أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - أسوأُ ما في الألم..














المزيد.....

أسوأُ ما في الألم..


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 18:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليس أشدُّ الألم ما يفتك بالجسد، ولا ما يتركه الزمان من ندوبٍ على صفحات العمر؛ فكلُّ جرحٍ يعتاده الجسد مع الأيام، وكلُّ دمعٍ تجفُّه الرياح مهما أطال المقام. ولكنَّ أشدَّ الألم، وأقساه، وأمضَّه في النفس، أن يُكتب على الإنسان أن يحمل قلبًا يئنُّ في صمت، ولسانًا لا يجرؤ أن ينطق بما فيه، وعينين تحفظان الدمع كما يحفظ الليل أسراره، خشيةَ أن تقع نظرةُ شماتةٍ على وجعه، أو أن تمتدَّ يدُ سخريةٍ إلى موضع كسره.
ما أقسى أن يصبح الصمتُ وطنًا للمنكسرين، وأن يغدو الكتمانُ آخرَ ما يملكه القلب من كرامة. فالإنسان لا يخشى الألم؛ فقد خُلق ليذوق من مرارة الأيام ما يشاء الله له أن يذوق. ولكنه يخشى أن يتحول وجعه إلى متاعٍ تتداوله الألسن، أو إلى مشهدٍ يبتسم له من كان بالأمس قريبًا، فإذا هو اليوم أبعد من الغريب، وأقسى من عابر سبيل.
وهل في الحياة ما هو أمرُّ من أن يبتليك الأيام بمن كنت تظن أن دفءَ قلبه سيقيك بردها، فإذا به يزيدها صقيعًا؟ وأن تفتش عن كتفٍ تستند إليه، فلا تجد إلا جدارًا أصمَّ، أو وجهًا يراك تتهاوى، فيشيح ببصره، أو يرقب سقوطك في صمتٍ لا يخلو من رضا؟
إن للخذلان صوتًا لا تسمعه الآذان، ولكنه يهدم في القلب مدنًا بأكملها. وللشماتة سكينًا لا تُرى، غير أنها تنفذ إلى أعماق الروح، فتترك فيها جرحًا لا يلتئم، لأن اليد التي غرزتها لم تكن يد عدو، بل يدًا حسبتها يومًا تمتد إليك بالعون، فإذا بها تمتد لتختبر مقدار انكسارك.
ولذلك ترى بعض الناس يضحكون، وليس في أرواحهم غير البكاء. يتحدثون مع الآخرين، بينما في صدورهم ألفُ حكايةٍ لم تجد أذنًا أمينةً تسمعها. يمشون بين الخلق بوجوهٍ هادئة، وقد حمل كلُّ واحدٍ منهم على كتفيه مقبرةً من الأحلام، وأطلالًا من الثقة، وذكرياتٍ كانت يومًا تملأ القلب دفئًا، ثم تحولت إلى رماد.
وما أعجب القلب البشري! فهو يحتمل من الألم ما لا تحتمله الجبال، ثم ينهار أحيانًا من كلمةٍ قاسية، أو نظرةٍ باردة، أو ابتسامةٍ أدرك أنها لم تكن مواساة، بل كانت تخفي في أعماقها لذةَ الشماتة. كأن الجراح لا تؤلم لأنها عميقة، بل لأنها جاءت من الأيدي التي كنا نظنها أحنَّ علينا من أيدينا.
لهذا يتعلم الإنسان، بعد طول العذاب، أن يخبئ دموعه كما يخبئ الفقير آخر قطعةٍ من الخبز. ويخبئ آلامه كما تخبئ الأرض كنوزها في أعماقها، لا بخلًا بها، ولكن لأنه أدرك أن بعض الناس لا يعرفون من لغة الدموع إلا لذة الانتصار، ولا يقرأون في صفحات الوجع إلا ما يشبع غرورهم.
غير أن القلب، مهما أثقلته الجراح، يبقى يحمل قبسًا من نور. فهو يعلم أن الدنيا لا تخلو من روحٍ رحيمة، ولا من يدٍ تمتدُّ في صدق، ولا من عينٍ تدمع لألم غيرها دون رياء. لذلك لا ينبغي للألم أن يحول الإنسان إلى صورةٍ أخرى من الذين آذوه؛ بل يكفيه أن يحتفظ بإنسانيته، وأن يظل وفيًّا لقلبه، حتى وإن خانه كثيرٌ من القلوب.
فأسوأُ ما في الألم ليس أنه يسلبنا الطمأنينة، بل أنه يعلّمنا أن نبكي بصمت، وأن نتألم بصمت، وأن نبتسم بصمت... لأننا أدركنا أن بعض الأوجاع لا يزيدها الكلام إلا اتساعًا، وأن بعض الناس لا يستحقون أن يروا دمعةً خرجت من عينٍ أنهكها الحزن، ولا أن يسمعوا أنينَ قلبٍ ما زال، رغم كل شيء، يؤمن أن الرحمة هي أجمل ما أودعه الله في الإنسان.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!
- العظام اليابسة لا تؤذي أحداً
- هل قلت انه يساعد ؟
- راية المجاز في حقيبة الظهر
- المالكي زعلان!!
- آسياد الدوحة - المنتخب العراقي يفوز على نظيره الايراني 2-1


المزيد.....




- مسؤول أمريكي لـCNN: ويتكوف وكوشنر يخططان لزيارة موسكو وكييف ...
- حاول إنقاذ الجميع.. فعلق 9 أيام داخل نفق بعد فيضانات نيبال
- مسيّرة روسية تستهدف مقر جهاز الأمن الأوكراني في قلب كييف
- -أحلى لحظة بحياتي-.. هيفاء وهبي تشعل أجواء مسرح قرطاج وتصر ع ...
- موسكو: متمسكون بشروط التسوية في أوكرانيا
- كاتس: لن ننسحب حتى يسلم حزب الله سلاحه
- بن غفير يعيد ملف التهجير إلى الواجهة
- ليل: الاسم الذي اختاره محمد صلاح لطفله الثالث، ولماذا أثار ك ...
- -على حافة الهاوية-.. كيف نجا نتنياهو من فضيحة جنسية كادت تحط ...
- -واشنطن بوست-: ترامب يسافر إلى إيرلندا على متن -الهدية القطر ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - أسوأُ ما في الألم..