عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى
(Oday Hatem)
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 01:28
المحور:
الادب والفن
في المشهد الافتتاحي الشهير لفيلم "الأهم هو الحب" أو "L Important c est d aimer" عام 1975 للمخرج أندريه زولاوسكي، تلتفت رومي شنايدر نحو الكاميرا وجهها ملطخ بدم زائف وشعرها مبعثر وعيناها تحملان نظرة انكسار مرعبة تتجاوز حدود النص المكتوب في السيناريو لتصرخ باكية "لا تلتقط صوراً، أنا ممثلة تؤدي أدواراً رخيصة، أنا أفعل هذا لأكسب عيشي فقط". في تلك اللحظة لم يكن الجمهور يشاهد "نادين شيفالييه" وهو الكيان أو الشخصية الخيالية التي كانت تؤديها في الفيلم ، بل كان يشاهد عملية تشريح حي لروح رومي شنايدر نفسها.
وبالرغم من ان السينما العالمية لطالما قدمت ممثلات برعن في التقمص، إلا ان شنايدر لم تكن تتقمص بل كانت تقوم بـ "التعري الوجداني الكامل"، مستخدمة الكاميرا ليس كأداة توثيق بل كمشرط جراحي يغوص في ندوبها الشخصية.
أعرف تماما ان هناك من يسأل والبعض قد يستنكر أو يندهش ...لماذا نكتب عن رومي شنايدر الآن، في هذه الأيام خصوصا وفي عصر الذكاء الاصطناعي وتوليد الوجوه الرقمية، والممثلين المصقولين جينيا وتكنولوجيا؟،
هل هي مجرد نوستالجيا لزمن سينمائي آفل؟
ببساطة تكمن الإجابة في أن السينما الأوروبية والعالمية ورغم غزارة إنتاجها وتنوع مواهبها لكنها لم تنجح مطلقا في تعويضها ولم يملأ أحد الفراغ الذي تركته منذ وفاتها عام 1982. نعم حظيت السينما الفرنسية بذكاء كاترين دينوف البارد، وعنفوان إيزابيل أدجاني الهستيري، وعمق إيزابيل هوبير في الاداء، لكن أيا منهن لم تمتلك تلك القدرة المرعبة على إذابة الحد الفاصل بين الحياة والموت، بين الأنين الشخصي والأداء الدرامي. قيمة شنايدر الفنية لا تكمن في تكنيك التمثيل، بل في كونها تُمثل "الأصالة العاطفية المطلقة" في عالم ممتلئ بالتصنع.
صياغة الجسد الفني
لم تكن رحلة شنايدر نحو هذه العبقرية السينمائية وليدة الصدفة، بل كانت نتاج معركة شرسة ضد السينما البرجوازية الألمانية والنمساوية في الخمسينيات التي سحقتها داخل النمط التجاري البريء من خلال ثلاثية "Sissi." كان جسد شنايدر في تلك الحقبة خاضعاً بالكامل للهيمنة البصرية التي تطلبها الوضع الألماني بعد الحرب العالمية الثانية وهي : " وجه ملائكي، فساتين منفوشة، حوارات مفرغة من أي شحنة جنسية أو وجودية"، كانت بمثابة مخدر موضعي لضمير أوروبي مثقل بالحروب.
التحول الفلسفي والدرامي في أدواتها كممثلة حدث عندما التقت بالمخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي
القادم من خلفية تجمع بين الأرستقراطية والماركسية والواقعية الإيطالية الجديدة الذي أدرك فوراً أن وراء هذا الوجه النمساوي المصقول بركاناً من الاضطراب السيكولوجي غير المستغل. في مسرحية "خسارة أنها عاهرة / Dommage qu elle soit une putain" عام 1961، وفيلم "بوكاشيو 70" عام 1962 أعاد فيسكونتي هندسة أدواتها الفنية بالكامل.
لأنه له الفضل في تعليمها كيف تستخدم جسدها ليس كقطعة ديكور، بل كأداة تعبيرية مشحونة بالرغبة والتمرد. ولم يكتف بذلك بل جردها من لغتها الألمانية الثقيلة ودفعها نحو الفرنسية التي منحت صوتها بحة وجودية جديدة ، باختصار لقد حرر فيسكونتي اللاوعي لدى شنايدر وحوّلها من "دمية الإمبراطورية" إلى امرأة العصر الحديث المليئة بالتناقضات.
هذا التحرير البصري التقطه المخرج العبقري أورسون ويلز في فيلم المحاكمة عام 1962 " Le Procès " المقتبس عن رواية كافكا، في هذا الفيلم لم تعد رومي شنايدر تلك الفتاة التي يتطلع الجمهور لحمايتها بل أصبحت جزءا من المتاهة الكافكاوية المعقدة. عيناها اللتان كانت تنظران في السابق ببراءة نحو الأفق أصبحت تصوبان نحو الشخصيات والكاميرا بنظرات ممتلئة بالشهوة الغامضة والذكاء الحاد والمخيف. عبقرية ويلز لم تركز أو تستغل جمالها بل استغل خطورة هذا الجمال، واضعا إياها في كادرات مائلة ومظلمة تعكس التمزق الداخلي للإنسان المعاصر في مواجهة السلطة المطلقة.
جدلية التعري الوجداني*
لفهم تفرّد رومي شنايدر، يجب وضع مفهومها عن "التعري الوجداني" في ميزان المقارنة النقدي مع ممثلات الموجة الجديدة الفرنسية" Nouvelle Vague" اللواتي عاصرنها، لاسيما جان مورو وآنا كارينا هنا نكتشف مفارقة تاريخية مذهلة.
فمثلا آنا كارينا في أفلام المخرج جان لوك غودار كانت بمثابة "أيقونة بصرية دلالية" تعبر عن عفوية الجيل وتمارس تعريا وجدانيا يعتمد على الخفة، واللعب بالكلمات والارتجال الفكري ،اي إنها تعري الذات عبر العبث والتمرد السياسي والاجتماعي. أما جان مورو مع فرانسوا تروفو في فيلم "جول وجيم / Jules et Jim"، فكانت تجسد امرأة متحررة وغامضة، تقود مصيرها بوعي وجودي حاد.
يمكننا ان نقول ان تعري مورو الوجداني كان عقلانيا، محميا دائما بكبرياء فكري ونبرة صوت مسيطرة وسخرية مبطنة من العالم.
في المقابل، فإن رومي شنايدر تقف على الضفة الأخرى تماما، تعريها الوجداني لم يكن محميا بأي نظرية سينمائية أو فكرية ولم يكن فيه أي نوع من الخفة. شنايدر ألغت المسافة تماما بينها وبين الكاميرا، فعندما كانت ممثلات الموجة الجديدة يُعرّين أفكار الشخصية، فإن شنايدر كانت تُعرّي لحمها النفسي وعظامها العاطفية. لم تمتلك برود كاترين دينوف الذي يحمي الذات من التفتت ولم تمتلك ارتدادية جان مورو الفلسفية، الألم عند شنايدر كان "سائلا وعضويا" يتدفق من مسام جلدها، إنها لم تكن تناقش أزمة المرأة الحديثة بعقلها بل كانت تنزفها أمام العدسة. هذا التباين جعل أداء شنايدر أكثر خطورة وتدميرا للذات فبينما كانت ممثلات الموجة الجديدة يمارسن الفن كفعل تغيير ثقافي، كانت رومي تمارسه كفعل انتحار بطيء، فكل دور يرسم أخاديد قاسية على روحها.
الكاميرا كمرآة سيكولوجية
في عام 1969، قدمت شنايدر مع المخرج جاك ديري وفيلم "المسبح/ La Piscine "، درسا أكاديميا متقدماً فيما يُعرف في النقد البنيوي بـ "سينما المساحات الميتة والصمت". الفيلم الذي جمعها بـ آلان ديلون بعد سنوات من انفصالهما العاطفي في الواقع لم يكن مجرد فيلم إثارة، بل كان مواجهة حية بين ماض شخصي محترق وحاضر فني متألق.
هنا، تتجلى عبقرية شنايدر في استخدام ما يطلق عليه في المعاهد السينمائية "الميكرو-تعبيرات/Micro-expressions"، فالكاميرا في المسبح تتحرك ببطء شديد حول أجساد الممثلين وهنا لا تعتمد رومي على الحوار لتوصيل الفكرة بل على تفاصيل مجهرية مثل ، شد عضلة الفك عند رؤية امرأة أخرى تقترب من ديلون، طريقة تعديل نظارتها الشمسية لإخفاء ريبتها، وحركة كتفها العاري تحت أشعة الشمس الكثيفة والتي تعبر عن رغبة في السيطرة ممزوجة بخوف دفين من الفقدان. وهي نجحت في تقديم أداء عظيما ومهيبا ، لأنها تمكنت من جذب عين المشاهد إلى مركز ثقلها النفسي دون أن تصدر صوتا واحدا.
تراجيديا التماهي المطلق
ما يمنح رومي شنايدر قيمتها الفريدة في تاريخ السينما العالمية، هو أنها لم تمتلك ذلك الجدار العازل الذي يضعه الممثلون المحترفون عادة بين حياتهم الشخصية والشخصيات التي يجسدونها على الشاشة، وفقا لمدرسة ستانيسلافسكي، يستدعي الممثل مشاعره المخزنة ليخدم الدور أما شنايدر فكانت تشرع أبواب روحها بالكامل لتترك الشخصية تلتهم واقعها.
السينما لم تعوض شنايدر لأن أحدا لم يجرؤ على دفع الثمن الذي دفعته. مآسيها الشخصية، بدءا من هجر آلان ديلون المفاجئ لها والذي كسر كبرياءها الأنثوي، مرورا بانتحار زوجها الأول هاري ماين، وصولاً إلى الفاجعة السريالية البشعة المتمثلة في موت ابنها ديفيد ذو الأربعة عشر عاما بعد أن اخترق سياج حديدي جسده، كل هذه الأهوال لم تدفن في عيادات الطب النفسي، بل صُبت بالكامل فوق روحها.
في أفلامها المتأخرة مع المخرج كلود سوتيه، مثل "أشياء الحياة/Les Choses de la vie" عام1970 و"قصة بسيطة/Une histoire simple" عام 1974، لم تعد شنايدر تمثل حزن المرأة الفرنسية البرجوازية بل كانت تستخدم تلك الأفلام كطقوس جنائزية يومية لروحها المعذبة. سوتيه عرف كيف يلتقط "بروفايل" وجهها وهي تدخن السيجارة خلف زجاج نافذة مغسولة بالمطر، لتصبح السيجارة هنا أداة زمنية والدخان المتصاعد يمثل تلاشي رغبتها في الحياة، القيمة الفنية هنا تتجاوز المهارة لإنها تتحول إلى شهادة حية على الضعف الإنساني في أقصى تجلياته.
وتقريبا ركز جميع المخرجين على عيني رومي شنايدر وأخذوهما في لقطة مقربة جدا لأن عينيها هما النفي القاطع لمفهوم "السينما كمجرد ترفيه"، و في عينيها يكمن التناقض الصارخ للقرن العشرين، كبرياء الملكات الممزوج بانكسار الضحايا، الرغبة العارمة في الحب والخوف المطلق من الهجر.
السينما العالمية من تعوضها لأن الممثلات اللاحقات تعلمن كيف يحمين أنفسهن من الأدوار أما شنايدر فكانت تدخل الفيلم وهي تعلم أنه قد يقتلها وقد فعلها في النهاية عندما توقف قلبها عن النبض في سن الثالثة والأربعين حزناً وأسى.
رومي شنايدر لم تكن نجمة ساطعة في سماء السينما، بل كانت شهابا يحترق ببطء ليرشدنا إلى حقيقة واحدة، هي ان أعظم ما يمكن للسينما أن تقدمه ليس الخدعة البصرية بل الصدق الذي يتجلى عندما يسقط القناع وتظل الروح عارية تماماً أمام الضوء.
* التعري الوجداني (أو التعرية العاطفية): وهو تجريد الممثل لنفسه من كافة الدروع النفسية والأقنعة الاجتماعية، لإظهار أعمق مشاعره الإنسانية الحقيقية والأكثر هشاشة أمام الجمهور والكاميرا.
#عدي_حاتم (هاشتاغ)
Oday_Hatem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟