أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عدي حاتم - العراق... نبوءة الطين والأبجدية في مواجهة ثلاثي النار وأيديولوجيا التفكيك















المزيد.....

العراق... نبوءة الطين والأبجدية في مواجهة ثلاثي النار وأيديولوجيا التفكيك


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 19:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن العراق يوما مجرد خطوط عابرة على خارطة أو رقعةٍ جغرافية صامتة تحدها التضاريس، بل هو الرَّحم الأول للحضارة الإنسانية ومنطلق الكلمة والفكرة خطا وتشريعا، ولم يتوقف العطاء الإنساني والحضاري لهذا البلد منذ نحو اثني عشر ألف سنة.
هنا، على ضفاف دجلة والفرات تشكل الوعي البشري وتخلصت الإنسانية من بداوتها الأولى، فمن طين هذه الأرض المعجزة ُلدت الأبجدية واكتملت النواميس السياسية والاجتماعية. هذا العمق الضارب في جذور الزمن يجعل من محاولات اختزاله اليوم إلى مجرد ساحة مستباحة أو ملعبٍ تتقاذفه أطماع الجوار، جريمة بحق التاريخ نفسه. والمفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن القوى التي تحاول اليوم الهيمنة على مقدراته، تعاني في حقيقتها من عقدة نقص حضاري تدفعها ليس فقط لسرقة نفطه ومائه، بل لتزوير التاريخ ونسب الإرث السومري والبابلي والآشوري لنفسها في أروقة المحافل الثقافية الدولية في محاولة بائسة لشراء عمق تأريخي وحضاري لا يملكونه.
وفي خضم هذه المعركة الحتمية، تبرز أخطر الخطايا الفكرية التي تُمارس اليوم بحق الوجدان العراقي وهي تلك الأطروحات الممنهجة لإيهام الناس بأن الولاء للوطن "بدعة"، وتصوير الانتماء للأرض كأنه "صنم يُعبد من دون الله"!
هذا الطرح لا يمت إلى حقيقة وروح الدين بصلة، بل هو توظيف سياسي مؤدلج وصناعة استخباراتية بامتياز، يُراد منها تجريد الإنسان العراقي من درع الوطنية وحصانته الفكرية ليبقى مكشوفاً أمام الولاءات العابرة للحدود. وفي الميزان الفقهي والفكري الرصين، يُعد حب الوطن غريزة إنسانية فطرية أقرها الإسلام وعمقها ولم يلغها، فالقرآن الكريم قرن في آياته بين "القتل" و"الخروج من الديار" دلالة على أن سلب الأرض يعادل سلب الحياة. كما أن السيرة النبوية الشريفة تفيض بأسمى مشاعر الانتماء عندما وقف النبي محمد ﷺ على مشارف مكة باكياً فراقها، مما يؤكد أن الشريعة ترى في الدفاع عن الأوطان وحفظ ثغورها جهاداً مقدساً كما ينسب للنبي :" ومَن يموت دون أرضه فهو شهيد". بناءً على ذلك، فإن جعل الوطنية نقيضا لـ"الإيمان" هو تدليس فكري وافتراء فقهي، لا يصدر إلا عن جماعات تسعى لصناعة "إنسان بلا هوية" يسهل قيادته وتوجيهه لخدمة مشاريع التمدد الإقليمي.
كما إن هذا الفكر التفكيكي الذي يحارب الوطنية العراقية، يتحرك في الواقع عبر فكي كماشة أيديولوجية تتقاسم الأدوار بدقة متناهية إذ تقف "جماعة ولاية الفقيه" كذراع للمشروع الإيراني الذي يحاول جاهدة إلغاء الخصوصية العراقية العريقة وصهرها في بوتقة "المركزية المذهبية العابرة للحدود"، جاعلةً من بغداد مجرد تابع يدور في فلك طهران ومستهدفةً تذويب الهوية القومية العراقية. وفي المقابل، يتحرك تيار "المدخلية السلفية" كامتداد فكري مواز مدعوم من دوائر إقليمية أخرى، ليطرح خطابا يفرغ الإنسان من كرامته ومن إنتمائه ويدعوه إلى التبعية المطلقة لعواصم خارجية تحت لافتة "طاعة ولي الأمر"و "الإسلام وطن المسلم". هذه التيارات على اختلاف منطلقاتها المذهبية والظاهرية تلتقي عند هدف استراتيجي موحد وهو إبقاء العراق كسيرا ومشتتا فكريا وسياسيا، لكي يسهل نهب ثرواته الهائلة وتمدد القوى الإقليمية على حساب حدوده وسيادته.
وعند تفكيك المشهد الجيواستراتيجي، يتضح أن محنة العراق الكبرى تنبع من موقعه، فهو يقع في قلب ما يسمى بـ"الهلال الخصيب" ويمثل الجسر الرابط بين الشرق والغرب، ويمتلك أطول خطوط التماس الحضاري والجغرافي في المنطقة، مما يجعله تاريخيا وحاضرا حجر الزاوية في أي توازن دولي. ولعل الأسوأ في هذا المشهد هو ما يمكن تسميته بـ "ثلاثي النار" المحيط بالعراق (تركيا وإيران والسعودية). إن هذا الثلاثي الإقليمي يرى في وجود عراق قوي ومستقر ومستقل تهديدا مباشرا لمشاريع التمدد والنفوذ الخاصة بكل منهم، لذلك تحولت الساحة العراقية إلى ميدان لتصفية حساباتهم. فتركيا تتأهب مستغلةً ورقة المياه لقطع شرايين الحياة عبر دجلة والفرات، مع توغلات عسكرية مستمرة تسعى لإعادة رسم الحدود التاريخية وقضم أجزاء من الشمال العراقي. وإيران تسعى للهيمنة الشاملة وتحويل العراق إلى عمق استراتيجي ومصدّ أمني واقتصادي لها في مواجهة المجتمع الدولي، مستنزفة مقدراته ومحاولة السيطرة على قراره السياسي والسيادي بالكامل. بينما سعت السعودية، عبر أدوات النفوذ الفكري والجماعات الإرهابية كالتيار المدخلي وغيره، لتطويق أي نهوض عراقي مستقل لضمان عدم استعادة بغداد لدورها القيادي التاريخي في التوازنات العربية والإقليمية.
هذه المطامع الشرسة التي تتطاول اليوم على جغرافيا العراق وثرواته وحضارته، تصطدم بحقيقة تأريخية ثابتة وهي أن التأريخ لا يُزوّر والجغرافيا لا تخون، وإن العراق الذي هضم كل الغزاة عبر العصور وبقي حيا، سيبقى عصيا على التفتيت والتبعية. والمراهنة هنا هي على وعي المواطن العراقي وفهمه بأن الولاء للوطن هو أصل الدين والكرامة الإنسانية، هذا الوعي إذا ترسخ سيكون الصخرة الصماء التي ستتحطم عليها أوهام "ثلاثي النار" وأدواتهم الأيديولوجية ليعود العراق كما كان دوما، مركزاً للثقل في الشرق الأوسط لا ساحة للتجاذب، ويتم انتزاع حضارته وسيادته كاملة من بين مخالب الطامعين.
فالعراق ليس كباقي الأوطان ليس مجرد بقعة جغرافية تُقاس بالحدود، بل هو هوية متجذرة في عمق التاريخ ووجدان ينبض في عروق أبنائه والولاء له هو أسمى آيات الوفاء والانتماء.
والهوية العراقية ليست مجرد انتماء جغرافي أو بطاقة شخصية، بل هي مزيج نادر من حضارات متراكمة امتدت آلاف السنين، من سومر وبابل وآشور إلى يومنا هذا. هي التنوع الذي يجمع العربي والكردي والتركماني والسرياني والأيزيدي والصابئي وغيرهم على أرض واحدة .
هي الصمود أمام كل العواصف، والقدرة على النهوض كلما ظُنّ البعض أن الجذور قد قُطعت.
هي اللغة والشعر والموسيقى والمطبخ والذاكرة المشتركة التي لا تُمحى، الهوية العراقية ليست شعارا يُرفع في المناسبات، بل شعورا عميقا يسكن الصدر ويظهر في التفاصيل الصغيرة..... في لهجة الجدّة، وفي رائحة التمر والبرتقال، وفي الحنين الذي لا يفارق حتى من يعيش بعيدا. أن تكون عراقيًا يعني أن تحمل تاريخًا ثقيلاً وجميلاً في آن واحد… وأن تبقى وفيًا له رغم كل شيء.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مأساة الوجود على رصيف المنفى
- تفكيك السيادة وتصفية المواطنة: قراءة في المآلات الدستورية وا ...
- رومي شنايدر الخسارة التي لم تعوضها السينما العالمية حتى اليو ...
- ما الحب؟ إنه الحب!
- غِراس النار: كيف مهدت -الحملة الإيمانية- في التسعينيات لانفج ...
- مُشرّح الخراب الإنساني: لِمَ فؤاد التكرلي هو المعيار الأقوى ...
- في قبضة العبث: شهادة من قاع المأساة العراقية
- غياب الأمان وظلال الفقد
- معادلة هرمز وباب المندب: هل ينجو -عرّابو طهران- في بغداد من ...
- إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت
- قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود
- العراق بين السيادة الوطنية والوصاية الإيرانية: صراع الدولة و ...
- عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحش ...
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...


المزيد.....




- العلماء يتوقعون حدوث عاصفة نيزكية فوق الأرض عام 2099
- خدمة ستارلينك ليست لقتل المدنيين
- البنتاغون يجهز القواعد العسكرية الأمريكية للعمل ذاتيا لفترات ...
- -علينا أن نكمل المهمة التي بدأناها-.. ترامب يطالب الإسرائيلي ...
- لولا دا سيلفا يفوز بولاية رئاسية رابعة في البرازيل
- ترامب يتراجع عن تصريحاته ويشيد بـ-صمود- الشعب الليبي بعد أزم ...
- دميترييف يؤكد أن ماسك يريد السلام وزيلينسكي يريد الحرب والما ...
- مغنية راب كولومبية تدوس على علم إسرائيل وتمسح حذاءها به خلال ...
- -وول ستريت جورنال-: صواريخ حوثية تقتل 75 على الأقل في معسكر ...
- صربيا: فوتشيتش يقر بهزيمته في الانتخابات البرلمانية الحاسمة ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عدي حاتم - العراق... نبوءة الطين والأبجدية في مواجهة ثلاثي النار وأيديولوجيا التفكيك