أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تراها العيون














المزيد.....

من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تراها العيون


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 22:32
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ثمة جراح لا يجرؤ الزمن على الاقتراب منها، وكأن بينه وبينها عهدًا ألا تموت. ليست كل الجراح أثرًا يخلفه سكين، ولا كل الندوب علامة على جلدٍ تمزق؛ فبعضها يُولد في القلب، ثم يستوطن الروح حتى يغدو جزءًا من نبضها، وجزءًا من صمتها، وجزءًا من ذلك الليل الطويل الذي لا يعرف للفجر سبيلًا. إنها جراح لا تنزف دمًا، بل تنزف أعمارًا، وتستنزف ما في الإنسان من يقين، حتى يصبح يحمل جسده كما يحمل الغريب حقيبةً أثقلها السفر.
ما أقسى أن يكتشف المرء أن الطعنة التي مزقت قلبه لم تأتِ من يد عدو، بل من يدٍ كان يظنها مأمنه الأخير، فالعداوة لا تُدهشنا، إنها تعلن عن نفسها منذ البدء، أما الخذلان فإنه يتسلل في هيئة المحبة، ويرتدي ثوب الوفاء، ثم يغرس خنجره في اللحظة التي يكون فيها القلب قد أسقط آخر أسواره، وحينها لا ينكسر القلب وحده، بل تنكسر معه صورة العالم وتسقط الثقة كما تسقط أوراق الخريف حين يشيخ الغصن قبل أوانه.
وفي ليالي المنفى، حيث يتثاءب البرد في الأزقة، ويصير الهواء أثقل من الرصاص، يجلس الإنسان قبالة وحدته كما يجلس سجين أمام باب زنزانته، يعلم أنه مفتوح، لكنه عاجز عن العبور. ينظر إلى السماء فلا يرى سوى غيوم تشبه أفكاره وإلى الأرض فلا يجد إلا ظله وقد أصبح هو الآخر غريبا عنه... حتى الدموع، تلك التي كانت تخفف وطأة الأحزان، تتجمد في المآقي، وكأن العين تعبت من البكاء كما يتعب القلب من الخفقان.
يسأل نفسه، ولا ينتظر جوابا: كيف استطاع الذي أحببته أن يكون كل هذا الخراب؟
كيف تحول الحضن الذي احتميت به يوما إلى هاوية ألقت بي في قاعها دون رحمة؟
وكيف استطاع وجهٌ كان يشرق في حياتي كالصباح أن يصبح عتمة كلما مر في الذاكرة؟
تلك الأسئلة لا تبحث عن إجابة، لأنها تعلم أن الحقيقة أشد مرارة من احتمالها وأن بعض الأبواب، إذا فُتحت، خرجت منها رياح لا تترك في القلب حجرا على حجر.
الخذلان ليس حادثةً تقع ثم تمضي، بل هو زمن كامل يولد داخل الإنسان، إنه المرض الذي يأكل الثقة ببطء، حتى لا يبقى منها سوى رماد، تصبح الذكريات، التي كانت حدائق مزهرة، مقابر معلقة في الذاكرة، وتتحول الضحكات القديمة إلى صدى بعيد يؤلم أكثر مما يواسي. كل رسالة كانت تبعث الحياة في القلب، تصبح وثيقة إدانة، وكل وعد قيل تحت سماء الثقة، يتحول إلى شاهد قبر يقف صامتا فوق أحلام لم تُدفن كما ينبغي.
ثم تأتي الوحدة... تلك التي لا تشبه غياب الناس، بل تشبه غيابك أنت عن نفسك، إنها ليست غرفة خالية، بل عالمٌ كامل أُطفئت أنواره دفعة واحدة، يجلس الإنسان بين أربعة جدران، فيكتشف أن أكثر الأصوات ضجيجا هو الصمت، وأن أقسى الرفاق هو الذكرى حين تصر على العودة كل ليلة، كطائر يعرف نافذتك ولا ينسى طريقه إليها.
في الوحدة، تتكلم الأشياء. يتكلم الكرسي الذي كان ينتظر حضورا لن يعود، ويتكلم فنجان القهوة الذي برد منذ زمن، وتتحدث الساعة المعلقة على الجدار وهي تعدّ الدقائق كما يعدّ السجّان أيام الأسير، كل شيء يذكرك بأن أحدًا كان هنا، وأن أحدًا مضى، لكنه لم يأخذ معه سوى جسده، أما روحه فقد تركها معلقة في أركان المكان، تعذبك كلما مررت بها.
أما جراح الكرامة، فهي ليست جراحا فحسب، بل زلازل تهدم المدن التي نبنيها داخل أرواحنا حين تُهان على يد من منحته ثقتك، تشعر أن شيئا مقدسا قد انكسر إلى غير رجعة، ليس الألم في الإساءة وحدها، بل في أنك كنت ترى في ذلك الإنسان مرآةً لنفسك، فإذا بالمرآة تتحطم، وتتناثر شظاياها في أعماقك، فلا تعود تعرف أي وجه هو وجهك الحقيقي.
ويقول الناس إن الزمن طبيب ماهر، لكنهم ينسون أن الزمن لا يشفي كل شيء، بل يعلّم بعض الجراح كيف تصمت، ويعلّم أصحابها كيف يبتسمون وهم يحملون مقابرهم في صدورهم. تمر السنوات، وتتغير المدن، وتشيخ الوجوه، غير أن بعض الأحزان تبقى فتية، لا يطالها الوهن، ولا تنال منها الأيام، إنها تنام قليلًا، لكنها لا تموت، وتختبئ خلف ضحكة عابرة، ثم تعود فجأة لتعلن حضورها بكامل قسوتها.
عندئذ يمشي الإنسان بين الناس كأنه ظل نسي صاحبه، يوزع ابتساماتٍ مستعارة، ويخفي وراء عينيه بحرا من الانكسارات، يحيي هذا، ويصافح ذاك، ويؤدي تفاصيل الحياة بإتقان، بينما روحه تجلس في مكان آخر، على أطلال مدينةٍ اسمها الثقة، هدمتها يدٌ واحدة كانت يوما أقرب إليه من نبضه.
ومع ذلك... يواصل السير، لا لأن الطريق صار أقل وعورة، ولا لأن الجراح التأمت، بل لأن الحياة لا تستأذن أحدًا كي تمضي، يحمل قلبه كما يحمل المسافر إناءً مكسورًا، يخشى أن يسقط منه ما تبقى من روحه، ويكتشف، بعد أعوامٍ من الصمت، أن أقسى ما يفعله الألم بالإنسان ليس أنه يجعله يبكي، بل أنه يعلّمه كيف يبتسم وهو ينزف، وكيف يصمت بينما تعصف في داخله ألف عاصفة.
وهكذا، يبقى بعض الوجع مقيما في القلب، لا يطلب الرحيل، ولا يقبل النسيان، يصبح جزءً من اللغة، ومن النظرة، ومن ارتعاشة الصوت، حتى يغدو الإنسان هو جرحه، ويغدو الجرح وطنا لا حدود له. فثمّة أحزان لا تُشفى، لأنها لم تُخلق لتبرأ، بل خُلقت لتذكّرنا أن أكثر ما يكسر الإنسان ليس قسوة الحياة، وإنما سقوط الذين ظنّهم يومًا سقفًا يحتمي به، فإذا بهم أول حجر يسقط فوق رأسه.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!
- العظام اليابسة لا تؤذي أحداً
- هل قلت انه يساعد ؟
- راية المجاز في حقيبة الظهر
- المالكي زعلان!!
- آسياد الدوحة - المنتخب العراقي يفوز على نظيره الايراني 2-1


المزيد.....




- مصر.. جدل حول تأثير -نظام الطيبات- على تراجع أسعار الدواجن
- الشرع يكشف: نعمل على اتفاق أمني مع إسرائيل.. ودمشق لن تتدخل ...
- البرازيل ترفض منح تأشيرتين لمسؤولين أميركيين كانا يعتزمان عق ...
- سيارات تتحول إلى أسلحة.. هجمات دهس دامية في ألمانيا
- الجيش الإسرائيلي يعلن تصفية قائد خلية المسيرات التابعة لحماس ...
- هولندا.. أمستردام تعزز إجراءات الأمن حول احتفالات -وورلد برا ...
- -وول ستريت جورنال-: أمريكا وإيران عالقتان في دوامة من التصعي ...
- بوتين: روسيا لم تبدأ الصراع في أوكرانيا بل ردت على حرب شنها ...
- بوتين يصف غرب أوكرانيا بأنه كان هدية لكييف من ستالين
- -سيصبح هدفا لنا-.. زيلينسكي يثير حفيظة وسخط إيران


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تراها العيون