أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - مأساة الوجود على رصيف المنفى














المزيد.....

مأساة الوجود على رصيف المنفى


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 18:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في تلك العتمة التي كانت تبتلع المدينة بصمتٍ ثقيل، لم يكن هناك صوت يقاوم الوحشة سوى صوت طفلي، ذاك الصغير الذي اعتدت أن أراه يتخفى خلف قناع الصلابة، ويجبره خجله على ارتداء برودة مصطنعة لا تليق بعمره.
لكن المكالمة جاءت كطعنةٍ في جدار الصمت، صوته عبر الهاتف كان مخنوقا مثقلا بعبرات يبتلعها بصعوبة، كأنما يحمل جبالا فوق صدره الصغير: "بابا... كيف حالك؟ هل أنت بخير؟
أشعر أنك تهلك نفسك فوق ما تطيق وهذا الوجع يعذبني... هل ستأتي هذا الأسبوع؟
أرجوك... أرجوك يا حبيبي عد إلينا.... أفتقدك حتى الموت ولم أعد أحتمل هذا الفراق. أنا أحبك".
وتابع قوله بارتجافة شفتيه وعبرته المخنوقة: " انا يا بابا ...لا يزور النوم جفوني إلا وانت في البيت".
نزلت كلماته كخناجرٍ مصقولة لم تكتفِ بثقب سويداء القلب، بل جعلت أوصالي كلها ترتجف ارتجافا صامتا وعنيفا. كنت أقف على قارعة طريق غريب في مدينة تبعد عن عشّ عائلتي 170 كيلومترا، أبحث في أزقتها الباردة عن كسرة خبز يابسة تسد الرمق. لأسابيع طويلة لم أقبض راتبا ولم أملك ثمن تذكرةٍ أعود بها لأقبل جباههم. عشت تلك الأيام العجاف على رشفات قهوةٍ مجانية يقدمها العمل وعلى كسرات خبز رخيصة أشتريها بآخر ما تبقى من مالي... خبز تعافه النفوس لأنه لم ينضج أو لأنه شارف على الانتهاء. كنت أخدع نفسي بأنني "وجدت عملا أخيرا" وأن الكرامة ما زالت واقفة ولو مكسورة الظهر. لكن صوت طفلي الباكي هدم هذا الوهم في لحظةٍ واحدة، تسمرت مكاني، أنخارت قواي كما تسقط جدران قديمة تحت مطرٍ ثقيل، وانتهى بي الأمر جالسا على رصيفٍ بارد لأكثر من 5 ساعات، كأن الشلل قد تسلل إلى كل عظمٍ في جسدي. حاولت مرارا أن أنهض... أن أستجمع ما تبقى من قواي المتهالكة، لكن قدميّ خانتاني ورفضتا أن تطيعاني.... آه... يا لمرارة هذه الآه.
أي مأساة حيكت بخيوط قدري وجررت إليها أطفالي معي؟
لماذا جئت بهم إلى هذا الوجود؟ ولماذا أنجبتهم في وطنٍ كالعراق لم تغمض للحروب والصراعات فيه عين؟ ولماذا اخترت أن أرفع رأسي رافضا الاستبداد، أن أدفع ثمن هذا الرفض مطاردة وتشردا وذلا ممتدا في مدن اللجوء الباردة؟ ها أنا اليوم بلا ثمن تذكرة، بلا رغيفٍ يليق بآدمية الإنسان، تطاردني فواتير الماء والكهرباء والكهوف المستأجرة المتراكمة التي تهدد بتشريد أطفالي وحرمانهم من سقف يحميهم في أي لحظة. حتى طفلي الكتوم، الذي كان يخفي دموعه خلف صمتٍ رجولي مبكر، انفجر باكيا... أيّ جريمةٍ نكراء ارتكبتها بحق هذه البراءة؟ وكيف لي أن أعتذر لهم وعمري يتسرب من بين أصابعي كرمل لا يتوقف عن السقوط؟ أعلم أنهم يحبونني... نعم.
لكن الفكرة التي تنهش دماغي الآن أقسى من كل جوع:
أخشى أن يكون حب أطفالي لي محض شفقة، وعاطفة انكسار، حبا مجردا من هيبة الاحترام.
ماذا يقولون في سرّهم عن أب أورثهم البؤس بكبريائه؟ أب جلب لهم شظف العيش بعناده ومبادئه التي لم يلتفت إليها أحد، بل كافأه العالم عليها بالافتراء وتشويه السمعة؟ حتى هنا، في هذا المنفى الذي لا يرحم ورغم أنني أطحن صخر الأيام كي لا أكون عالة على أحد، ينظرون إليّ بعيونٍ ملأتها الأحكام المسبقة ضد العرب واللاجئين، كأننا لسنا من طين البشر نفسه. أنا الآن، في هذه اللحظة بالذات كمن يبتلع موس حلاقة،
إن بصقه قطع أوداجه ومات، وإن بلعه مزّق أحشاءه ومات أيضاً.
تائهٌ بين كرامة تنزف ببطء وأبوة تموت في اليوم ألف مرة.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك السيادة وتصفية المواطنة: قراءة في المآلات الدستورية وا ...
- رومي شنايدر الخسارة التي لم تعوضها السينما العالمية حتى اليو ...
- ما الحب؟ إنه الحب!
- غِراس النار: كيف مهدت -الحملة الإيمانية- في التسعينيات لانفج ...
- مُشرّح الخراب الإنساني: لِمَ فؤاد التكرلي هو المعيار الأقوى ...
- في قبضة العبث: شهادة من قاع المأساة العراقية
- غياب الأمان وظلال الفقد
- معادلة هرمز وباب المندب: هل ينجو -عرّابو طهران- في بغداد من ...
- إلى أبي.. لا أعرف أيُّنا هو الميت
- قيثارة الألم الصامتة: مرآة الأخ المفقود
- العراق بين السيادة الوطنية والوصاية الإيرانية: صراع الدولة و ...
- عقوبة الإعدام في وطن حمورابي ….العراق من نور العدالة الى وحش ...
- كتب ممزقة ومدارس طينية... رحلة انهيار العقل العراقي بين مطرق ...
- المبدعون لا يموتون.. إنهم يرحلون إلى خلودٍ دائم: وداعاً صلاح ...
- سينما فلسفية متمردة ونهايات مفتوحة: كيف حمت باريس كينونة الف ...
- الشماتة: جروح الدونية المكتومة
- الشعوب إمّا أن تكتب التاريخ، أو يكتب الزمن نهاياتها... . الع ...
- مقامرة السيادة وتبديد المقدرات..... قراءة في الإرث الجيوسياس ...
- بين بريق التلفزيون وهجران السينما... لماذا تستحق ميلاني مودر ...
- في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن


المزيد.....




- مراسلة CNN تشرح ما نعلمه للآن عن تفتيش منزل إلهان عمر ضمن تح ...
- -أغنى رجل في العالم-.. كيف أصبح إيلون ماسك -أكبر متبرع للحزب ...
- هل توقف وساطة إيران التصعيد الحوثي السعودي؟
- الملكة رانيا: قلوبنا مع السعودية
- الخارجية الإيرانية: لا يمكن توقع المزيد من المرونة من طهران ...
- نوفاك: موسكو وواشنطن تتفاوضان على توريد الديزل الروسي إلى ال ...
- سجناء رومية في لبنان ينهون إضرابا عن الطعام والدواء دام 30 ي ...
- التحالف يعلن اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيو ...
- هجوم إلكتروني -غير مسبوق- يعطل أنظمة التبريد في مئات المتاجر ...
- بـــــــــــيـــــــــــــان تشكيل الأغلبية الحكومية


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدي حاتم - مأساة الوجود على رصيف المنفى