أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - الشماتة: جروح الدونية المكتومة














المزيد.....

الشماتة: جروح الدونية المكتومة


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 09:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ما أتعس الإنسان عندما يكتشف أن كرامته، التي شيّدها بنزيف روحه، قد أصبحت فريسة سهلة تنهشها كائنات كانت بالأمس تزحف تحت ظلاله! إننا لا نسقط لأن الأيام غدارة فحسب، بل لأننا نحن – بأيدينا الساذجة – غرسنا خناجر حسن النية في صدورنا. هذا هو جلدي لذاتي، وهذه هي خطيئتي الوجودية الكبرى: لقد آمنت بالبشر في عالم لا يرحم إلا القساة، ومنحت الطمأنينة للئام كانوا يتحينون لحظة تعثري ليعلنوا نصرهم الزائف. كيف سمحت لقلبي أن يكون هشاً إلى هذا الحد؟ كيف تركت النبل يعميني عن رؤية الأنياب المستترة خلف الابتسامات الصفراء؟ إنني أقف اليوم أمام مرآة روحي المنكسرة، ألوم هذا النقاء الغبي الذي جعلني متاحاً للدهس، وأجلد هذا الكبرياء الذي لم يتوقع غدر الأيام وتواطؤ الأنذال.
وفي هذه العتمة الفادحة، حيث تتوارى الدنيا مدبرة، تخرج من جحور الغيرة والضغينة تلك الفئة من البشر: الجبناء الشامتون. إن الشماتة في عمقها السيكولوجي ليست مجرد تعبير عابر عن كراهية، بل هي اضطراب عاطفي مركب، وآلية دفاعية خسيسة يلجأ إليها العقل المشوه ليداري به عورته النفسية ونقصه المزمن. الشامت هو إنسان يعيش في جحيم داخلي من الدونية؛ إنه يرى في صعود العزيز إدانة صارخة لعجزه، ويرى في نبل الكريم مرآة تكشف خساسته. لذلك، عندما تسقط تلك القامة العظيمة بفعل تقلبات الأقدار، يتنفس الجبان الصعداء، ويشعر بنشوة هستيرية مؤقتة. إنه يفرح بسقوطك لا لأنه ارتفع، بل لأنه يتوهم للحظة واحدة أن الطين الذي يغرق فيه قد ابتلعك أيضاً، فأصبحتم متساوين في الوحل! يا لبؤس هذه اللذة المريضة التي تتغذى على جراح الآخرين.
يا هؤلاء الواهمون، يا من تقيمون مهرجانات التشفي على أطلال انكسارنا اليوم، لا تفرطوا في الوهم؛ فإن عيونكم العمياء لا ترى أبعد من لحظتكم الراهنة. إن العجلة الدوارة التي رمت بنا إلى قاع هذا الجحيم المؤقت، هي ذاتها التي تقذف بكم نحو قممكم الكرتونية الزائفة. الأيام لا تملك وجهاً ثابتاً، والدنيا التي ترفع اللئيم الحاذق اليوم لغاية سادية، ستخلعه غداً بلا رحمة. غداً، عندما تنقشع غيوم المأساة الحاضرة – والفرج يختبئ دائماً خلف الستائر الأكثر سواداً – ستتغير الأحوال، وتدور الدائرة الرهيبة، وتعودون كعهدكم القديم: فقراء منبوذين على أعتاب نبلنا، تتوسلون نظرة عطف طالما ترفعنا عن منعها، وتبحثون عن كسرة كرامة في بيوتنا بعد أن أكلت المجاعة أرواحكم الجائعة.
ولكن، تأملوا جيداً الفارق الأنطولوجي السحيق والشرخ الوجودي الذي يفصل بين طينتكم ونبعنا: عندما تجثون عند أعتابنا مستسلمين، وتجرون خيباتكم وراءكم، لن نجلد أرواحكم العارية بسياط السخرية، ولن نلوث طهر انتصارنا المتجدد بوحل شماتتكم الغابرة. في أوج انكساركم المذل، لن نكون قضاة قساة كأنفسكم، بل سنمد لكم هذه الأيدي ذاتها التي أدمتها سكاكين غدركم. سنجفف دموع الخزي الحارقة في عيونكم المنكسرة، ونربت على قلوبكم المرتجفة رعباً حتى تطمئن وتدرك أنها في مأمن من الانتقام. لن نهزأ بكم، ليس لأننا لا نشعر بالألم، بل لأننا نترفع عن النزول إلى مستنقعكم.
لماذا نصنع هذا؟ لأن كل إنسان في نهاية المطاف ينضح بما في أعماقه، ويعمل بمقتضى معدنه الأصيل. إن أعظم ما نملكه في هذا الوجود ليس مجداً زائلاً ولا سلطاناً مؤقتاً، بل هذا الأصل الطيب، وهذه القلوب التي رُغم أنها جُبلت على الحزن وسُحقت تحت أقدام اللؤم، إلا أنها ترفض أن تحملك غلاً أو ضغينة. نحن نحب، نعم نحب بغرابة تثير جنونكم، حتى تلك النفوس التي قهرتنا، وتلك الأيادي التي طعنتنا، وتلك الأقدام اللئيمة التي تقصدت وبكل خسة أن تدوس طهر كبريائنا بأسوأ أحذيتها وأكثرها قذارة. يكفينا هذا الفارق الهائل الذي يحدد مصير أرواحنا؛ أنتم تجدون مبرر وجودكم وحياتكم في موت الآخرين وانكسارهم، بينما نحن نجد حياتنا وخلاصنا الروحي في إحياء قلوب من أرادوا بكل جوارحهم موتنا وسقوطنا.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة


المزيد.....




- ما هي شروط إيران الستة لفتح مضيق هرمز؟
- روسيا: كيف يعاقب بوتين منتقدي الكرملين في المنفى؟
- بسبب التهديد الإيراني .. ترامب غير طائرته سرا في تركيا
- الجيش الإسرائيلي يعلن عن حادثة في جبل الشيخ
- -نوفوستي-: أمريكا لن تعوض مخزونات صواريخ جافلين المقدمة لأوك ...
- خبير: -الناتو- يختبر شبكة عصبية عسكرية في أوكرانيا
- نشر منظومات دفاع جوي لحماية ترامب أثناء لعبه الغولف في نيوجي ...
- محافظ القليوبية يوجّه بتكثيف الحملات الرقابية
- التعليم العالي:  بدء المرحلة الثانية لتنسيق طلاب الثانوية ال ...
- الاحتلال يقتحم قرية تِل بنابلس تمهيدا لتفجير منزل الشهيد فار ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - الشماتة: جروح الدونية المكتومة