أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - غياب الأمان وظلال الفقد














المزيد.....

غياب الأمان وظلال الفقد


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 20:09
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في غيابة هذا العالم الموحش والمثقل بالآلات والوجوه العابرة، يقف اليتيم كشجرة عارية صلبت في مهب ريح صرصر لا ترحم. إن فقدان الأب في شرعة الطفولة ليس مجرد غياب فيزيائي لجسد، أو رحيل عابر يطويه النسيان كأوراق الخريف بل هو سقوط مفاجئ وقاس للسماء فوق رأس البراءة، وانشطار جيولوجي أزلي في ركائز الروح، يخلف وراءه هوة سحيقة لا تملأ فجوتها كل مسارات الزمن، ولا تمحوها مساحيق التعازي الكاذبة. إنه يولد من جديد في عالم جرد من غطائه، ليصبح كائناً مكشوفاً أمام شمس الحقيقة الحارقة وصقيع الإهمال البشري.
اليتيم كائن محكوم بنفي داخلي، يعيش في مغترب نفسي دائم وسط الحشود، ففي ردهات المدارس المضيئة والباردة، حيث يتهجى الأطفال أبجديات الأمل ويحتمون بظلال عائلاتهم، يقف هذا الطفل وحيداً أمام مقصلة السؤال البيروقراطي المقيت، كلما نطق المعلم بعبارة "ولي الأمر"، لم تكن تلك الكلمة مجرد حبر على ورق، بل كانت ترتد في صدره كضربة سوط سودتها يد الجلاد، أو كقذيفة تطلقها سلطة المجتمع المستبد على هشاشة تكوينه. في تلك اللحظة، ينكفئ اليتيم على ذاته، ويدخل في دهاليز نفسية معتمة تشبه السراديب، حيث يصارع وحشاً خفياً من الخجل والانكسار والمهانة، وحشاً لا يراه المبصرون، بل يشعر به هو في تسارع نبضه وغصة حلقه.
وفي الطرقات العامة، حيث يمضي الناس لاهين هازئين في تيار الحياة اليومية الروتيني، يلمح طفلاً آخر يتأبط ذراع أبيه، فيقف الزمن في عينيه، يبصر في تلك الالتفاتة العفوية الفردوس المفقود الذي طرد منه عنوة دون جريرة، ويتحول ذلك المشهد العادي العابر في عيون المارة إلى تراجيديا إنسانية صامتة، تكثف بؤس البشرية جمعاء كأنها لوحة رسمها فيكتور هوغو بدموع البؤساء.
تتحول تفاصيل حياته اليومية المكررة إلى زنازين من الذكريات التي تشبه السجون المظلمة، حيث لا مهرب من الرقابة اللصيقة للوجع. فالليل عند اليتيم ليس واحة للراحة والسكينة، بل هو محكمة تفتيش سادية تنبش في رماد الماضي، وتوقظ الأشباح الراقدة تحت وسادته. الصبح ليس بشارة أمل أو بداية جديدة، بل هو موعد متجدد مع الفراغ المطلق، موعد مع الحقيقة العارية القائلة بأن القطار قد مضى، وأن المحطة خاوية. فبين غسق يطبق عليه بوحشة الفقد وغربته، وفجر ينبثق ليعيد تذكيره بوجوده الهامشي وسط الغرباء، يمتزج خبزه اليومي بدمع مالح وثقيل، تصبح اللقمة غصة حارقة في جوف طفل سرق منه الأمان والملجأ قبل أن يتعلم كيف يدافع عن حقه في الوجود، وقبل أن يفهم قوانين هذه الغابة البشرية.
لقد غدت السعادة في خارطة قلبه الممزقة فكرة طوباوية، أرضاً محرمة أغلقت بواباتها الحديدية في وجهه إلى الأبد. هو لا يبكي استدراراً لعطف، فالأمل في إنسانية البشر قد مات في عروقه مبكراً، لكنه يبكي لأن الوعي الحاد بالفقد قد نضج في صدره قبل الأوان، فصار طفلاً بعقل شيخ يدرك عبثية الأشياء. يسير بين البشر، يلبس ملامحهم ويحاكي ضحكاتهم، لكنه يحمل في أعماقه وطناً كاملاً من الحزن والمقاومة الصامتة، إنه الشاهد الحي على قسوة الوجود، والضحية التي لم تختر معركتها، لكنها مجبرة على خوضها بصدور عارية حتى آخر رمق في الحياة.
يمضي الإنسان في هذه الحياة، يواجه تحدياتها ويخوض معاركها، يربح حيناً ويخسر حيناً آخر، يظن المحيطون به أنه تجاوز غياب السند، وأنه نسج من خيوط الصبر ثوباً يحميه من برد الأيام، لكن الحقيقة الكامنة في الصدور تروي حكاية أخرى. فمهما تعاقبت السنوات وتوالت النجاحات، وحقق المرء من طموحات وإنجازات، يبقى في أعماق اليتيم فراغ سحيق وموحش لا يملأه أحد. ومهما بلغ به العمر وتقدمت به السنون، سيفتقد أباه في لحظات الفرح الطاغية قبل لحظات الحزن أو الانكسار، لأن البهجة تظل ناقصة، باهتة الملامح، ما لم تشهدها عينا أَبِيه.
وحين يمضي به قطار العمر، فيتزوج وينجب أطفالاً، ويصبح هو نفسه ذلك الملاذ والسند، يقف دائمًا أمام مرآة نفسه بحيرة عاجزة. ومهما تفانى في العطاء لهم، ومهما قدم لأبنائه وأسرته من حب وأمان ورعاية، يظل تلاحقه في عتمة الليل تلك الأسئلة الحائرة التي تمزق صدره: هل كنت أبًا جيدًا؟ هل قدمت لأطفالي كل ما يحتاجونه حقاً؟ هل ربيتهم كما ينبغي وأعددتهم لمواجهة الحياة؟
ثم يأتي جوابه المثقل بالندم والشجن: "لا أعرف!". لقد قرأت عشرات الكتب في التربية وعلم النفس، وتعمقت في نظريات الفلاسفة والمختصين، لكنها جميعاً لا تساوي يوماً واحداً لو بقي معي أبي.. يوماً واحداً كان كفيلاً بأن يعلمني كيف أكون أباً دون أن أمشي مُتعثرًا في ظلالِ الفقد.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معادلة هرمز وباب المندب: هل ينجو -عرّابو طهران- في بغداد من ...
- إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت
- قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود
- العراق بين السيادة الوطنية والوصاية الإيرانية: صراع الدولة و ...
- عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحش ...
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...


المزيد.....




- حرائق الغابات في أوروبا تُفجّر قنابل من الحرب العالمية الثان ...
- مقتل شخص وإصابة آخر في غارة على النبطية.. والجيش الإسرائيلي ...
- سقوط 3 قتلى وإصابة آخرين في غارات وإطلاق نار إسرائيلي على من ...
- بعد أكثر من 9 أشهر في عرض البحر.. حاملة الطائرات -أبراهام لي ...
- -لا نهاية في الأفق-.. هل تدخل الحرب الأمريكية الإيرانية مرحل ...
- ألمانيا تعتزم استئناف تصدير أسلحة إلى إسرائيل
- ألمانيا تخطط لنشر نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي أرو 3
- بعد تجربة سرية.. ألمانيا تعلن نجاح اختبار صاروخ -لورا- الإسر ...
- هند رجب.. مأساة الطفولة تحت النار
- قطارات روسيا.. مسارات التنمية الآمنة


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - غياب الأمان وظلال الفقد