أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ناضل حسنين - حين يصبح العمر بقالة والذات عبدًا لوهمٍ عابر














المزيد.....

حين يصبح العمر بقالة والذات عبدًا لوهمٍ عابر


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 13:44
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ أن استيقظ الإنسان على أول شرارة وعي، وهو يركض خلف سرابٍ كالذي يلوّن أفق الصحراء للعطشان: إنه "القيمة". يبحث عنها في أعين الآخرين كما يبحث السجين عن نافذة في جدار زنزانته، وكأن وجوده ناقص إلا إذا اكتمل بابتسامة إعجابٍ أو همسة احتقارٍ تأتي من الآخرين. إنها بذرة غُرست في طفولتنا، سقيناها بحليب الإعلام وصور السينما وأغاني السوق، فنمت فينا حبالا غير مرئية تطوّق أعناقنا وتُخنق عفويتنا. وهنا تحديدًا تكمن الخديعة: نحن نعامل أنفسنا كأننا مركز المجرات، بينما حقيقتنا، للأسف، لا تتجاوز نتوءًا صغيرًا على خارطة الكون.
أحد المفكرين رفع الستار قليلًا عن المسرح الكئيب للحياة، ووضع ما أسماه "قانون 18-40-60"، وقال: عند الثامنة عشرة، تتحول أعين الناس إلى سلطة عليا تصدر الأحكام علينا، فنشعل معارك طاحنة في سبيل إثباتٍ زائف للذات. وفي الأربعين، تبزغ شمس الوعي متأخرة: نكتشف أن همس الناس لا يسمن ولا يغني، وأن العمر المهدور في إرضائهم كان محض ديكور زائف. ثم عند عتبة الستين، تأتي الصفعة الأخيرة: لم يكن أحد مشغولًا بنا أصلًا. كل واحد كان غارقاً في مستنقع همومه الشخصية، بالكاد تمكن من إبقاء رأسه فوق سطح الماء.
هذه الخديعة لم تبزغ من فراغ. إنها صناعة هائلة، أو آلة مسعورة، تلوك وعينا كما تلوك الماشية العشب. الإعلام، الفن، الإعلانات تغني لك دائمًا: "أنت مهم... أنت خارق... أنت محور الكون". لكن خلف أغنية "القوة" و"التفرّد"، هناك فاتورة يتوجب سدادها، هناك سيارة تبتلع نصف عمرك مقابل بضع ثوانٍ من بريق عابر. الهاتف الذي تظنه رخيصًا ربما التهم أسبوعًا من زهرة شبابك هو أجرة عملك، والسيارة التي ترفعك بين الناس ربما دفعت ثمنها سنوات من العمل والقلق والديون. إنهم يبيعوننا وهم الأهمية مقابل السلعة الأغلى: أعمارنا.
وإذا كان الشباب يبتلعون هذا الطعم بلهفة، فالنساء تتناول هذا السم في كأسٍ من ذهب. يخبرونهن: "أنت ملكة... أنت لا أحد يقهرك... أنت تستحقين الأفضل". لكن كل هذه الكلمات ليست سوى طبول فارغة تقرع لتمهيد عرض جديد: حقيبة يد، كريم تجميل، أو بطاقة تسوق. في النهاية، لا يعاملون المرأة إلا كوقود متجدد لعجلة السوق: أكبر، أغزر، وأكثر قابلية للاستنزاف.
النتيجة؟ مجتمعات تسير حافية القدمين خلف سراب "كلام الناس". رجال يُغرقون أعمارهم في بحر ديونٍ كي لا يُقال إنهم أقلّ من جيرانهم، بيوت تنهار على ساكنيها كي تظل القشرة الاجتماعية صافية، مهاجرون يدفنون غربتهم في صمت لأنهم يخافون أن يُقال إنهم فشلوا. هذا "الناس" الذي نخشاه، في الحقيقة، شبحٌ فارغ. ضجيج بلا لحن. مجرد ظل يطاردنا في رأسنا لا في الخارج.
الطامة الكبرى أن هذا الظل يتحول إلى "دولة موازية"، إلى محكمة لا نرى قضاتها. يكبل المرء في داخله، يحول بينه وبين حريته الداخلية، يخنق كل احتمال للإبداع. والحقيقة المرة أن كلام الناس لا يغير في واقعك مقدار ذرة إلكترون. إنه غبار على زجاج نافذة: إن لم تنفضه ذهب مع أول ريح.
الحل؟ لا ثورة في الشارع، بل ثورة في الداخل. أن تكسر القيد الذي وضعوه حول عنقك منذ الطفولة، وأن تدير ظهرك للجوقة الصاخبة في الخارج. أن تكون مهمًا في عينك أنت، حتى ولو بدوت في نظر الآخرين أقل من لا شيء. هذه هي النجاة الوحيدة: أن تسكنك نفسك بدلًا من أن تسكن أوهام الآخرين.
الحياة قصيرة، والعمر هو رأس المال. فمن باع رأس ماله في سوق صاخب من أجل "تصفيق الناس"، عاد مفلسًا إلا من خيبة ذاتية. أما الذي أغلق أذنه عن الصخب، وفتح قلبه على صوته الداخلي، فقد ظفر بالحرية الحقيقية... الحرية التي هي أندر من الذهب وأغلى من كل مجرات الدنيا.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعنة السيجارة ودمعة الجزائري
- هكذا انقلب السحر على الساحر
- محنة النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي
- سلاح لا يستطيع الرجل الصمود أمامه
- فكر معي: هل حقا نختار، أم نتخيل أننا نختار؟
- الحرية... الوهم الأكبر
- متى يتحول تاريخنا المقدس إلى تاريخ بشري؟
- كولومبيا.. من خندق فلسطين إلى أحضان إسرائيل
- عرب الداخل: روافد نهج الموحدة..
- الارجنتين – مصر: عدالة مجتزأة
- تعالوا معي الى حقل الألغام
- بين قناعة الفرد وسلطة الجماعة
- حين تصبح الحقوق بضاعة قابلة للمساومة
- عرب الداخل: من بن غوريون إلى بن غفير..
- عرب الداخل: بين التمسك بالحقوق أو استبدالها
- الإنسانية الإسرائيلية شوفينية مقنعة
- الذكاء الاصطناعي سيتمرد على صانعيه
- تحت المجهر: التطهير العرقي الحديث...!
- حين تصبح -المشاعر- معيارًا انتقائيًا..
- بلغاريا: عودة اليسار البراغماتي


المزيد.....




- وزير الخارجية اللاتفي الأسبق يدعو ريغا لقيادة الحوار مع روسي ...
- كييف تستعد لاستقبال أقسى شتاء لها منذ 5 سنوات
- ترامب يصف النرويج بالدولة -الرديئة والقذرة- لعدم منحها إياه ...
- اليونان توافق على إبقاء -باتريوت- في السعودية وتعزز التعاون ...
- واشنطن تجدد الأوامر لموظفيها بمغادرة السعودية مع استئناف جزئ ...
- مصر تدفع بقافلة طحين ثالثة لحل أزمة مخابز غزة
- بلومبرغ: الديمقراطيون يعتزمون التحقيق في ملفات إبستين في حال ...
- فوتشيتش يتهم -الدولة العميقة- الأمريكية بهزيمته في الانتخابا ...
- الخارجية الإيرانية تعلق على تضارب تصريحات القيادة الأمريكية ...
- بوتين: اتهام أوروبا لنا دليل عجز قادتها


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ناضل حسنين - حين يصبح العمر بقالة والذات عبدًا لوهمٍ عابر