أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ناضل حسنين - لعنة السيجارة ودمعة الجزائري














المزيد.....

لعنة السيجارة ودمعة الجزائري


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 20:39
المحور: القضية الفلسطينية
    


ألقت سفينة "كوستا توسكانا" مرساتها على شواطئ مرسيليا، كحمامة بيضاء قررت أن تستريح قليلاً من زرقة المتوسط. منحونا سبع ساعات فقط، لنختلس من المدينة الفرنسية بعضاً من أسرارها، قبل أن تكمل السفينة ابحارها نحو شمس إسبانيا.
قادتنا أقدامنا إلى سوق "نواي"، أو كما يسميه أهل المدينة "سوق الكبوشي". هناك، حيث تتنفس مرسيليا رئتها الشعبية، يذوب الناس في زحام يشبه لوحة فنية؛ ألوان الخضار والفواكه تمتزج ببريق الحُليّ الرخيص، ورائحة التوابل تتسلل لتغازل حاسة الشم.
اخترنا مقهى على قارعة الطريق، طاولة صغيرة تشهد على تعبنا. أشعلت سيجارة، وبدأت أنفث في الهواء دوائر من دخان، كأنني أبعث برسائل ضبابية إلى السماء. لم يطل انتظارنا حتى ظهر الجرسون، لكنه لم يكن يحمل قائمة طعام، بل كان يحمل سيفاً من كلمات. قبل أن يصل طاولتنا، قذف بعبارته بالانجليزية بنبرة حادة اربكتنا: "المطعم مغلق. غادروا فوراً".
نظرت حولي، كانت الطاولات الأخرى تعج بالحياة، ضحكات تتعالى، وشوك وسكاكين تدق أيقاع الطعام. سألته عن سر هذا التعامل، فأجاب بنبرة لا تعرف التنازل: "هذه تعليمات المدير".
نهضتُ إليه، سحبته جانباً كمن يودّ أن يهمس بسرٍ خطير وحاولت ان افهم دوافعه قبل ان اطلب رضاه. سألته إن حل موعد استراحة الظهيرة او ان يكون قد نفد الطعام في مطبخهم. ومن ضمن ما قلت، إننا مجرد عابري سبيل، سياح من فلسطين.
عندما نطقتُ اسم "فلسطين"، حدث شيء يشبه المعجزة. انشقّ قناع الجليد عن وجهه، وتفتحت أساريره كزهرة ربيعية. لكن عينيه استقرتا على علبة سجائري، حيث كتب عليها بأحرف عبرية كبيرة التحذير من مخاطر التدخين. عندها ادركت كل شيء. فهمت أننا كنا متهمين بهوية لم نخترها، وأن الجغرافيا قد نصبت لنا فخاً.
شرحت له ما استطعت من حكايتنا المعقدة، حكاية عرب الـ 48 الذين يحملون في جيوبهم تناقضات التاريخ. غاب الشاب، الذي تبين أنه ابن مهاجر مغربي لا يتقن لغتنا، وعاد برفقة أبيه. استقبلنا الرجل بلهجة مغاربية دافئة، واعتذارٍ صادق: "ظنناكم إسرائيليين. سامحونا".
تركنا خلفنا مرارة السوق وحلاوة الاعتذار، وحملنا سائق الأجرة إلى قصر "لونغشامب". هناك، حيث يتجلى التاريخ الفرنسي منحوتاً في الحجر، يقف القصر كشيخٍ مهيب يروي حكايات الزمن. كانت نافورته تحفة فنية، كأن الماء يرقص على أنغام معمارية صامتة، ويرش رذاذه ليبارك العابرين.
كنا نتهامس بكلمات الإعجاب، أنا وزوجتي وابني، نتبادل نظراتٍ تفهم جمال المكان. وفجأة، اقترب منا رجل، رسمت الستون عاماً على وجهه خريطة زمنٍ طويل. بلهجةٍ تحمل دفء شمس المغرب العربي، سألنا: "من أين أنتم؟ سمعتكم تتحدثون بالعربية".
أجبته بهدوء: "نحن من فلسطين".
سقطت الكلمة بيننا كقطعة جمر. خيّم صمتٌ ثقيل، صمت الرجل، وصمتت زوجته التي تقف بجانبه كظلٍ له. ثم، بصوتٍ خرج من أعماق جرح قديم، قال: "فلسطين... سامحونا... سامحونا...".
لم تكن مجرد كلمات، بل كانت صلاةً واعتذاراً. فتح الرجل ذراعيه، لا كغريبٍ بل كأخٍ ضائع وجد أهله. احتضنني، وشعرتُ بزلزالٍ يضرب روحي. حاولت عيونه أن تسجن دمعة متمردة، لكنها أفلتت وهربت على خديه. قبّل رأسي وهو يهمس بتلك الكلمة التي كانت أكبر منّا جميعاً: "سامحونا".
ثم اتجه نحو ابني، واحتضنه كأنه يحتضن المستقبل، وقبّل جبينه. استدار نحوي، وبصوتٍ يرتجف من فرط التأثر، استأذن: "اسمح لي يا أستاذ أن أقبّل رأس زوجتك". فعل ذلك بكل وقار، ثم أمسك يدها وقبّلها، كأنه يقبّل أرضاً مقدسة، ودموعه قد شكلت نهراً صغيراً على وجنتيه. كانت زوجته تردد خلفه بصوتٍ بالكاد يُسمع: "فلسطين... يا ربي... فلسطين... يا ربي...".
أعترفُ أن كل تحصيناتي انهارت أمام هذا السيل من الحب والأسى. حاولتُ أن أبتلع غصةً عنيدة استقرت في حلقي، لكنها كانت أقوى مني، فلمعت دمعة في عيني، خانتني وكشفت كل شيء.
سألته بصعوبة: "من أي بلد أنت؟"، فأجاب: "من الجزائر".
احتضنته مرة أخرى، احتضنتُ فيه وطناً بأكمله، فقد علّمنا التاريخ أن الجزائر هي توأم روح فلسطين.
هاتان الحادثتان ليستا مجرد مصادفتين، بل هما وجهان لمرآة واحدة، تعكس أصداء ما يحدث في غزة على أرصفة الغرب. وجهٌ يراك عدواً بسبب حروفٍ على علبة تبغ، ووجهٌ يراك قضيةً مقدسة، ويبكي على عتبات اسمك.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هكذا انقلب السحر على الساحر
- محنة النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي
- سلاح لا يستطيع الرجل الصمود أمامه
- فكر معي: هل حقا نختار، أم نتخيل أننا نختار؟
- الحرية... الوهم الأكبر
- متى يتحول تاريخنا المقدس إلى تاريخ بشري؟
- كولومبيا.. من خندق فلسطين إلى أحضان إسرائيل
- عرب الداخل: روافد نهج الموحدة..
- الارجنتين – مصر: عدالة مجتزأة
- تعالوا معي الى حقل الألغام
- بين قناعة الفرد وسلطة الجماعة
- حين تصبح الحقوق بضاعة قابلة للمساومة
- عرب الداخل: من بن غوريون إلى بن غفير..
- عرب الداخل: بين التمسك بالحقوق أو استبدالها
- الإنسانية الإسرائيلية شوفينية مقنعة
- الذكاء الاصطناعي سيتمرد على صانعيه
- تحت المجهر: التطهير العرقي الحديث...!
- حين تصبح -المشاعر- معيارًا انتقائيًا..
- بلغاريا: عودة اليسار البراغماتي
- بين الردع والانفجار: صراع الحافة الرخوة في الإقليم


المزيد.....




- فيديو يُظهر لحظة حادث تصادم مميت بين حافلة مدرسية وسيارة في ...
- شاهد.. إسرائيليون يحيون ذكرى بدء هجوم 7 أكتوبر بالصمت
- -نصر غصب عنك-.. ساويرس يرد على إيدي كوهين بشأن حرب أكتوبر
- كريستا بايك -تستعيد وعيها وتتحدث-، بعد نجاتها من محاولتين لت ...
- تهديد إسرائيلي بتدمير سيناء يشعل الغضب في مصر.. إعلاميون: لن ...
- زلزال نقدي في بغداد.. العراق يخفض قيمة الدينار بـ 15% لمواجه ...
- رداءة الوقود في سوريا تلغي زيارة رسمية لوفد تركي
- في ذكرى 7 أكتوبر الثالثة.. إرث الإخفاق الأمني يلاحق نتنياهو ...
- تحسبا لتوسع أزمة إثيوبيا.. تنسيق أمني وعسكري بين مصر وإريتري ...
- -قضية الرهائن تعرضت للتسييس لتبرير استمرار الحرب-.. هجوم شرس ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ناضل حسنين - لعنة السيجارة ودمعة الجزائري