أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود















المزيد.....

قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في البدء، حين كان الزمن نفسه طفلا يلهو على شفاه الأبدية، بسط الله المحبة بلسما على دروب البشر ليقيهم شر وعورة هذا الوجود، ولأن الإنسان كائن مَشْقوق بين طينٍ يثقلُه ونور يرفعُه، وهَبَه الأخَ – لا ليكون شبها دمويا فحسب، بل ليكون امتدادا للروح في جسد آخر، ومرآة صقيلة لا تعكس الوجه الخارجي فحسب، بل تعكس الطفولة الأولى قبل أن تدنسها رياح الأيام ومطامع السنين.
في هذا العالم الموحش، المليء بأنياب الذئاب التي ترتدي ثياب البشر، والممرات المظلمة التي تبتلع الأقدام المترددة، يلوح وجه الأخ كمنارة لا تنطفئ، تبني الضوء من ظهر الديجور. هو ذاك الذي يقرأ اللوعة في عينيك قبل أن تكتبها شفتاك، فيبسط كفه الحانية ليمسح دمعة حائرة تاهت بين الرموش، ويضمد جرحا نازفا تركه الغرباء في صدرك، دون أن يسأل عن ثمن التضميد. الأخ الحقيقي هو البلسم الروحي الذي يسكبه القدر في كؤوسنا المرة، فيحول علقم العيش إلى عذوبة تنساب في الحلق، ويجعل من قسوة الأيام نسيما رقيقا يداعب القلوب المتعبة. إنه الشجرة الوارفة التي نستظل بها من لهيب الظهيرة، والظل الممتد في صحراء العمر، والصوت الهامس في سكون الليل الثقيل: "لا تخف، أنا هنا... أنا نبضك الآخر حيث تنتهي حدود جسدك".
لكن المسافة بين الجوهر وسقوطه قصيرة كلمح البصر.. واأسفاه على سرائر البشر ومجاهل النفوس، فما أشد بؤس الإنسان عندما يتحول النور في قلبه إلى ظلام دامس كجوف البئر، وتنقلب المحبة في صدره إلى حقد أسود يلتهم الأخضر واليابس، كالنار التي لا تفرق بين الحطب والورق. هناك، في الزوايا الخفية من النفس الإنسانية، حيث يولد الأفعى من رماد الوردة، يولد الأخ الحسود – ذلك الكائن الساقط من فردوس الفطرة إلى دركات الجحيم الباطني. إنه الذي امتلأ قلبه بغل لا تطفئه دموع الأخ، ولا تهدئه اعتذارات الأيام. عينان لا ترى في نجاح أخيها وسعادته إلا مرآة تكسر كبرياءه الموهوم، وأذنان لا تسمعان في الثناء عليه إلا صفير الحسد يملأ الفراغ.
يصل به الحقد الصامت – الذي يغلي كالحمم في مرجل صدره، ويتفجر كلما هدأت العواصف – إلى أن يتحول إلى أفعى نافثة سمومها في آذان البشر وفي مجالس القوم. يخرج إلى الساحات، ويلتقي بالناس، لا ليفخر بأخيه أو يذكر مآثره، بل ليفتري عليه أكاذيب تنسجها أنيابه، ويحيك حوله مؤامرات دنيئة كخيوط العنكبوت في زوايا النسيان. يشوه سمعته الطاهرة، ويمزق ثوب مروءته أمام الأشهاد، ويحرض الغرباء عليه، ويجمع الشتات ضده، ويجرئ السفهاء والجهلاء على النيل من كرامته، مزيّنا لهم قبح الفعل بادعاءات كاذبة وافتراءات. . وكأن عذاب أخيه هو القربان الذي يتقرب به إلى شيطان حسده، والضريبة التي يدفعها ليبقى هو واقفا على قمة الوهم.
تخيل عذابات الدنيا كلها إذا تجمعت في جدار واحد، وتأمل كيف يكون الحال إذا كان هذا الأخ الحقود هو "الأكبر" ، ذاك الذي كان يُفترَض به، بحكم السن والقامة، أن يكون أبا ثانيا، وحصنا منيعا يحمي إخوته من غوائل الزمن وشرور الدهر. لكنه، ويا للانقلاب المأساوي، حول حياة إخوته إلى جحيم مستعر لا يطاق، وصار البيت الذي كان مأوى للحب والأمان، ملاذا للخوف والترقب، وتحققت في جدرانه قولة الشاعر: "وطن يضيق بك أضيق من سجن"، لتتحول الأنفاس فيه إلى طعنات خفية، والكلمات إلى شظايا تشوي الروح قبل الجسد. هذا الأخ الحامل راية الجحود والنكران، يرى تضحيات إخوته مجرد واجب مفروض عليه، وكأنهم مدينون له بالوجود ذاته؟، ويسخر من حبهم الصادق ويعده ضعفا وهوانا، ويستهين بدموعهم وكأنها أمطار لا قيمة لها.
يا للعار! حين يقابل الإنسان العطاء بالمنع، والود بالعداء، والصفاء بالضغينة، لقد قدم له إخوته كل ما تملكه قلوبهم الغضة من طهر ونقاء، وعاملوه بإجلال الفرسان الذين لا يعرفون الخيانة، وتقاسموا معه لقمة العيش وملح الدموع، وباعوا راحتهم ونومهم ليشتروا بها رضاه. لكنه، بنذالة متأصلة في عروقه، وجحود فريد لا تعرف له الطبيعة نظيرا، رفس كل تلك الأيادي البيضاء التي مدت إليه الخير، وقابل الإحسان بالإساءة والقسوة، مستعذبا رؤية الدموع تسيل على وجوه لم تبك يوما إلا خوفا عليه، أو شوقا إلى ابتسامته الغائبة.
إن الحقد في قلب الأخ هو أبشع أنواع السقوط الإنساني، لأنه طعنة غدرنافذة تأتي من السيف نفسه الذي كنت تظن انه يحميك. إنه يثبت، بكل مرارة، أن الدم قد يتحول إلى ماء ملح أجاج لا يروي الظمأ، بل يقتل العطاشى ويزيدهم عطشا. ومع ذلك، ووسط كل هذا الجحيم، تبقى المحبة هي النور الأزلي الذي لا تقوى خفافيش الظلام على إطفائه، ولا تستطيع رياح الحقد أن تطفئ جمرته الأخيرة.
وهناك، في تلك الليلة المظلمة التي تتواطأ فيها جدران الصمت مع وخز الضمير الذي لا ينام، يجلس الأخ الحقود وحيدا، بعد أن كان يحسب أن حشود المؤيدين سترافقه إلى الأبد. لقد انفض من حوله أولئك الذين حرضهم بالأمس، وتوارى السفهاء الذين شجعهم على الخديعة والبهتان، ولم يبق معه في الغرفة الخالية سوى صدى افترائه يتردد في زوايا روحه الخاوية كصدى الجرس المكسور. هنا يتبدى المشهد الأكثر رعبا، حيث يتحول الحقد من سيف يشهر في وجوه الآخرين إلى خنجر يرتد إلى صدر صاحبه، فيغرزه في نياط قلبه دون أن يرى الدم بعينيه. ينظر إلى يديه فلا يرى فيهما سوى آثار الطعنات التي وجهها لإخوته، ويصغي إلى السكون المطبق فيكاد يسمع نبضات قلوبهم التي مزقها بافتراءاته، وكأن دقاتها تتردد في صدى الغرفة كطبول الحساب الأخير.
إنه العقاب الروحي الأكبر، العقاب الذي لا يحتاج معه المظلوم إلى الانتقام، لأن ذنب الظالم هو سجانه، وهو المحكمة التي لا ترحم، وهو المقصلة التي تهوي على كبريائه الموهوم كلما أغمض عينيه ليستريح في ظلمة جفنيه. في تلك اللحظة الفارقة، يدرك الحقود أنه ليس وحيدا لأن إخوته ابتعدوا عنه، بل لأنه ابتعد عن نفسه، وتاه في متاهات حقه حتى نسي طريق العودة إلى إنسانيته الأولى.
وفي ذروة ذلك الانكسار المدوي، وحين يبلغ البؤس قاعه السحيق، تشرق من بعيد ترانيم المحبة الوجدانية، متهادية فوق أمواج الدموع والنحيب الخافت، كأنها نغمات كمان تعزفها ملائكة الرحمة. يقف المظلوم هناك، على تلة الصفح المرتفعة، لا ينظر إلى أخيه بعيون التشفي والشماتة، بل بدموع الشفقة على نفس أهلكت نفسها بيديها، ورفضت يد النجاة حين مدت إليها. تتصاعد مناجاتهم إلى السماء كبخور الهياكل الصامتة، ويهمسون في أذن الليل الواسع: "يا شقيق الروح الذي تاه في مجاهل الظلمة، لقد غفرت لك لأنني أرى القيد الذي يرسف فيه قلبك، وأسمع صراخ ضميرك تحت صمت وجهك غفرت لك، لا لأن طعناتك لم توجعني، فكل طعنة كانت تنزف في روحي سنوات، بل لأن محبتي أوسع من جحودك، ولأنني آبى أن أتلوث بالكره الذي أعمى بصيرتك وسلب منك رؤية النور. إن دماءنا التي افتريت عليها ستظل تغلي بالدعاء لك، وجراحنا التي تسببت بها قد غدت نوافذ يمر منها نور الغفران ليمسح رماد ندمك المتأخر، وليذكرك أنك – رغم كل شيء – كنت وما زلت أخي، لا لأنك استحققت، بل لأن المحبة لا تستند إلى استحقاق، بل إلى عطاء بلا حدود".
إنه الانتصار الأسمى للروح الإنسانية، حين يلتقي رعب العقاب الداخلي بجمال الغفران الخارجي، فيدرك الخاطئ، وهو يجثو على ركبتي ندمه، أن أعظم عقاب ناله في حياته ليس كراهية إخوته له، ولا هجرانهم إياه، بل حبهم الذي لم ينقطع رغم كل ما ارتكبه، ذلك الحب الذي يبقى كالقمر في سماء الوجود، لا يغيب وإن اختفى خلف غيوم وجوه الناس، ولا يبرد وإن تجمدت القلوب حوله. وهكذا، تبقى المحبة هي النبض الأخير في قيثارة الألم الصامتة، وهي الجواب الوحيد على سؤال الوجع الذي لا ينتهي.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين السيادة الوطنية والوصاية الإيرانية: صراع الدولة و ...
- عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحش ...
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية


المزيد.....




- شاهد كيف أوقفت مسيّرة تابعة للشرطة هجوماً لكلاب على رجل وأنق ...
- إيران تعلن استعادة 40% من قدرة حقل غاز -بارس الجنوبي-.. كم ي ...
- رئيس وزراء قطر يجتمع بمسؤولين إيرانيين في طهران.. ماذا بحث م ...
- مصر تطبق أول زيادة سنوية بنسبة 15% على الإيجار القديم في سبت ...
- مصر.. الداخلية توضح حقيقة شقق خاصة لضباط الشرطة بالعلمين
- ترامب يغيّر اسم بحيرة أونتاريو إلى -أمريكا-.. ويؤكد: إيران ف ...
- أزمة سبتة.. احتجاجات وتوترات ومطالب مغربية بـ-تحرير- المنطقة ...
- مبادرة ألمانية ـ تركية لعقد اجتماع دولي لبحث أزمة مضيق هرمز ...
- ترامب يعلق على إمكانية فرض عقوبات جديدة على روسيا: لا نرى ضر ...
- ترامب يلمح إلى إعادة تسمية المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود