عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى
(Oday Hatem)
الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 21:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يواجه العراق مأزقا وجوديا فريدا في تاريخ الدول الحديثة، لا تكمن خطورته في هشاشة حدوده الجغرافية فحسب بل في سيولة هويته العسكرية وتعدد مرجعيات السلاح على أرضه. لقد تحول المشهد الأمني العراقي إلى مسرح لخلط مفاهيمي مُدبَّر، حيث تُدمج، عنوةً، تحت لافتة واحدة، قوتان متناقضتان في العقيدة والهدف: قوة الفصائل المسلحة التي صاغها الحرس الثوري الإيراني على مقاس مصالحه الاستراتيجية، وقوة الحشد الشعبي التأسيسي الذي انبثق من وجدان الأمة العراقية استجابةً لفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني. إن تفكيك هذا التداخل ليس ترفاً فكرياً، بل هو الخطوة الأولى لإنقاذ مفهوم "الدولة" في العراق من التلاشي، والذوبان في فضاء الأجندات العابرة للحدود. في العراق، لا تُصنع القرارات الكبرى في القصور الرئاسية وحدها، بل في مرجعيات متباعدة: النجف، حيث تنزل الفتوى باسم الله والوطن، وطهران، حيث تُصمم الأوامر باسم المصالح الاستراتيجية لحماية إيران وثورتها. بين هاتين النقطتين تتشكل إشكالية وجودية: من يملك الحق في توجيه السلاح العراقي؟ ومن يقرر متى يُستخدم، وأين، ولمن؟ هذا التساؤل ليس أكاديمياً، بل هو جوهر الأزمة التي تعصف بالدولة العراقية منذ 2003.
الوطن أم عقيدة ولاية الفقيه
لتمييز الخيط الأبيض من الأسود في هذا المشهد، لا بد من العودة إلى الجذور التكوينية. فالفصائل المسلحة الموالية لطهران لم تكن وليدة لحظة دفاعية عراقية طارئة، بل هي ثمرة استراتيجية استخباراتية وأمنية إيرانية طويلة الأمد، جرى زرعها ورعايتها وصقلها عبر عقود، لخدمة مشروع "تصدير الثورة" وترسيخ النفوذ الإقليمي. يعود جيلها الأول إلى ثمانينيات القرن الماضي، مع تأسيس فيلق بدر في أتون الحرب العراقية-الإيرانية، ليكون ذراعا عقائديا وعسكريا بامتياز. ومع سقوط نظام صدام حسين عام 2003، تسارعت الوتيرة الإيرانية لصناعة الأجنحة المسلحة، مستغلةً الفراغ الأمني الشامل، فظهر (جيش المهدي) الذي تحول لاحقاً إلى (سرايا السلام) التابعة للتيار الصدري، وتفرعت منه، ومن رحم الرعاية الإيرانية المباشرة، فصائل أشد راديكالية وولاءً مطلقاً لولاية الفقيه، مثل: (عصائب أهل الحق) و(حركة النجباء) و(كتائب حزب الله)، وصولاً إلى الواجهات المستحدثة التي وُلدت في مناخات التصعيد، كـ(أولياء الدم وكتائب سيد الشهداء). و هذه الفصائل المسلحة، أصبحت أجنحة عابرة للحدود تنفذ أجندات خارجية تحت العلم العراقي وغطاء منظومة الدفاع الوطني وبأموال العراقيين وقوتهم وعلى ترابهم. وهنا تكمن المأساة: أن تنقذ فتوى وطنية البلاد، ثم تُختطف ثمارها لصالح مشروع إقليمي، له أطماع وأجندات تتمدد في كل دول المنطقة، وتقوض سيادتها، كما يفعل مع العراق ودول أخرى
هذه الكيانات لم تتأسس بوعي وطني عراقي، بل صُممت في أروقة الحرس الثوري لتكون أدوات وظيفية متقدمة في صراع طهران مع المجتمع الدولي والولايات المتحدة. إن وظيفتها الجوهرية ليست حماية العراق، بل تحويل جغرافيته إلى ساحة بريد دموي لتصفية الحسابات الإيرانية، ومنطلقا لعمليات عسكرية واستخباراتية تضرب دول الجوار، انطلاقا من أرض عراقية، مما يسلب بغداد قرارها السيادي ويجعلها رهينة لتقلبات المزاج السياسي في طهران.
في المقابل، يقف الحشد الشعبي كظاهرة وطنية خالصة ولدت عام 2014 من رحم الصدمة والاضطرار. لم يكن الحشد حينها مشروعا إقليميا، ولا حزبا مسلحا، بل كان تجسيدا حيا لفتوى الجهاد الكفائي التاريخية ولنخوة العراقيين التي أنقذت بغداد من السقوط المحقق. لقد كانت فتوى السيد علي السيستاني نداءً موجهاً إلى الإنسان العراقي، بغض النظر عن انتمائه الإثني أو المذهبي. ولهذا تقاطر على معسكرات التطوع مئات الآلاف من العراقيين: الشيعي من الجنوب والوسط والسني الذي هُجّر من مدينته، والمسيحي والإيزيدي والتركماني والكردي. كان الهدف واضحا ومحددا، تحرير محافظة الموصل وبقية المدن المغتصبة من دنس تنظيم داعش الإرهابي وحماية كيان الدولة من الانهيار الكامل.
إلا أن التراجيديا العراقية تجلت في استغلال تلك الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري للغطاء الشرعي والشعبي الهائل الذي وفرته الفتوى والتضحيات. لقد تغلغلت هذه الجماعات في مفاصل "هيئة الحشد الشعبي"، مستخدمةً اسمها ونفوذها واجرامها ودعم طهران لها كدروع لتمرير أجنداتها الخاصة، والقيام بعمليات موصوفة بالطائفية والإجرامية في بعض المناطق المحررة، مما أسفر عن تشويه السمعة الناصعة لآلاف المتطوعين المخلصين، الذين بذلوا دماءهم رخيصة في سبيل الوطن ولنجدة أهلهم في المحافظات المنكوبة بداعش ، لا في سبيل عواصم أخرى.
فخ الحروب بالوكالة
في المشهد الراهن، تحاول إيران استدراج العراق إلى آتون مواجهة غير متكافئة، لا ناقة لبغداد فيها ولا جمل، مع الولايات المتحدة والمنظومة الغربية. تتحرك طهران اليوم بمظلة جيوسياسية مزدوجة، توفرها لها موسكو وبكين، وتسعى لتوظيف الفصائل العراقية كورقة ضغط في بازار تفاوضها الدولي. يأتي هذا المسعى الإيراني في توقيت بالغ الخطورة والهشاشة فالعراق لا ينوء فقط تحت وطأة أزمات اقتصادية وهيكلية خانقة، بل يعاني من تشظٍ داخلي بنيوي، فرضه نظام المحاصصة الطائفية والإثنية. هذا النظام المشوه لم يكتفِ بتقسيم المناصب الوزارية، بل تغلغل كالسرطان ليقسم قادة الجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسات الاستخبارية، بناءً على الولاء المذهبي أو العرقي لدول الجوار، مما أفقد العقيدة العسكرية العراقية بوصلتها الوطنية الموحدة.
هذه الهيمنة الإقليمية المسلحة حرمت العراق، عن عمد من بناء شراكات استراتيجية، وعلاقات حقيقية متوازنة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الكبرى. لقد كان بمقدور العراق، لو ملك قراره السيادي، أن يحتمي بهذه الشراكات الدولية لردع أطماع وتدخلات دول الجوار، وعلى رأسها تركيا، التي تمارس سياسات القضم والقصف والاجتياح المستمر لشمال العراق، مظهرةً أطماعاً تاريخية وجغرافية لا تقل خطورة عن التغلغل الإيراني، في محاولتها ابتلاع أجزاء حيوية من الجسد العراقي. إن الفصائل، بتبنيها خط العداء المطلق للغرب، تُبقي العراق عاريا بلا حلفاء دوليين أقوياء ، وبذلك تتركه لقمة سائغة للمطامع الإقليمية المحيطة به من كل حدب وصوب.
حتى هذه اللحظة، لا يزال العراق يحافظ على صفة "الدولة" في المحافل الدولية، ويحمي حدوده من التقسيم الرسمي، بفضل عامل حاسم ومحوري، هو الدعم الغربي والاعتراف الأمريكي المستمر بوحدة العراق واستقلاله وسلامة أراضيه. النظام الحالي ومنذ 2003 جعل مصير العراق بيد واشنطن وهي التي تتحكم بكيانه الهش أقتصاديا وعسكريا وسياسيا، في بيئة إقليمية شرهة. بناءً على ذلك، فإن أي اندفاع عراقي نحو صراع مفتوح، أو عداء مسلح مع أمريكا والغرب – تلبيةً للمصالح الإيرانية وإسناداً لحروبها بالوكالة – سيعني انتحاراً سياسياً واقتصادياً كاملاً للدولة العراقية.
الموقف الدولي
لا ينظر المجتمع الدولي إلى هذه الكيانات المسلحة بوصفها جزءاً من منظومة دفاعية شرعية، بل يصنفها كـ(جماعات مارقة) هادمة لركائز الاستقرار الإقليمي، وعقبة أمام أي تنمية اقتصادية حقيقية. بالنسبة للولايات المتحدة وعواصم القرار الأوروبي، فإن الفصائل الولائية تقع في دائرة الرصد المباشر حيث أُدرجت معظم قادتها وواجهاتها العسكرية في( قوائم الإرهاب) والعقوبات الدولية، بسبب تهديدها المستمر للملاحة والتجارة الدولية، واستهدافها للبعثات الدبلوماسية.
يتجاوز الموقف الدولي العبارات الدبلوماسية، ليتحول إلى أدوات ضغط خانقة تضرب عصب الدولة العراقية. فالغرب يشترط، لتقديم أي دعم مالي أو تكنولوجي أو استثماري، أن تبسط بغداد سيادتها الكاملة على قرارها الأمني. لذلك فاستمرار نفوذ هذه الفصائل يجعل العراق منبوذا في النظام المالي العالمي ومهددا بعزلة مصرفية قد تطيح بالدينار العراقي في أي لحظة. المجتمع الدولي لا يرى في هذه الجماعات سوى امتداد تنفيذي للحرس الثوري وبالتالي، فإن أي تغاض حكومي عراقي عن نشاطها يُفسر دوليا كشراكة في التهديد، مما يرفع الغطاء الأممي والدولي الذي يحمي وحدة البلاد وسلامة أراضيها.
المأزق وخارطة الخلاص
محاولة إنقاذ العراق من هذا المنزلق لا ينبغي أن تقتصر على التشخيص السياسي، بل يتطلب "خارطة طريق"، تشريعية وعملية قادرة على إعادة الاعتبار لهيبة الدولة وتحقيق سيادتها المطلقة على أرضها عبر تعديل "قانون هيئة الحشد الشعبي"، لإنهاء صفة الاستقلالية الفضفاضة للهيئة، وتحويلها إلى مديرية لوجستية وإدارية بحتة، تابعة لوزارة الدفاع أو للقائد العام ، مما يلغي المسميات الفصائلية تماماً ويذيبها داخل العقيدة العسكرية الرسمية. كما يجب تطبيق الفرز العضوي والتدقيق الأمني الاستخباري وذلك بخضوع جميع منتسبي الحشد لعمليات تدقيق صارمة، تفصل المتطوعين الوطنيين عن عناصر الفصائل الموالية للخارج- على أن يُدمج المخلصون والمهنيون في صفوف الجيش والشرطة الاتحادية كأفراد، لا ككتل أو ألوية مستقلة.
والأهم من كل ذلك هو تجريد الفصائل من إمبراطوريتها الاقتصادية وغلق ما يُسمى بـ"المكاتب الاقتصادية" للفصائل في المحافظات، ومصادرة الأصول المالية غير القانونية التي تجنيها من المعابر والاتاوات، وتجفيف منابع تمويلها، لإنهاء قدرتها على التمرد المالي ضد المركز. و تفعيل حازم للمادة القانونية التي تمنع أي كيان سياسي يمتلك جناحاً عسكريا من خوض الانتخابات أو المشاركة في الحكم، مما يضع قادة الفصائل أمام خيارين لا ثالث لهما، اما السياسة السلمية الخالصة أو الملاحقة القضائية بتهمة تقويض الدولة.
أفق مضطرب
تضع التغيرات المتسارعة في الشرق الأوسط العراق على حافة صفيح ساخن. فمع تصاعد حدة الصراع الإقليمي، وإصرار طهران على استخدام أوراقها الخارجية لتخفيف الضغط الدولي عن عمقها، يجد التوازن الأمني العراقي نفسه في مهب الريح. وكشفت "استراتيجية الردع" التي تنتهجها القوى الكبرى عن ان العراق لن يكون محصنا من الضربات الجراحية المباشرة، إذا ما أصرت الفصائل على تحويل أرضه إلى منصة لإطلاق المسيرات والصواريخ. وهذا ما يجعل المستقبل الأمني أمام مسارين لاثالث لهما ، إما أن تنجح الدولة في فرض هيبتها وحصر السلاح بيدها، ليتحول العراق إلى جدار عازل يحميه من لهيب المنطقة، أو أن تنجح الفصائل في سحب بغداد إلى الهاوية، ليصبح العراق من دولة تبحث عن الاستقرار إلى ساحة محترقة تتقاسمها الأطماع التركية شمالاً، وتسبيحها التدخلات الإيرانية شرقاً، في ظل انكفاء دولي وغربي يترك البلاد لمصير التقسيم والتفتيت.فالعراق لا يمكنه البقاء كدولة مستقرة، طالما بقي ساحة لتصفية حسابات الآخرين، وطالما ظلت بنادق بعض أبنائه موجهة لخدمة عواصم ومصالح غير عراقية. إن القرار الآن لم يعد قراراً سياسياً عابراً، بل هو خيار بين البقاء كوطن ذي سيادة، أو التلاشي كملحق جيوسياسي في إمبراطورية النفوذ الإقليمي.
#عدي_حاتم (هاشتاغ)
Oday_Hatem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟