أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدي حاتم - المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح القصب، نبي الصورة في فضاء المسرح العربي














المزيد.....

المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح القصب، نبي الصورة في فضاء المسرح العربي


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


المتمرد البصير: صلاح القصب ومعمار المسرح المغاير.
في فضاء المسرح العربي، حيث ظلّت الكلمة لقرونٍ طويلة هي السيد والمبتدأ والمنتهى، انبثق الدكتور صلاح القصب كالعاصفة التي زلزلت أركان السائد، وأعادت صياغة الوجود المسرحي من منظور مغاير تمامًا. لم يكن القصب مجرد مخرج مرّ عابرًا في تاريخ الخشبة العراقية، بل كان فيلسوفًا بصريًا، ونبيًا لـ "مسرح الصورة" الفني الذي حوّل العرض المسرحي من طقس استماعي وتلقٍّ شفاهي تقليدي، إلى ملحمة كيميائية خلّاقة تمتزج فيها حركة الجسد البشري بشعرية الضوء وجنون السينوغرافيا المبتكرة. برحيله الفاجع، انطفأت منارة فكرية وإبداعية كبرى، لكن إرثه البصري الفريد يظل محفورًا في وجدان الحركة المسرحية العراقية والعربية كعلامة فارقة لا تمحى، وتاريخ مجيد يُكتب بالضوء والظل، لا بالحبر السائل على الورق.
لقد تخرّج القصب في أروقة كلية الفنون الجميلة ببغداد أواخر الستينيات، ثم شدّ الرحال متوجهًا إلى رومانيا لينال دبلومًا عاليًا في الإخراج والسينما؛ وهو المنعطف المعرفي والفكري الذي شكّل بصيرته الفنية وحدد بوصلته الجمالية. هناك، في مغتربه الأكاديمي، التقت عيناه بسحر الإطار السينمائي، وديناميكية الكاميرا وحركية التشكيل، ليعود بعد ذلك إلى عاصمة النور بغداد محملاً برؤية ثورية نسفت تمامًا مفهوم "المخرج المنفّذ" للنص الأدبي الجامد.
لقد آمن الراحل الكبير بأن الخشبة ليست مجرد امتدادٍ مادي للورق، بل هي فضاء كوني مستقل له لغته السيميائية وقوانينه الخاصة وتأثيره الساحر. ومن رحم هذه القناعة الراسخة، وُلد مشروعه النظري الأبرز "مسرح الصورة"، حيث تراجعت الكلمة المنطوقة والخطابة اللفظية لتفسح المجال واسعًا أمام "شعرية الفضاء" وتكويناته، فغدا الصمت في عروضه بليغًا بحد ذاته، وتحولت الإيماءة والكتلة والفراغ واللون إلى حوارات بصرية مكثفة وعميقة تخاطب وعي المتلقي ولا وعيه في آن واحد.
يتجلى هذا التجريب الفلسفي الجريء في معالجاته الاستثنائية والمغايرة لأمهات الكلاسيكيات العالمية، وتحديدًا لأعمال ويليام شكسبير وأنطوان تشيخوف. ففي عرضه التاريخي الخالد "هاملت" عام 1980، صدم القصب الذائقة النقدية التقليدية السائدة وفجّر طاقات العرض المسرحي الكامنة؛ حيث فكك النص الشكسبيري الشهير برؤية تفكيكية واعية، وأعاد بناءه كلوحة تشكيلية سريالية متحركة تُعنى بالصراع الوجودي للإنسان عبر الجسد ومؤثرات الضوء بدلاً من المونولوغات الطويلة المعتادة.
وتوالت بعد ذلك روائعه البصرية الباهرة مثل "الملك لير"، "مكبث"، و"العاصفة"، إلى جانب روائع تشيخوف السيكولوجية كـ "طائر البحر"، "الخال فانيا"، و"الشقيقات الثلاث". لم يكن القصب يخرج المسرحية بالطريقة المألوفة، بل كان يعيد كتابتها وتدوينها بصريًا، مستنطقًا الجماليات المخبوءة خلف الكلمات، ومحولاً الفضاء المسرحي إلى مختبر كوني للتعبير الإنساني المطلق. ولم تقتصر أعماله على استلهام الغرب، بل امتدت لتلامس الأسطورة الرافدينية العراقية والأساطير الشرقية في عروض متميزة مثل "الخليقة البابلية"، "أحزان مهرج السيرك"، و"عزلة في الكريستال".
إن فضل الدكتور صلاح القصب على المسرح العراقي والعربي لا يُقاس مطلقًا بعدد الجوائز أو التكريمات، بل بحجم الانقلاب المفاهيمي والجمالي الذي أحدثه في بنية الإخراج التأسيسية. ففي العراق، انتشل المسرح من وهدة النمطية والخطابية التلقينية المباشرة، وحوّل الخشبة إلى منصة حية للتجريب الطليعي، متيحًا للسينوغرافيا أن تتبوأ مقعد الصدارة كعنصر درامي فاعل لا كديكور تزييني هامشي، فضلاً عن تخريجه لأجيال متعاقبة من الأكاديميين والفنانين المبدعين الذين تشربوا فلسفته الصارمة خلال سنوات تدريسه في جامعة بغداد.
أما على الصعيد العربي، فقد كسر القصب المركزية النصية المطلقة التي كبّلت المسرح لقرون، وأثبت في المهرجانات الكبرى من قرطاج إلى القاهرة ودمشق، أن المخرج العربي قادر على مجاراة تيارات الحداثة العالمية بل والتفوق عليها عبر خصوصية الهوية البصرية. لقد كان القصب أول من ربط المسرح بالعلوم الفيزيائية الحديثة، مستعيرًا مفهوم "فلسفة الكوانتوم" ليؤكد أن الحركة المسرحية طاقة حرّة، احتمالية ولا نهائية في تأويلاتها الجمالية والفكرية.
يرحل الجسد اليوم، وتظل المظلة السوداء الشهيرة التي رافقت رحلته الفكرية الطويلة رمزًا أبديًا للبحث الدائم والمضني عن الحقيقة الفنية وراء حجب الظلام والنسيان. إن أي محب للمسرح أو متخصصٍ به لا يسعه في هذا المقام إلا أن يقف إجلالاً وتكريمًا أمام هذا الرائد الفذ الذي علّمنا بحق كيف نقرأ العرض المسرحي بأعيننا الناقدة لا بآذاننا المستمعة فقط.
لقد حفر صلاح القصب اسمه بأحرف من نور في لوح الخلود الفني كأحد أعظم السينوغرافيين والمخرجين المنظرين في العصر الحديث، تاركًا خلفه مسرحًا حيًا لا يموت، وصورًا بصرية مذهلة ستظل تتراقص على جدران الذاكرة الفنية العربية إلى الأبد، شاهدةً على أن الضوء أقوى من العتمة، وأن الفن الصادق المبتكر هو المبتدأ وهو المنتهى في صراع الإنسان مع الزمن.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)


المزيد.....




- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...
- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدي حاتم - المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح القصب، نبي الصورة في فضاء المسرح العربي