أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عدي حاتم - الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . العراق، النهوض أو النهاية














المزيد.....

الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . العراق، النهوض أو النهاية


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 23:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ البدء، حين كان العالم مسرحاً للَّهْو والغفلة، والغريزة البشرية هائمة في براري العتمة والتوحش، وقف السومريّ على ضفاف الرافدين الأزليين. لم يقف ليرتعت من عشب الأرض كبقية الكائنات، بل وقف وفي يده سرّ الإلهام؛ غرس في صدر الطين روحه ونبضه، فولد الحرف، وانبثق القانون، وخرج الإنسان من حيوانيته الأولى إلى بهائه الإنساني الأرفع. إن العراق لم يكن يوماً مجرد حدود خطتها الصدفة على الخارطة، بل كان ريشة الروح التي خطّت أول سطر في كتاب الوجود، ومنح الدنيا هويتها العاقلة.
لكن الوجود صارم في سننه، والتاريخ لا يحابي الغافلين؛ فأمام محكمة الزمن يقف كل شعب أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يظل ممسكاً بقلم الضياء ليصنع فجر غده، أو أن يستسلم لثقل الغبار فيطويه الرماد، ويُدفن حياً في دهاليز النسيان والإهمال. واليوم، يجد هذا المهد العظيم نفسه عند برزخ حرج ومصيري من عمره الدهري. إنه مخاض الروح العسير بين طريقين: إمّا نهوض كالعنقاء من لظى الرماد، أقوى شكيمة وأبهى طلعة مما كان، وإمّا استسلام مرير يستحيل معه الوطن أشلاءً مبعثرة، تتقاسمها مخالب الذئاب المتربصة خلف حدوده.
والمأساة الأعمق هنا لا تكمن في قسوة الأعداء، ولا في حدة مصالح الغرباء الذين يحيطون به من الشرق والشمال والجنوب؛ بل تكمن في تلك الغشاوة الكثيفة التي ضربت عقول الأبناء، وحجبت أبصارهم عن رؤية الحقيقة العارية. لقد نسجت يد الخديعة ثوباً من الوهم الطائفي، فارتداه المخذوعون في الساحات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. نسير في المتاهة وعيوننا مغمضة؛ فيطنّ ابن الجنوب أن الجار القادم من وراء المرتفعات الشرقية هو الحصن المنيع والدرع الذي يقيه عاديات الزمن، بينما يحسب ابن الشمال والغرب أن الأشقاء الأباعد أو الجار الشمالي هم الملاذ الآمن من أنياب التطرف والموت المتربص في العتمة. يا للأخديعة الكبرى التي صاغتها أصابع المصالح الإقليمية! إن هؤلاء الطامعين جميعاً - على اختلاف ألسنتهم، وتباين راياتهم، وتناقض شعاراتهم المرفوعة - يتلقون في خفاء النوايا وغرف السياسة المظلمة على ميثاق واحد غير مكتوب: أن يبقى العراق طريحاً، ينازع الروح دون أن يلفظها، معلقاً بين الحياة والموت. إنهم بحاجة إلى عراق لا يقوى على النهوض ولا يسقط في العدم؛ ليكون مجرد محفظة مالية تمتلك بالذهب والنفط لتمويل مشاريعهم، ومكباً واسعاً يلقون فيه بنفيائهم البشرية ومتطرفيهم ليحترقوا بعيداً عن ديارهم، وساحة فسيحة لتصريف حروبهم وصراعاتهم دون أن تهتز عواصمهم الآمنة. يريدون من شعب الرافدين أن يكون هو الوقود والمصدّ، والورقة الرخيصة التي يبتزون بها عواصم الغرب وأمريكا على طاولات القمار السياسي.
وفيما يشيد أولئك الجيران صروح تمدنهم ويصعدون في مدارج التطور، يتركون المهد الذي علّم العالم القراءة غارقاً في بئر من العتمة، ومحاصراً بأوحال التخلف والموت والظلام. إن الطائفة في جوهرها ليست عقيدة دينية، بل هي أفيون العقول وخمرة التخدير التي يحقن بها الطغاة جسد الأمة، لكي تستسلم لسرقة مقدراتها وتاريخها وهي تبتسم. لا يمكن لعمامة الغريب، ولا لعقال الشقيق، ولا لعسكر الأجنبي أن يصنعوا وطناً كرامته مصانة. إن الأوطان لا تُبنى بالاستجداء، بل بأيدي أبنائها حين يدركون أن مصيرهم واحد، كالنهرين اللذين تعانقا منذ الأزل ولا يملكان فكاكاً من بعضهما.
لقد حان الوقت لنفض هذا الرماد المستورد، والاستيقاظ من سبات التبعية، والعودة إلى نقاء الهوية الأولى الطاهرة. إن الوعي القومي والوطني هو القلم الوحيد القادر اليوم على خطّ فصل جديد من السيادة والحرية؛ لأن الأمة التي خطّت على لوح الطين أول فكرة للإنسانية، لا يمكن لها أن ترضى بأن تكون مجرد سطر مهمل أو هامش منسي في كتاب الآخرين. فلتكن العودة إلى الحرف الأول عودتنا إلى ذواتنا، ولنكتب معاً، بمداد طيننا ونبض أرواحنا، فجراً جديداً يليق بمهد الحضارة؛ فالنهر الذي صاغته يدُ الروح لا يجف، والحرف الذي ولد من رحم التراب لا يموت، بل ينتظر أيادٍ أمينةٍ تحفره من جديد على لوح القدر. العراق، النهوض أو النهاية. والنهوضُ يبدأ بحرفٍ يُكتب، لا بدمعةٍ تُذرف.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-لحظة وقوع الهجوم الحوثي على ميناء المخا مؤخر ...
- مجتبى خامنئي يعين محسن رضائي ممثلا له في مجلس الأمن القومي
- ميلادينوف: ما نطلبه من إسرائيل ألا يتخطى جيشها الخط الأصفر ف ...
- نيويورك تايمز: واشنطن قلقة من -تحرك- روسيا والصين إزاء استنز ...
- سوريا.. ازدحام جراء إغلاق معبر إعزاز وسط مخاوف المواطنين على ...
- ألمانيا.. حوالي 700 راكب دراجة هوائية يجوبون عراة شوارع برلي ...
- ترامب يشبّه المفاوضات مع إيران بلعبة الشطرنج
- وزيرة خارجية فلسطين لـRT: الاستيطان إرهاب إسرائيلي
- بعد جدل واسع.. الخارجية الإسرائيلية تحذف خريطة تضم جنوب لبنا ...
- إسقاط 285 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق روسية في يوم واحد


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عدي حاتم - الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . العراق، النهوض أو النهاية