أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الغاء عقوبة الاعدام - عدي حاتم - عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحشية حبل المشنقة














المزيد.....

عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحشية حبل المشنقة


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 01:09
المحور: الغاء عقوبة الاعدام
    


من الصعب أن تقف على أرض اهتزت تحت وطأة خطى السومريين والأكديين والبابليين، دون أن تشعر بثقل التاريخ وهو يضغط على صدرك، هنا على ضفاف دجلة والفرات في أرضٍ كانت السباقة إلى طرد العتمة عن العقل البشري، انبلج النور الأول للعدالة. وعلى هذه الأرض الممتدة بين النخل والماء، وقف الملك حمورابي قبل آلاف السنين، لا ليرفع سيفا، بل ليشيد مسلّة من حجر البازلت الأسود، تاركاً للوجود أول مدونة تنظم حياة البشر وتُخرج العقاب من غابة الثأر العشوائي إلى رحاب القانون المكتوب. كان العراق، يوم كانت الأرض تخوض في الفوضى، هو المعلم الأول للحضارة والمهد الذي ولدت فيه فكرة العدالة المؤسسية.
لكن المفارقة المحزنة التي تجعل القلب يعتصر ألماً، هي أن الأرض ذاتها التي أنجبت المبدأ الأول للحفاظ على السلم الأهلي، باتت اليوم واحدة من أكثر بقاع الأرض تنفيذا لعقوبة الإعدام. لقد تحول مهد التشريع، بفعل العقود العاصفة من الحروب والدكتاتوريات والدماء، إلى مسرحٍ يرتفع فيه صوت الحبل على صوت الحكمة وتُسلب فيه الحياة باسم القانون الذي شُيد في الأصل لحمايتها.
السجال المحموم حول عقوبة الإعدام ليس مجرد نقاش قانوني جاف، بل هو اختبار لروح الأمة وعافيتها الأخلاقية، فالقائلون بأن قطع الرقاب هو الملاذ الأخير لاستتباب الأمن يغفلون حقيقة علمية وإنسانية أثبتتها تجارب الشعوب وهي أن الدماء لا تغسل الدماء وأن مشنقة الدولة لم تكن يوماً الترياق الشافي من الفوضى والعنف.
ويتذرع المدافعون عن هذه العقوبة الشنيعة، بضرورة الردع وقمع الجريمة، لكن نظرة واحدة إلى خريطة العالم المعاصر تكشف زيف هذه المقولة وهشاشتها. كما أن الغاء عقوبة الإعدام لم يكن يوماً دعوة للتسامح مع الجناة، ولا تشجيعاً على تفشي الجريمة، بل كان خطوة واعية نحو صيانة المجتمع من إنتاج العنف. والتاريخ المعاصر يروي لنا كيف أن المجتمعات التي ملكت الشجاعة الأخلاقية لإلغاء هذه العقوبة، لم تنهار أمنياً، بل شهدت انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الجرائم العنيفة.
ولعل تجربة كندا خير مثال على ذلك، فبعد أن ألغت عقوبة الإعدام في سبعينيات القرن المنصرم، انخفضت معدلات القتل العمد فيها بشكل تدريجي ومستمر لتسجل أدنى مستوياتها بعد عقود من الإلغاء. وفي القارة الأوروبية التي أغلقت جميع دولها أبواب المقاصل وألغت الإعدام قانونيا وعمليا، انخفضت معدلات الجريمة والعنف إلى مستويات هي الأدنى عالمياً مقارنة بالدول التي ما زالت تتشبث بالحبل والكرسي الكهربائي. وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، تظهر البيانات المقارنة بين الولايات المختلفة أن الولايات التي ألغت العقوبة تسجل معدلات قتل أقل بكثير من تلك التي ما زالت تنفذ أحكام الإعدام بانتظام.
هذه الشواهد تؤكد حقيقة جنائية ساطعة هي ان المجرم يرتكب جريمته حين يعتقد أنه سينجو من الاعتقال، لا حسب نوع العقوبة، فالردع الحقيقي يكمن في كفاءة الأجهزة الأمنية ونزاهة القضاء وسرعة تطبيق القانون، لا في قسوة المشنقة وحجم الرعب الذي تثيره.
وما ينطبق على الجرائم الجنائية الكلاسيكية، ينطبق بصورة أكثر جلاءً وعمقاً على ملف الإرهاب الذي اكتوى العراق بناره لعقود، لاسيما وان البعض يردد أن استئصال شأفة الجماعات المتطرفة يتطلب تصعيد أحكام الإعدام بحق عناصرها!
بيد أن هذا المنطق يعاني من خطأ مفهومي قاتل في فهم سيكولوجية التطرف والمتطرفين، فالإرهابي الذي يساق إلى المقصلة لا يرى في الحبل عقابا ترتعد له فرائصه، بل يرى فيه البوابة للوصول إلى الغاية التي طالما بحث عنها وسماها (شهادة).
لذلك فإن عقوبة الإعدام لا تردع الإرهابيين لأنهم وحوش قادمون من خلف حدود الحياة، يبحثون عن الموت ويتوقون إليه كفكرة عقائدية وملاذ أخير. حين تنفذ الدولة الإعدام بحق هؤلاء، فهي لا تقضي على فكرهم، بل تمنحهم مجاناً الرمزية التي يقتتلون لأجلها، إنها تحول القاتل السفاك في نظر أتباعه إلى (شهيد ومظلوم)، وتوفر لشبكات التجنيد والتطرف الوقود الفكري والتحريضي لتجنيد أجيال جديدة من الشباب الغاضب، فضلا عن ذلك، فإن إعدام الإرهابي يُعد خطأً استخباراتيا وجنائياً فادحا فهو يقطع خيط المعلومات الذهبي ويدفن مع الجاني أسرار الشبكات التمويلية والعقول المدبرة والخلايا النائمة التي كان يمكن كشفها واستئصالها لو بقي ذلك الإرهابي قابعاً خلف جدران السجن المؤبد لمدى الحياة.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن الإسراع في وجبات الإعدام الجماعية لم يوقف السيارات المفخخة ولم يمنع صعود التنظيمات المتطرفة من ركام سابقتها، كما أن العدالة الحقيقية لضحايا الإرهاب والجريمة لا تتجلى في تشكيل طابور جديد أمام حبل المشنقة، بل تتجلى في بناء دولة المؤسسات وفي فرض عقوبات مؤبدة صارمة تحرم الجاني من حريته للأبد دون أن تنحدر بالدولة إلى مستواه الأخلاقي فتسلب الحياة.
عندما ألغى البابليون القدماء فوضى الانتقام الشخصي وكتبوا القانون، كانوا يسعون لإحلال النظام مكان الشريعة البدائية واليوم، يجب ان يتطلع العراق إلى استعادة روحه الحضارية، الروح التي لا تكتفي بقطع دابر الجريمة، بل تسمو بالعدالة لتكون وسيلة للبناء وليس للقتل.
إن إلغاء عقوبة الإعدام في أرض حمورابي ليس ترفاً فكرياً ولا استسلاماً للضغوط الدولية، بل هو استعادة لمكانة العراق التاريخية كمعلم للإنسانية، لأن الدولة القوية بحق هي التي تسجن المجرم لتدرأ شره، وتدرس دوافعه لتمنع تكرار جريمته، لا الدولة التي تظن أن قطع الرقاب يمحو خطايا المجتمع. لقد حان الوقت لينفض العراق عن كاهله غبار عقودٍ من الدماء، وليطفئ أنوار السجون المغلقة على أحكام الموت، ليعود كما كان دائماً... أرضاً للحياة، ومهداً أزلياً للعدالة والقانون.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي


المزيد.....




- أمريكا.. اعتقال مؤثر يميني متطرف معاد للإسلام بعد تحول احتجا ...
- إيمان كريم: المجتمع المدني شريك أساسي في حماية وتمكين الأشخا ...
- قاضية أمريكية تلغي حظر تأشيرات المهاجرين من 75 دولة.. ومصر ض ...
- وزير مغربي يحمّل إسبانيا المسؤولية عن تدفق المهاجرين الجماعي ...
- الضفة.. إصابة 5 فلسطينيين واعتقال شابين بهجمات واقتحامات إسر ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- في جازان وتكشف ...
- عاجل| المبعوث الأمريكي توم براك: الإسرائيليون يحتلون الجولان ...
- السودان.. الحصبة تحصد 50 طفلا والجوع يفتك بآلاف النازحين في ...
- إعلام الأسرى الفلسطينيين: 7 عمليات قمع استهدفت أسيرات الدامو ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- في جازان وتكشف ...


المزيد.....

- نحو – إعدام! - عقوبة الإعدام / رزكار عقراوي
- حول مطلب إلغاء عقوبة الإعدام في المغرب ورغبة الدولة المغربية ... / محمد الحنفي
- الإعدام جريمة باسم العدالة / عصام سباط
- عقوبة الإعدام في التشريع (التجربة الأردنية) / محمد الطراونة
- عقوبة الإعدام بين الإبقاء و الإلغاء وفقاً لأحكام القانون الد ... / أيمن سلامة
- عقوبة الإعدام والحق في الحياة / أيمن عقيل
- عقوبة الإعدام في الجزائر: الواقع وإستراتيجية الإلغاء -دراسة ... / زبير فاضل
- عقوبة الإعدام في تونس (بين الإبقاء والإلغاء) / رابح الخرايفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الغاء عقوبة الاعدام - عدي حاتم - عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحشية حبل المشنقة