أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عدي حاتم - الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة في دور الصحافة بين الاستقطاب السياسي والسلم الأهلي














المزيد.....

الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة في دور الصحافة بين الاستقطاب السياسي والسلم الأهلي


عدي حاتم

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 10:46
المحور: الصحافة والاعلام
    


الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة في دور الصحافة بين الاستقطاب السياسي والسلم الأهلي
بقلم: عدي حاتم
صحفي وكاتب عاقي مغترب
تُجمع الأدبيات المعاصرة في علوم الإعلام والاتصال السياسي على أن وظيفة الصحافة في المجتمعات الديمقراطية لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تمتد إلى أداء دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، ومراقبة السلطة، والمساهمة في تشكيل فضاء عام يسمح بتداول الأفكار والمصالح بصورة سلمية. غير أن هذه الوظائف تتعرض للتشويه عندما تقع المؤسسات الإعلامية تحت هيمنة القوى السياسية أو الاقتصادية أو الأيديولوجية، وهي الحالة التي يصفها الباحثون بمفهوم "أسر الإعلام" (Media Capture).
وفي الحالة العراقية، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيداً بسبب طبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، وما رافقه من صعود قوى حزبية وطائفية وإثنية امتلكت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شبكات إعلامية واسعة. وبدلاً من تطور المجال الإعلامي بوصفه فضاءً مستقلاً عن مراكز القوة، أصبح جزء مهم منه مندمجاً في بنية الصراع السياسي ذاته، الأمر الذي انعكس على طبيعة الخطاب الإعلامي وعلى دوره المجتمعي.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود وسائل إعلام ذات توجهات سياسية، فهذه ظاهرة معروفة في معظم دول العالم، وإنما في غياب الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي والعمل الدعائي. فحين تتحول المؤسسة الإعلامية إلى أداة تعبئة سياسية، وتتراجع المعايير المهنية أمام اعتبارات الولاء والانتماء، يصبح إنتاج المعرفة العامة خاضعاً لموازين القوة أكثر من خضوعه لمعايير الحقيقة والتحقق.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة في المجتمعات المنقسمة أو الخارجة من النزاعات، حيث يمتلك الإعلام قدرة استثنائية على إعادة تشكيل الهويات الجماعية وتوجيه الإدراك العام. وقد أظهرت تجارب دولية عديدة أن الخطاب الإعلامي يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في بناء السلام كما يمكن أن يصبح أداة لتأجيج الصراعات. ففي تجربة البلقان خلال تسعينيات القرن الماضي، لعبت بعض وسائل الإعلام دوراً بارزاً في تعزيز النزعات القومية المتطرفة وتغذية الكراهية المتبادلة بين المكونات العرقية، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسامات المجتمعية خلال الحروب التي شهدتها المنطقة.
أما المثال الأكثر حضوراً في الأدبيات الأكاديمية فهو تجربة رواندا، حيث أظهرت الدراسات اللاحقة أن بعض المنابر الإعلامية لم تكن مجرد ناقل للأحداث، بل تحولت إلى أدوات تعبئة وتحريض ساهمت في خلق المناخ النفسي والاجتماعي الذي سبق أعمال العنف الجماعي. ولهذا السبب اعتُبر التحريض الإعلامي جزءاً من منظومة المسؤولية التي خضعت للمساءلة القانونية بعد انتهاء المأساة.
وفي ضوء هذه التجارب، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة الدور الذي يؤديه الإعلام العراقي اليوم في ظل الاستقطاب السياسي الحاد والتنافس الإقليمي على النفوذ داخل العراق. فالكثير من المؤسسات الإعلامية لا تعمل في بيئة وطنية خالصة، بل تتحرك ضمن شبكات معقدة من التمويل والولاءات والارتباطات السياسية التي تتقاطع أحياناً مع مشاريع إقليمية متنافسة. ونتيجة لذلك، يتحول الخطاب الإعلامي في بعض الأحيان إلى انعكاس لصراعات المحاور الخارجية أكثر من كونه تعبيراً عن المصالح الوطنية العراقية.
وتتمثل إحدى النتائج الخطيرة لهذه الحالة في إعادة إنتاج الانقسامات الطائفية والإثنية داخل المجال العام. فبدلاً من تعزيز مفهوم المواطنة الجامعة، يجري أحياناً تكريس الهويات الفرعية بوصفها الإطار الأساسي لفهم السياسة والمجتمع. كما يُستخدم خطاب التخوين والشيطنة والتعبئة العاطفية بطريقة تؤدي إلى تقويض الثقة المتبادلة بين الجماعات المختلفة، وهو ما يتعارض مع المتطلبات الأساسية لبناء دولة مستقرة ومجتمع متماسك.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية حرية التعبير أو الدعوة إلى فرض قيود على التعددية الإعلامية، بل على العكس. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن الحل لا يكمن في تقييد الإعلام، وإنما في تعزيز استقلاليته المؤسسية، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وتطوير الأطر القانونية التي توازن بين حرية التعبير ومنع التحريض على الكراهية والعنف. فالمجتمعات الديمقراطية لا تحاسب الصحفي على رأيه السياسي، لكنها تضع حدوداً واضحة أمام الخطابات التي تهدد السلم الأهلي أو تحرض على التمييز والعنف ضد الأفراد والجماعات.
إن مستقبل الاستقرار في العراق لا يرتبط بالإصلاح السياسي وحده، بل يتوقف أيضاً على طبيعة المجال الإعلامي الذي يشكل وعي المواطنين وإدراكهم للواقع. فكلما ازداد استقلال الإعلام عن مراكز النفوذ الضيقة، ارتفعت قدرته على أداء دوره بوصفه مؤسسة عامة تخدم المجتمع بأكمله. أما استمرار حالة الأسر السياسي والطائفي للإعلام، فإنه لا يهدد فقط مهنية الصحافة، بل يهدد كذلك فرص بناء هوية وطنية جامعة قادرة على تجاوز الانقسامات والصراعات التي أثقلت كاهل الدولة العراقية لعقود طويلة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!
- العظام اليابسة لا تؤذي أحداً
- هل قلت انه يساعد ؟
- راية المجاز في حقيبة الظهر
- المالكي زعلان!!
- آسياد الدوحة - المنتخب العراقي يفوز على نظيره الايراني 2-1


المزيد.....




- لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
- جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق ...
- طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم ...
- مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ ‌إيرانية ...
- ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات ...
- لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
- بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
- ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي ...
- تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
- قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عدي حاتم - الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة في دور الصحافة بين الاستقطاب السياسي والسلم الأهلي