أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عدي حاتم - إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا














المزيد.....

إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا


عدي حاتم

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 07:50
المحور: سيرة ذاتية
    


قد تأخذ المنافي أجسادنا إلى أقاصي الأرض، لكنها تعجز عن انتزاع الوطن الذي يسكن في قلوبنا. وأنتِ يا أمي، كنتِ وما زلتِ وطني الأول والأخير.
جفَّت دموعي يا أمي... لا لأن الحزن فارقني، بل لأن الحزن استنفذها حتى آخر قطرة.
فمنذ أن غادرتُ العراق مُكرهًا، لم تعرف عيناي طعم النوم ولا السكون. كانت دموعي تنهمر كالمطر في ليالٍ طويلة لا ينتهي ظلامها، أعدُّ فيها المسافات التي تفصلني عنك، وأحاول عبثًا أن أقنع قلبي بأن الفراق مؤقت، فيكذبني الشوق في كل مرة.
واليوم، لم يعد في مقلتيَّ ما يكفي للبكاء، ولا في بصري ما يكفي لرؤية العالم كما كان. أطفأت الغربة شيئًا من نور عيني، واستنزف الحنين ما تبقى من قدرتي على الاحتمال، حتى خُيِّل إليَّ أن عيوني لم تعد تذرف دموعًا، بل تنزف دمًا، وكأنها تحتج على هذا الغياب الذي طال أكثر مما ينبغي.
أما قلبي يا أمي، فقد هرم قبل أوانه.
أثقلته الخيبات، وأضناه الخوف، وأتعبه الشوق إليك حتى صار كل نبض فيه معركة جديدة بين الصبر والانكسار. كم من مرة شعرتُ أنه سيتوقف من فرط ما يحمل من وجع، لكنه يعود للنبض لأن فيه اسمك، ولأن حبك هو الشيء الوحيد الذي أبقاني واقفًا في وجه هذا المنفى القاسي.
أشتاق إليك في تفاصيل لا ينتبه إليها أحد؛ أشتاق إلى دعواتك التي كانت تسبقني وتحرس أيامي، إلى صوتك حين كنتِ تسألينني إن كنتُ بخير، إلى يديك وهما تمسحان عن روحي تعب العالم كله. أشتاق إلى البيت الذي كان يشبهك، وإلى العراق الذي لم يعد وطنًا فحسب، بل صار مرادفًا لكِ، لأنكِ أنتِ ذاكرته الأجمل ومعناه الأعمق.
لم أختركِ يومًا على حساب الوطن، ولم أختر الوطن على حسابك، لكنني كنتُ أنا الخاسر الوحيد في معركة لم أختر خوضها.
لم أرحل لأن قلبي أراد الرحيل، بل لأن الخوف ساقني إلى منفى لم أكتبه لنفسي. خرجتُ أحمل حقيبة صغيرة، وتركتُ خلفي عمري كله: تركتُ أمي، ورائحة البيت، وضحكات الأمسيات، والأبواب التي كانت تُفتح لي بحنان، وتركتُ جزءًا مني لن يعود كما كان أبدًا.
وما يؤلمني أكثر يا أمي، أن الناس يعزّون من فقد أمه بالموت، أما أنا فأحمل عزاءً لا ينتهي؛ لأنكِ هناك، تحت سماء العراق، وأنا هنا، أعدُّ الأيام والسنين، عاجزًا عن تقبيل يديك، وعن الاطمئنان عليك بعينيَّ، وعن الاحتماء بحضنك كلما أثقلتني الحياة. إنه فراق لا يمنحه الموت يقين النهاية، ولا يمنحه اللقاء دفءَ الخلاص.
في كل ليلة، أرفع يدي إلى الله وأدعوه أن يحفظك من كل سوء، وأن يلبسك ثوب الصحة والعافية، وأن يطيل في عمرك على الطاعة والطمأنينة. وأسأله، وأنا المثقل بكل هذا الحنين، أن يكتب لي يومًا أعود فيه إليك، فأضع رأسي على صدرك كما كنتُ أفعل صغيرًا، وأبكي كل السنوات التي ادعيتُ فيها القوة.
سامحيني يا أمي...
فما تركتكِ زهدًا بك، ولا مللًا من قربك، ولا بحثًا عن حياةٍ أجمل. والله ما خرجتُ إلا مكرهًا، وما ابتعدتُ إلا خوفًا من مصيرٍ لم أختره. لكن اعلمي أن الغربة لم تستطع أن تنتزعكِ من قلبي؛ فما زلتِ وطني الأول، وملاذي الأخير، والدعاء الذي لا يفارق لساني.
يقولون إن الإنسان يعتاد الغياب مع مرور الوقت، لكنهم لا يعرفون أن غياب الأم لا يُعتاد، وأن الابن، مهما تقدمت به السنون، يبقى طفلًا كلما اشتاق إلى أمه. وأنا، يا أمي، ما زلتُ ذلك الطفل الذي ينتظر أن يعود إلى حضنك، فقد أنهكتني الغربة، وأتعبني الحنين، ولم أعد أرجو من الدنيا كلها سوى أن يجمعني الله بك قبل أن يسرق العمر ما تبقى من قدرتي على الانتظار.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!
- العظام اليابسة لا تؤذي أحداً
- هل قلت انه يساعد ؟
- راية المجاز في حقيبة الظهر
- المالكي زعلان!!
- آسياد الدوحة - المنتخب العراقي يفوز على نظيره الايراني 2-1


المزيد.....




- بينهم السيسي ومحمد بن زايد.. مسؤول: ترامب سيلتقي قادة من الش ...
- ترامب يحدد موعد توقيع الاتفاق مع إيران وفتح مضيق هرمز
- مسؤول إيراني: لا خطط سفر خلال اليومين المقبلين لتوقيع اتفاق ...
- -عيد ميلاده-.. الحرس الثوري يعلق بعد إعلان ترامب موعد توقيع ...
- ستارمر يطلع أمين عام الناتو على خطة بريطانيا الدفاعية
- رصد مغادرة طائرات التزود بالوقود الأمريكية مطار بن غوريون ال ...
- ترامب: توقيع اتفاق إنهاء الحرب غداً، وإيران -تستبعد ذلك-
- بعد هجومه على نظامها.. السفارة الإيرانية ترد على وزير خارجية ...
- - قلق غربي ومحاولات استرضاء-: هل يشكل مزاج ترامب ملامح قمة ا ...
- القبض على شخصين يشتبه بتورطهما في سرقة معدات منتخب إنجلترا


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عدي حاتم - إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا