أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - عدي حاتم - غِراس النار: كيف مهدت -الحملة الإيمانية- في التسعينيات لانفجار الإرهاب في العراق بعد 2003؟















المزيد.....

غِراس النار: كيف مهدت -الحملة الإيمانية- في التسعينيات لانفجار الإرهاب في العراق بعد 2003؟


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 18:01
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


عندما انحسر الغبار عن بغداد المغدورة في ربيع عام 2003، لم تكن الشوارع الملتهبة بأصوات الانفجارات وجثث الضحايا وشظايا السيارات المفخخة تُعلن ولادة لحظة طارئة أو نتاجاً عفواً في تاريخ العراق، بل كانت تقطف الثمار المرة لغراسٍ عقائدي صامت وهندسة اجتماعية متأنية وُضعت لبناتها الأولى في عمق التربة العراقية منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. لقد انشغل العالم آنذاك بمراقبة مظاهر الحصار الاقتصادي الخانق، وتتبع طوابير العراقيين الباحثين عن كفاف يومهم تحت وطأة الجوع والحاجة، بينما كانت ثمة هندسة اجتماعية وعقائدية تُدار في الخفاء لإعادة صياغة الهوية الفكرية لبلدٍ عُرِف عبر تاريخه بتنوعه وتسامحه، وتحويله من مهدٍ للفقه المتفتح والتعايش المذهبي إلى ساحة تجارب لتيارات السلفية الوافدة.

"الحملة الإيمانية" وصناعة التطرف
تبدأ حكاية هذا التحول الراديكالي في عام 1994، حين أطلقت السلطة الحاكمة ما أسمته "الحملة الإيمانية"، وهي خطة لم تكن في جوهرها صحوة روحية أو عودة إلى رحاب الدين بقدر ما كانت مناورة سياسية وأمنية لامتصاص الاحتقان الشعبي العارم وتوجيه غضب الجياع نحو أطر مذهبية ضيقة. وفي هذا المناخ الخانق، التقت مصالح السلطة المستبدة مع تفاهمات وتوافقات إقليمية فتحت الأبواب أمام المدرسة السلفية الوهابية، وتحديداً تيار "المدخلية السلفية"، ليتغلغل في العروق المؤسسية والدينية للدولة.

وتكمن خطورة الفكر المدخلي في بنيته العقائدية السياسية القائمة على إيجاب "الطاعة المطلقة للحاكم" وتحريم وتكفير أي مظهر من مظاهر المعارضة أو الخروج عليه، مع تركيز طاقته العقائدية في ذات الوقت على تكفير المكونات الأخرى وشحن الأتباع ضد المخالفين. بالنسبة لنظام صدام حسين، كان هذا الفكر الديني بمثابة أداة طيّعة لإحكام القبضة الأمنية، فالفكر المدخلي يمنح السلطة غطاءً لاهوتياً يُحرم التظاهر أو الثورة ضد الحاكم مهما بلغ ظلمه، وفي المقابل يُطلق يد التيار السلفي في إعادة هيكلة وعي المجتمع وتعبئته طائفياً وتشويه سمعة الشيعة.

ولم تكن هذه الهندسة العقائدية لتكتمل لولا وجود أدوات تنفيذية تمتلك النفوذ الأكاديمي ، وهنا برز الدور المحوري للشيخ حارث الضاري الذي أُوكلت إليه مهام الإشراف والإدارة الدينية في أهم الصروح الدينية في العاصمة، وفي مقدمتها "جامعة صدام الدينية". تحول ذلك الصرح العلمي سريعاً من منبر للمناهج الفقهية العراقية التقليدية إلى مصنع لإنتاج وتأطير الخطاب الطائفي التكفيري الإقصائي، إذ جرى العمل بطريقة منهجية على سلخ أهل السنة في العراق من موروثهم الفقهي التاريخي المعتدل القائم على المذهبين الحنفي والشافعي، اللذين اتسما بالتعايش والروابط الاجتماعية الوثيقة مع الشيعة، وإحلال الفكر السلفي الوهابي القائم على تكفير الآخر واستباحة دمه بدلاً منه.

أُنيطت بالجامعة هيئة من رجال الدين تحت أشراف حارث الضاري مهمة استراتيجية، هي إعادة شحن أهل السنة طائفياً، وبث بذور الحقد والعداء المذهبي في قلوبهم تجاه شركائهم في الوطن، عبر توجيه الرسائل والأطاريح الجامعية في مرحلتي الماجستير والدكتوراة فضلا عن الخطب في الجوامع والمنشورات الدينية للطعن في العقائد الشيعية، وتشويه سمعتهم والكذب والافتراء على طريقة ممارستهم لطقوس الزيارة للمراقد والمزارات وممارساتهم الفقهية، واستخدام منابر البحث العلمي الرسمية كأدوات تحريض تكفيرية تُغلف بـ "الشرعية الأكاديمية".

سياسة الترهيب والترغيب
تزامنت هذه الصياغة في أروقة الجامعات مع استراتيجية ميدانية دؤوبة لإحكام السيطرة على المساجد والجوامع وبناء جوامع جديدة بتمويل من السعودية في كافة المحافظات العراقية، بما فيها المحافظات الشيعية في الوسط والجنوب، لتكون مراكز لنشر الفكر المدخلي. وترافق هذا التمدد مع استغلال قسوة الحصار الاقتصادي والجوع وانعدام الحيلة لدى الناس، فمُورست سياسة مزدوجة تُراوح بين الترهيب والترغيب؛ حيث استُغل الجوع والفقر لجذب الشباب، وفُتحت مناصب الدولة والامتيازات المادية والسطوة الوظيفية لأولئك الذين أبدوا استجابة للانخراط في صفوف التيار السلفي الوافد. بل إن الحملة استهدفت حتى الشباب الشيعة، عبر ترغيبهم بالمكاسب والمناصب والتخفيف من وطأة الملاحقة بشرط الانتماء للسلفية.

غير أن هذا الفرض القسري للغزو الفكري لم يمر دائماً في صمت؛ بل واجه ممانعة مجتمعية صلبة في عدة مناطق. وتظل الذاكرة العراقية تحتفظ بأحداث محافظة الديوانية عام 1997 فشاهداً حياً على هذا الرفض الشعبية إذ اندلعت ثورة ومواجهات شعبية عارمة ضد شيخ الجماعة الإسلامية السلفية الوافدة الذي قَدِم إلى المحافظة بحماية ورعاية مباشرة من الأجهزة الأمنية لفرض هذا النهج، وهي المواجهات التي انتهت بمقتله، في تصريح واضح عن رفض المجتمع العراقي لفرض العقائد الدخيلة بقوة السلطة.

ولم تقف المؤسسات الحزبية بمعزل عن هذا التبني الأيديولوجي الخطير، إذ سرعان ما انتقلت الأدبيات السلفية إلى داخل تنظيمات حزب البعث نفسه في المعاهد والجامعات. وشهدت اجتماعات الحزب الحاكم في منتصف التسعينيات تحولاً غريباً، حيث صار الحزب يروج جهاراً في أدبياته التنظيمية بأن "السلفية هي أطهر المذاهب والوحيدة التي تنزه الله عن الشرك". هذا التبني البعثي للفكر الوهابي أتاح غطاءً سياسياً وأمنياً كاملاً للتكفير، وأعطى السلفية الحصانة المطلقة للحركة والانتشار وتجنيد العقول، مما هيأ البيئة الفكرية واللوجستية التي كانت تنتظر لحظة الانفجار.

من الشحن الفكري إلى السيارات المفخخة
ما شهدته البلاد عقب سقوط النظام عام 2003 لم تبدأ الأزمة من صفر التوقيت، لأنها النتيجة الحتمية والتراكمية لهذا الغراس الخبيث. لم يكن على التنظيمات الإرهابية " كالقاعدة ولاحقاً داعش "سوى قطاف العقول التي تم إعدادها وتجييشها وتعبئتها وجلب أغلبها من الخارج على مدى عقد كامل تحت مظلة "الحملة الإيمانية". إن عشرات الآلاف من السيارات المفخخة، ومئات الانتحاريين الذين فجروا أجسادهم في الأسواق والمساجد والساحات العامة وحصدوا أرواح عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء، لم يأتوا من الفراغ، بل كانوا المخرجات المباشرة لورش التكفير التي فتحت أبوابها في منتصف التسعينيات، وشُحنت بالحقد الطائفي تحت رعاية السلطة وحزبها ومؤسساتها الأكاديمية.
دروس التاريخ ووجوب الوعي
من المؤكد ان لاشيء يأتي من فراغ فتطرف اليوم لم يكن سوى غرس الأمس المقصود، وأن التكفير عندما يُصنع في أروقة السلطة ويُغلف برداء الدين، تحيل نتائجه الأوطان إلى رماد، وهو الدرس القاسي الذي ما زال العراق يدفع ثمنه من دماء أبنائه وأمن واستقرار أراضيه.
لم تكن سوى الثمار المرة للغراس الأيديولوجية التي وُضعت في التسعينيات. لقد تم إعداد هؤلاء الشباب فكرياً عبر تشويه عقائد االآخرين وتربيتهم على الكراهية والحقد وتضليلهم دينيا، وتعبئتهم نفسياً للتضحية بأرواحهم في سبيل حرب طائفية لا تبقي ولا تذر. ولعل أهم الدروس هي ان التجربة التاريخية للعراق تثبت أن اللعب على وتر العقيدة واستدعاء الخطابات الإقصائية لغايات سياسية أو سلطوية يؤدي حتماً إلى كارثة مجتمعية. وإن تفكيك الخطاب السلفي المتطرف وإدراك المسارات التي مر بها عبر التاريخ المعاصر العراقي ليس مجرد قراءة لماضٍ انتهى، بل هو شرط أساسي لبناء مستقبل يقوم على المواطنة والشراكة، ويمنع تجدد هذه التجربة القاسية التي دفع العراقيون ثمنها من دمائهم وأمن واستقرار بلادهم.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مُشرّح الخراب الإنساني: لِمَ فؤاد التكرلي هو المعيار الأقوى ...
- في قبضة العبث: شهادة من قاع المأساة العراقية
- غياب الأمان وظلال الفقد
- معادلة هرمز وباب المندب: هل ينجو -عرّابو طهران- في بغداد من ...
- إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت
- قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود
- العراق بين السيادة الوطنية والوصاية الإيرانية: صراع الدولة و ...
- عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحش ...
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر


المزيد.....




- مقطع مدته 4 ثوانٍ بين ممداني وكورتيز بذكرى 11 سبتمبر يثير ضج ...
- تركيا.. الشرطة تضبط 350 كغم من الكوكايين مخبأة في سفينة شحن ...
- -الوزن النوعي- يستبعد العديد من المعلمات والمعلمين بعد إعلان ...
- لقاء إماراتي-إيراني رفيع بعد التصعيد.. هل بدأت أبوظبي وطهران ...
- قادة الذكاء الاصطناعي يطالبون بإبطاء التطوير وتشديد الرقابة ...
- اكتشاف أقدم دليل على تعاطي المخدرات في التاريخ!
- الشرطة الإسرائيلية تعلن العثور على 3 جثث داخل سيارة محترقة ق ...
- مفتاح أسرار روسيا التجارية بيد أرمينيا والاتحاد الأوروبي يري ...
- السعودية.. اكتشاف مسجد أثري يعود للقرن الأول هجري (صور)
- مدبولي: الدولة تولي مشروعات النقل الجماعي اهتمامًا كبيرًا با ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - عدي حاتم - غِراس النار: كيف مهدت -الحملة الإيمانية- في التسعينيات لانفجار الإرهاب في العراق بعد 2003؟