أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت














المزيد.....

إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:28
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لعقدين ونيّف من الزمان، والروح تُجرح كل يوم من المكان نفسه، وكأن الوقت الذي يزعم الناس أنه يمحو الآثار، ليس في حالتي سوى مِبردٍ شحيذ يزيد شفرة الذاكرة مضَاءً وحدة. إن فراق الأب ليس غياباً عابراً ينتهي برحيل الجسد، بل هو زلزال يقتلع الجذور من أعمق تربة في الوجود، مخلفاً في الروح أخاديد غائرة، شقوقا يتسرب منها العمر، وندوبا تأبى أن تندمل أو تهادن النسيان. فكيف إذا كان هذا الفراق هو الفصل الأخير من ملحمة حزنٍ صامت، عشت فصولها مصلوباً على مشهد العجز الطفولي، لتبدأ المأساة قبل الموت بدهور؟
كنت طفلا، في سنٍّ يرى فيه الطفل أباه قوةً لا تُقهر تحميه من غدر الأيام، وسقفاً يحميه من تقلبات المصير. وفي غفلة من الطفولة، سقط ذلك السقف، رأيتك يا أبي طريح الفراش، تستجدي النسمة الخطافة، فاستحالت براءتي في لمحة عين إلى وعيٍ حادٍ، جارحٍ ومبكر. كأن صخرة الوجود قد انشقت أمامي، فنظرت عبر فجوتها المظلمة لأشهد وجه العجز البشري في أقسى تجلياته. كنت طفلاً يفيض قلبه بحاراً من العشق والولاء لك، لكن يديه قاصرتان، صغيرتان، وضعيفتان عن رفع الثقل عن كاهلك أو مسح الألم عن جبينك. ذلك العجز لم يكن مجرد قلة حيلة عابرة، بل كان سكينا يثقب طفولتي كل يوم، ويغرس في وعيي سؤالا وجوديا مريرا: كيف يجرؤ هذا الكون على الاستمرار في دورانه، وكيف تشرق الشمس ببلادة، بينما العالم بأكمله،متمثلاً في أبي، يتألم ويتهاوى أمامي، وأنا موشح بالصمت ومثقلا بالدموع !
مرت السنون بطيئة كالجبال، وعشتُ أكثر من عقدين من الزمان وأنا أرمق ذلك السرير الذي استحال ضريحا للحياة، أرى خطوط الألم ترتسم قاسية على وجهك، وأستمع إلى أنينك الصامت الذي كان يفوق في دويه عواصف الأرض قاطبة. كانت تلك العقود برزخا معلقا بين سماء وأرض، فالأمل بالشفاء كان يلوح كسراب كاذب يرفض أن يتحقق، والموت يتربص كحقيقة مرعبة نرفض أن نصدقها. في كل صباح ومساء من تلك الأعوام الطويلة، كانت روحي تُعاد صياغتها على مقاس تلك الفاجعة، و تماهت كينونتي مع حواف سريرك، فصرتُ لا أتنفس إلا زفيرك، ولا أحمل في أعماقي سوى ثقل دهر كامل من الانتظار العبثي لشفاء لن يأتي.
ثم انقضى ذلك العام المشؤوم ليرتفع الستار عن الفصل الأخير، ورحلت يا أبي بعد طول مأساة، لكنك لم تأخذ معك الوجع البشري، بل تركته إرثاً أبدياً مطبوعاً في سويداء قلبي. ظننت في جهل طفولتي الممتدة أن الموت يضع حدا للعذاب، فإذا به يخلده في أعماقي، إذ رحل الجسد الذي كان يئن، وبقيت الذاكرة تئن في داخلي إلى آخر الدهر.
واليوم، أقف في هذا العالم غريباً ومغرورقاً بالأسى، لا أهنأ بجمال، ولا يطرق الفرح ركن عزلتي إلا ووجدت حزنك واقفاً كالحارس الصارم على عتبة روحي، كيف لي أن أبتسم مِلء فمي، وصورة ذلك السرير مخرومة في جدار وعيي لا تغيب؟
تجاوزتُ العقد الخامس من العمر، وما زلت أقف على عتبة الطفولة، عاجزا عن العبور، فكلما رأيت طفلا يتأبط ذراع أبيه، أو يمسك بكفه مستندا إلى جدار أمانه، يتفتت في داخلي ذلك الحرمان القديم، أبكي بكاءً مرا، لا كأمرء خمسيني، بل كطفل مازال في لحظة الفقد الأولى، وعاش ما تبقى من عمره يفتش عن تلك الكف الغائبة.
أعيش اليوم بجسدٍ بلا روح، غريباً عن طعم الفرح والسعادة. فحتى عندما تبتسم الحياة مواربة، تسبقها صورة أبي، تباغتني محنته الشاخصة في ذاكرتي، فأفر مسرعا، باحثا عن زاوية معتمة بعيدة عن الأنظار لأبكي وحيدا. غدوتُ أبحث عن المطر، أهيم تحته بلا مظلة، فالسير تحته هو سلوتي الوحيدة، هناك، تحت وابل السماء، تذوب دموعي الشخصية في دموع الكون، فلا يلمح أحد انكساري، ولا يتهمني العابرون بالجنون.
لقد غرزت تلك السنون في قلبي حزنا صوفيا خالصا، حزنا لا يرجى شفاؤه لأنه صار خطا من خطوط كفي، و نبضة من نبضات قلبي. أنت لم تغادر هذا العالم لتغيب يا أبي، أنت فقط انتقلت من الفراش الذي كان ينصب أمام عيني، لتسكن في الأخاديد التي حُفرت في أعماق روحي، وبقيت أنا، رغم تبدل الفصول ومرور الأيام، ذلك الطفل ذو العشر سنوات، واقفا عند حافة سريرك، عاجزاً، باكياً، ومشتاقاً إلى أبد الآبدين. في سيري تحت المطر، أتحلل من عزلتي الفردية لألتحم بالوجود الكلي… المطر لا يحكم على دموعي ولا يسخر من شيبتي، بل يغسل نسيج الذكريات المؤلمة، وأمام هذه الجدلية القاسية بين غيابك وحضوري الباهت، أقف حائراً أمام مرآة الزمن، وأهمس بقلبٍ منكسر: "إلى أبي.. لا أعرف أينا هو الميت".... أأنت الذي غادرت جسداً، أم أنا الذي غادرتني الروح منذ ذلك الحين؟



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود
- العراق بين السيادة الوطنية والوصاية الإيرانية: صراع الدولة و ...
- عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحش ...
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا


المزيد.....




- وفاة ملك النرويج هارالد الخامس عن عمر ناهز 89 عاماً
- عمرو يوسف يكشف عن فكرة مسلسل -180-من بطولته في رمضان 2027
- إيران تصيغ مطالب لأمريكا قبيل احتمال إعادة فتح مضيق هرمز
- محسن رضائي يرد على تقارير وجود مؤامرة إيرانية لاغتيال بارون ...
- من جبال قنديل إلى القصر الرئاسي.. ماذا نعرف عن مسيرة مظلوم ع ...
- إسرائيل تشكو لواشنطن أداء الجيش اللبناني في جنوب لبنان.. وجد ...
- فيضانات الصين ونيبال.. مئات القتلى ومفقودون من أكثر من 30 دو ...
- موقع Ratopati: إنقاذ أكثر من 3000 شخص خلال الفيضانات في نيبا ...
- توكايف: مجلس الأمن الدولي توقف عن أداء مهمته في حفظ السلام و ...
- برلين تكثف جهودها الدبلوماسية لترشيح جنرالها لرئاسة اللجنة ا ...


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت