أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدي حاتم - العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين














المزيد.....

العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 16:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


العلمانية لا تحمي السلطة السياسية من تدخّل رجال الدين فحسب، بل تحمي الدين نفسه من تغوّل الدولة واستغلالها له. إنها ليست إلحادًا مقنّعًا كما يروّج بعض المتشددين، بل موقف حضاري يقوم على الاحترام العميق لكل الأديان والمذاهب، والمساواة التامّة بينها، وحرية الفرد المطلقة في اختيار معتقده وطريقة تعبّده.
تطلب العلمانية من الدولة أن تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان، فلا تميل إلى دين على حساب آخر، ولا تمنح أيًا منها امتيازاتٍ تُخلّ بمبدأ المواطنة. باختصار، هي الفصل الواضح بين الدين والدولة؛ ليبقى الدين طاهرًا في ضمائر الناس، وتبقى الدولة عادلة محايدة في تدبير شؤون المجتمع.
في الدولة العلمانية، لا يُبنى القرار السياسي أو التشريعي على نصوص غيبية، بل على العقل والدليل العلمي والمصلحة العامة. يصدر التشريع عن برلمان منتخب، مدعوم بخبراء متخصصين، ويخضع لنقاش عام حر وشفاف، تشارك فيه مختلف فئات المجتمع. أما في الدولة الدينية، فيكون مصير الأمة مرهونًا باجتهاد فرد واحد أو جماعة محدودة، مهما بلغت درجة علمهم الشرعي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: استبداد يرتدي ثوب القداسة، وهو أشد أنواع الاستبداد فتكًا.
يحاول بعض دعاة الدولة الدينية تحميل العلمانية وزر الشمولية التي سادت العالم العربي عقودًا، غير مدركين - أو متجاهلين - أن معظم الأنظمة التي حكمت خلال تلك الفترة لم تكن علمانية بحق. لقد فرضت دينًا أو مذهبًا رسميًا، وحوّلت مؤسسات الدولة إلى أدوات دعاية دينية، فكان حكمها أقرب إلى الشمولية الدينية منه إلى العلمانية الحقة.
ولا تُحسب العلمانية على الثورة الفرنسية وحدها، فجذورها الفكرية تعود إلى قلب التراث الإسلامي. كان ابن رشد، عالم الدين والفيلسوف، من أوائل من أرسى أسس التمييز بين مجال العقل ومجال الوحي. وسار على نهجه علماء أجلّاء من السنة والشيعة، أمثال: محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، والأخوند الخراساني، وهبة الدين الشهرستاني، والشيخ محمد حسين النائيني، والسيد أبو القاسم الخوئي. لقد رفض هؤلاء جميعًا فكرة "ولاية الفقيه" السياسية و"إمارة المؤمنين" كما طُبّقت تاريخيًا، محذرين من تحوّل رجال الدين إلى أرباب يستعبدون الناس باسم الدين، وهو ما حذّر منه القرآن الكريم ذاته: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾.
وقد بلغ الشيخ النائيني ذروة هذا الوعي حين وصف الاستبداد الديني بأنه "أسوأ أنواع الاستبداد" لأنه يتدثّر بالقداسة، ونبّه في رسالته الشهيرة "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" إلى خطورة تحالف الاستبداد السياسي مع الاستبداد الديني، معتمدًا مع غيره من العلماء على نصوص قرآنية واضحة من قبيل: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، و﴿وَمَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
وتؤكد التجارب التاريخية أن الأديان تزدهر وتتنفس بحرية أكبر في ظل الدولة العلمانية الديمقراطية، لأن الإيمان فيها يكون اختيارًا حرًا لا إكراهًا. حين تكفل الدولة حرية المعتقد والتعددية الدينية، تنشأ منافسة إيجابية بين الأديان، فيسعى كل طرف إلى تجديد نفسه وإقناع الناس بطواعية. أما أخطاء الحكام فتبقى محصورة فيهم، لا تلوّث الدين ولا تلقي بظلالها على المقدّس.
بل إن الطبيعة البشرية ذاتها تشهد لهذه الحقيقة: فالإنسان بطبيعته أميل إلى ما يُمنع منه، وأكثر فضولًا تجاه ما يُحظر عليه، وأشد تمرّدًا على ما يُفرض عليه بالقسر. وحين تُغلق أبواب السماء بالسلاسل، يبحث الناس عن نوافذ الأرض. التجربة الإنسانية، في كل مكان وزمان، تعلّمنا أن الإيمان الحقيقي لا ينبت في تربة الإكراه، وأن التدين القسري يفرز إما النفاق الاجتماعي وإما التمرد الصامت. التاريخ وحده يروي لنا كيف أن المجتمعات التي ضُيّق فيها على حرية الضمير أنتجت موجات من الإلحاد واللامبالاة، لا من التدين الصادق.
إن الدين - أي دين - لا يستطيع أن يكون جامعًا لشعب متنوع الأديان والمذاهب والأعراق، لأن حتى أتباع الدين الواحد يختلفون في تأويل نصوصه وتفسير تعاليمه. أما الجامع الحقيقي للأمة فهو الوطن والمواطنة والمصلحة المشتركة. وهذه المصلحة لا تتحقق إلا في ظل دولة مدنية حديثة، تقوم على العدل والمساواة وسيادة القانون والعقل، بعيدًا عن كل أشكال الشمولية، دينية كانت أم قومية أم أيديولوجية.
العلمانية ليست عداءً للدين، بل هي أرقى صور الاحترام له. إنها الدرع الذي يصون قدسية الدين من تلويث السياسة، ويحمي الدولة من استغلال الدين. هي الطريق إلى مجتمعٍ ينعم فيه الإنسان بحريته، وتزدهر فيه الأفكار، وتتقدّم فيه الأمة بالعلم والعدل والإنسانية.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!
- العظام اليابسة لا تؤذي أحداً
- هل قلت انه يساعد ؟
- راية المجاز في حقيبة الظهر
- المالكي زعلان!!
- آسياد الدوحة - المنتخب العراقي يفوز على نظيره الايراني 2-1


المزيد.....




- حراس الحضور المسيحي في فلسطين: تكامل الأدوار بين الكنيسة وال ...
- 270 عاما على تدشين كنيسة قيامة المسيح.. شاهد على تاريخ القيا ...
- حزب عربي يهودي جديد يستهدف الشباب في انتخابات إسرائيل
- المقاومة الإسلامية في العراق تتوعد الولايات المتحدة والسعودي ...
- -المقاومة الإسلامية في العراق- تمنح الحكومة مهلة للرد على ال ...
- 149 مستوطناً يقتحمون المسجد الأقصى وسط حماية أمنية مشددة
- اليهود والمسلمون في البوسنة ـ مثال للتعايش الديني والثقافي
- رفضت بيع غرفتها ليهود.. فلسطينية مغربية تتمسك برباطها على مش ...
- الرحلة التاريخية لفكرة الجامعة الإسلامية
- متظاهرة وحيدة تحتج بمفردها أمام كاتدرائية واشنطن خلال جنازة ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدي حاتم - العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين