنظيمات إلى فرضه.

إن جوهر المسألة هو التمييز بين حرية الدين، واستعمال الدين سياسياً، وتدخل الدولة في المجال الديني. فهذه ليست ظاهرة واحدة، ولا ينبغي أن تخضع لحكم واحد.

خامساً: قطر والتمويل الإسلامي في فرنسا وأوروبا — مفارقة النفوذ الديني

لا يمكن مناقشة تناقضات السلطة الفرنسية في التعامل مع الدين من دون التوقف عند مسألة التمويل الخارجي للمؤسسات والمشاريع الإسلامية. وهنا لا نتحدث عن احتمال نظري مجرد، بل عن مثال محدد هو الدعم القطري لمشاريع إسلامية في فرنسا وأوروبا، عبر قطر الخيرية ومؤسسات ورواد أعمال قطريين.

وقد أُثيرت بشأن بعض المشاريع والجهات المستفيدة صلات بأفراد وجمعيات قريبة من أوساط الإخوان المسلمين. وهذه المسألة تستحق الفحص السياسي والبحثي، لا لأنها تثبت تلقائياً وجود مشروع سري أو نشاط غير قانوني، بل لأنها تطرح سؤالاً مشروعاً عن طبيعة النفوذ الذي يمكن أن ينشأ عندما تتدفق الأموال من دولة أجنبية إلى مؤسسات دينية واجتماعية تعمل داخل مجتمع آخر.

ويقتضي التدقيق التمييز بين ثلاث مسائل: أولاً، وجود التمويل القطري لمشاريع إسلامية؛ وثانياً، طبيعة المؤسسات والأفراد المستفيدين، ومدى ثبوت صلاتهم بأوساط إخوانية؛ وثالثاً، الأهداف التي يخدمها التمويل والآثار السياسية والاجتماعية المترتبة عليه. فهذه مسائل مترابطة، لكنها ليست مترادفة، ولا يجوز القفز من إثبات الأولى إلى الجزم بالثالثة.

وبناءً على المعلومات المتاحة علناً، لا يكفي وجود التمويل أو الصلات الفكرية والتنظيمية لإثبات أن قطر تموّل «خلايا إرهابية»، أو أنها تسيطر على الإسلام الفرنسي. مثل هذه الادعاءات تحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة. لكن عدم ثبوتها لا يلغي السؤال عن احتمال استخدام التمويل في بناء نفوذ ديني أو اجتماعي أو سياسي، ولا يعفي المؤسسات المستفيدة من المساءلة عن مصادر مواردها وعلاقاتها وأهدافها.

وهنا تحديداً يظهر التناقض الذي ينبغي أن يخضع للنقاش العام في فرنسا: لماذا تحظى المظاهر الدينية الفردية، مثل الحجاب والعباءة، باهتمام تشريعي وسياسي واسع، بينما يحتاج النفوذ الذي قد يتشكل عبر التمويل الخارجي والمؤسسات الدينية المنظمة إلى مساءلة مستقلة عن حجمه وأهدافه ومدى خضوعه للرقابة؟

إن ارتداء امرأة للحجاب لا يثبت أنها خاضعة لتوجيه سياسي خارجي، كما أن تمويل مشروع لبناء مسجد لا يثبت وحده وجود تدخل سياسي. لكن الفارق بين الحالتين لا ينبغي أن يصبح ذريعة لإعفاء النفوذ المؤسسي من الفحص. فالمظهر الفردي مسألة تتعلق بالحقوق والحريات، أما التمويل المؤسسي فقد يتصل، بحسب طبيعة الحالة، ببناء شبكات نفوذ وعلاقات تنظيمية تتجاوز ممارسة الشعائر الدينية.

وإذا كانت السلطة الفرنسية ترى في بعض المظاهر الدينية قضية تمس مبادئ الجمهورية، فمن حق المجتمع أن يطالبها بتوضيح معاييرها في التعامل مع التمويل الأجنبي للمؤسسات الدينية، ومدى قدرتها على التمييز بين الدعم المشروع والتوظيف السياسي للدين. كما أن وجود قوانين أو آليات للرقابة لا يحسم وحده مسألة اتساق تطبيقها أو كفاية إجراءاتها في الحالات المختلفة.

ولا يعني ذلك أن الدولة الفرنسية لا تراقب التمويل الخارجي، أو أنها تتغاضى عمداً عن جهة بعينها؛ فإثبات هذا الادعاء يحتاج إلى فحص قراراتها وإجراءاتها ووقائع محددة. لكن من المشروع مساءلتها عن أولوياتها: هل تخضع جميع أشكال النفوذ الديني للمعايير نفسها؟ وهل يحظى التمويل الخارجي للمؤسسات المنظمة بالاهتمام السياسي والإعلامي نفسه الذي تحظى به المظاهر الدينية الفردية؟

وتزداد أهمية هذا السؤال عندما تتهم أطراف سياسية فرنسية اليسار بالتقارب مع الإسلاميين أو بالتخلي عن العلمانية. فبدلاً من أن يتحول اتهام اليسار إلى نهاية النقاش، ينبغي أن يفتح باب مساءلة أوسع عن مصادر النفوذ الديني، وعن علاقات المؤسسات الإسلامية بالجهات الخارجية، وعن دور الدولة في مراقبة هذه العلاقات وفق قواعد واضحة.

إن المثال القطري لا يثبت وحده وجود تناقض متعمد في سياسة الدولة الفرنسية، لكنه يجعل من المستحيل الاكتفاء بالنقاش المجرد حول الحجاب والعباءة أو حول تقاطعات اليسار مع المسلمين. فهو يطرح مسألة ملموسة تتعلق بتمويل مؤسسات ومشاريع إسلامية، ويستدعي فحص طبيعة هذا التمويل وعلاقاته وآثاره، ومقارنة ذلك بما تمنحه السلطة من اهتمام لمختلف أشكال التعبير الديني والنفوذ السياسي.

وهنا ينبغي التشديد على أن العلمانية ليست مبدأ يُستدعى لإدانة خصوم سياسيين، ثم يتوقف تطبيقه عند حدود المظهر الفردي. فإذا كانت حماية الجمهورية من توظيف الدين سياسياً هدفاً عاماً، فإنها تقتضي فحص جميع أشكال هذا التوظيف متى ظهرت أدلة عليه، سواء اتخذ صورة خطاب انتخابي محلي أو شبكة مؤسسية مدعومة من الخارج.

ولا يصح، في المقابل، تحويل هذا النقد إلى اتهام جماعي للمسلمين أو للمؤسسات الإسلامية، ولا مساواة التمويل الخارجي بالإرهاب. المطلوب هو مساءلة محددة تستند إلى الوقائع، لا إلى الاشتباه الديني أو القومي.

إن جوهر المفارقة ليس أن الدولة الفرنسية تتدخل في بعض المظاهر الدينية فحسب، بل أن اتساق العلمانية يُقاس أيضاً بقدرتها على التمييز بين حرية الاعتقاد وبين النفوذ الديني المنظم، وعلى إخضاع مصادر النفوذ المختلفة لمعايير واضحة لا تتغير تبعاً للخصم السياسي الذي تريد السلطة إدانته.
..... يتبع



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تصبح الهامشية مربحة: تجارة الجنس والتمايز الفئوي في ال ...
- 7 أكتوبر: حين تحولت المقاومة إلى هدية استراتيجية لليمين الإس ...
- الطبقية الوجودية: حين يصبح الصراع على الحق في الوجود
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١٦
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٥
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج ١٤
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١٣
- الرقسماليه أعلى مراحل ألأمبرياليه... ج١٢
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١١
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٠
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٩
- طوفان الأقصى... عندما تصبح النتائج قرينة على ضرورة إعادة الت ...
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٧
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج٦
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٥
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٤
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.. ج٣
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه... ج٢
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه


المزيد.....




- مسؤول بإدارة ترامب يلمح مازحًا إلى تعيين نيكي ميناج متحدثة ب ...
- -لن يفلت أي متورط-.. الأردن يكشف تفاصيل القبض على منفذي -هجو ...
- موسكو.. انطلاق منتدى -روسيا - إفريقيا- الإعلامي برعاية RT
- -يسرائيل هايوم- تكشف عن مسار تهريب مزعوم للأسلحة من مصر إلى ...
- إسرائيل تترقب تحركات الجيش المصري الشمالي
- اجتماع غير عادي في طهران يجمع إيران بدول -اتفاق مكة-.. ماذا ...
- إعلام إسرائيلي يتحدث عن خلاف حاد بين نتنياهو وزامير بشأن توج ...
- المكسيك: موكب كاترينا مبهر بألوانه يعيد الموتى إلى الحياة
- من -دولة قذرة- إلى -شعب صامد-.. ترامب يتراجع عن تصريحاته بشأ ...
- مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي: ترامب ونتنياهو قادران على إس ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - الإسلامويسارية: تحالف سياسي أم مصطلح أيديولوجي؟ .. ج١