أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - علي الجلولي - شهرا بعد العودة: الاوضاع التربوية، الى أين؟















المزيد.....

شهرا بعد العودة: الاوضاع التربوية، الى أين؟


علي الجلولي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 15:00
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يلاحظ العديد من المتابعين ما بلغته الأوضاع التربوية في بلادنا من تدهور طال كل المستويات بما عمق القناعة الواسعة بطبعها منذ سنوات بكون قطاع التربية والتعليم هو قطاع مأزوم وتنعكس على ملامحه كل مظاهر الازمة العميقة والشاملة التي تهز البلاد. لقد انتظمت في أغلب جهات البلاد تحركات احتجاجية في المؤسسات التربوية التي تشهد أوضاعها انحدارا رهيبا، وتراوحت الاحتجاجات بين امضاء العرائض التي عادت بقوة الى قاعات الأساتذة والمعلمين الى الإضرابات بساعة أو ساعتين ان على صعيد مؤسسة واحدة أو على مستوى محلي مثلما انتظم في قطاع التعليم الثانوي بجهة السواسي من ولاية المهدية. ولم يقف الاحتجاج على المدرسين ونقاباتهم، بل تحرك التلاميذ وخرجوا الى الشارع في مدينة قابس، أو رفعوا لافتات تعبر عن شواغلهم ومطالبهم في اعدادية ابن خلدون بالصخيرة (ولاية صفاقس). وبطبيعة الحال فان الجامع بين تحركات مجمل الفاعلين التربويين هو الاحتجاج على ما بلغه المرفق التربوي من تدهور طال البنية الأساسية وضعف الموارد البشرية وتصاعد الاكتظاظ، فضلا عن الخلل البنيوي المريع لمنظومة المناهج والمضامين والتقييم والضوارب والزمن المدرسي، وما لحق الحق التربوي من ضرب ممنهج وتصفية مدمرة أصبحت لا تحتاج الى استعراض أرقام ولا معطيات.
ويتجه رأي غالب في الوسط التربوي وفاعليه أن "السيل بلغ الزبى" وبلغت المدرسة العمومية حالة فاقعة وقصوى في التدهور والسوء، فأن يدرس الأستاذ أكثر من 20 ساعة أسبوعية وان يتجاوز عدد تلاميذ الفصل الواحد 50 تلميذا، فهذا لوحده مؤشر قُصوي (indice extrême) على ولوجنا مرحلة اللاتربية، أو اللامعنى في التربية. هذه الأرقام لا تهم مدارس غزة المنكوبة، ولا مدارس منطقة البحيرات الافريقية المحرومة من ثروات بلدانها التي تحكمها مباشرة الشركات الاحتكارية. انها تهم المؤسسة التربوية العمومية في بلادنا هذه الأيام. والأمر لا يهم مدارس الهامش والمناطق الداخلية والمحرومة، بل يشمل كل المؤسسات في كل الجهات بما فيها العاصمة والشريط الساحلي التي يظن البعض واهما أنها محظوظة. بالتوازي مع ذلك نشرت وزارة الاشراف منذ أيام نتائج الدراسة الميدانية حول الظواهر المستجدة في الوسط المدرسي وهي نتائج فظيعة فيما يهم استيطان ظواهر العنف والادمان بأنواعه وفي مقدمته الذي يهم المخدرات، ومزيد استفحال التسرب والفشل والهدر المدرسي، وأيضا الانتحار ومحاولاته، وكذلك الحرقة التي أصبحت تستقطب فتيانا وفتيات من المدارس الاعدادية. هذا وتنشر نقابات الاسلاك التربوية أرقاما مريعة حول هبوط نسب التأطير التي تهم القيمين والاخصائيين النفسيين ومستشاري الاعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، كما تشكو المؤسسات التربوية الآن من نقص كبير يمس هيئة التسيير الاداري أي المديرين والنظار والقيمين العامين سواء بسبب الاقالات الواسعة أو خاصة بسبب العزوف الكبير عن قبول التكليف الإداري بمقتضى حجم الخلل في الشروط والمقتضيات التي تهم تحمل هذه المسؤوليات.
- واقع المدرسة: أزمة أم تأزيم؟
لا شك ان المدرسة تعيش أزمة كنتيجة موضوعية لتواصل خيارات اقتصادية واجتماعية نيوليبرالية وضعت في أولوياتها تصفية المرفق العمومي وضرب الخدمات الاجتماعية ومن بينها التعليم الذي ظل ينظر اليه باعتباره عبء وقطاعا غير منتج ومكلف، والنتيجة طبعا لا يمكن أن تكون الا ازمة عميقة وبنيوية. لقد وضعت الدولة بعد 1956 استثمارات هامة لتشييد المدرسة العمومية التي تمكنها من حاجياتها من الإطارات والموظفين واليد العاملة المختصة والماهرة، ولأجل ذلك وصل نصيب ميزانية وزارة التربية والتعليم الى 40°/° ردحا هاما من عقد الستينات. وحين حققت حاجتها من ذلك في منتصف السبعينات بدأت مكانتها تتراجع تدريجيا عند الدولة ويظهر ذلك من نصيب الوزارة من الميزانية العامة، وانعكاسات ذلك على موقع المؤسسة التربوية وادائها لا يمكن أن يكون الا سلبيا، فبدأت منزلة المدرسة في التقهقر ثم التدهور وهو ما بلغ ذروته في ثمانينات وخاصة تسعينات القرن المنصرم. ولم ينعكس هذا الوضع على الجوانب المادية التي تهم البنية الأساسية بل طال أيضا وضعية المربين التي أصبح مرجعا في سوء الحال المادي والمعنوي. يتظافر كل ذلك مع التدمير المضمر للمضامين والمناهج التي بقيت جامدة وعفا على العديد منها الزمن، فآخر "تعديل" للبرامج تم سنة 2005 وشمل بعض المواد. وللعلم فان بعض المواد لازالت تعتمد نفس المسائل والمحاور منذ بداية التسعينات، وبقيت التعديلات هنا وهناك مناسباتية وجزئية وتهم دروسا بعينها بالتنقيح أو الإلغاء في انتظار "اصلاح" لم يحن أوانه. وفي الوقت الذي شهد العالم تحولات جذرية على مختلف الأصعدة بما فيها ما يهم المعرفة والمناهج، فان مدرستنا لازالت أسيرة جمود لا يكسره الا "تجديد" اتجهت له همة هذا المدرس أو ذاك المتفقد. وللعلم فان النظام التأديبي المعتمد في الاعداديات والمعاهد فهو يعود الى سنة 1991، ولازال القانون الإطار الذي يؤطر التربية والتعليم هو القانون التوجيهي الصادر في جويلية 2002. وفيما بذلت النقابات مجهودات جبارة لا للمطالبة بالإصلاح فحسب بل تقدمت بورقات ونظمت أياما دراسية حول مختلف أوجه الحياة التربوية، فان السلطة وخاصة بعد الثورة ظلت "مرعوبة" من الملف الذي تحول الى مجال استقطاب ظلامي/نيوليبرالي مرتبط بمنظومة الحكم التي عوضت الدكتاتورية. وبقي الوضع على حاله مع قيس سعيد الذي بعث مفتتح هذا العام "المجلس الأعلى للتربية" منزوع الصلاحيات وذي التركيبة المعينة والغير ممثلة، والذي يتداول على رئاسته وزراء بحسب العمر، بما عمق قناعة لدى لفيف واسع من المربّين بالرجاء ألا يشتغل هذا المجلس على أي ملف، فالمنطق الشعبوي لن يُصلح بل سيفسد ويعمق أزمة المأزوم ويقضي على ما بقي من مكاسب المدرسة العمومية.
- لصالح من يتم تدمير المرفق التربوي العمومي؟
مقابل التدهور المريع الذي تشهده المدرسة العمومية، ينتصب في الضفة المقابلة قطاع خاص بدأ في السنوات الأخيرة يأخذ شكلا جديدا يختلف عن "المدارس الحرة للعقود الفارطة والتي ارتبطت بالفشل الدراسي والبحث عن فرصة أخرى للنجاح من قبل بنات وأبناء الطبقات الشعبية والفقيرة. أما التعليم الخاص الذي بدا في البروز مؤخرا فهو بمواصفات (hight school) وهو الذي يستقطب جمهورا مخالفا اذ يتجه الى الطبقات والفئات الميسرة والقادرة على الدفع والى التلاميذ المميزين (أي بمستوى نموذجي niveau pilote). لقد أصبح هذا التعليم الذي يمتد من التعليم الماقبل مدرسي وصولا الى الجامعة، أصبح يستقطب أعدادا متصاعدة وأصبح منافسا جديا للتعليم العمومي وأصبح يسجل حضوره بقوة متنامية في الامتحانات الوطنية أي امتحان السيزيام والنوفيام والباكلوريا، وهو منافس جدي في المراتب الأولى بما في ذلك الباكلوريا اذ نال القطاع الخاص المرتبة الأولى وطنيا في شعبة الاقتصاد والتصرف، وهو ما سيتعمق في السنوات القادمة انطلاقا من المؤشرات الحالية في القطاعين. وللعلم فان القطاع الخاص يحوز إمكانيات مادية ولوجستية وبيداغوجية ضخمة جدا اذ يمتلك آخر صيحات المخابر والقاعات المختصة والمكيفة والخدمات المدرسية الراقية، كما أنه يحوز الرعاية السياسية والإدارية من الدولة، وهو قطاع فالت عموما عن الرقابة بما فيها البيداغوجية من ذلك أن أغلب هده المؤسسات لا تتقيد بالمقررات الرسمية في التدريس خلافا للقوانين ولكراس الشروط الخاص، ففي سنوات المناظرات (السيزيام والنوفيام) تكتفي هذه المؤسسات بتدريس مواد التناظر على يد أفضل الأساتذة وخاصة المتقاعدين منهم وبأعلى الأجور وذلك من أجل افتكاك أكتر ما أمكن من المواقع في الاعداديات والمعاهد النموذجية، وذلك مقابل مبالغ سنوية مشطة. ولا تكتفي هذه المؤسسات الخاصة بذلك بل هي تستعمل كل الأساليب لاستقطاب التلاميذ المتفوقين من المؤسسات العمومية كآلية من آليات الدعاية. ان هذا القطاع الطفيلي يدور حول معجم الاستثمار الذي أصبح يستقطب جزء من العائلات التونسية حتى متوسطة الحال التي تقوم بكل التضحيات من أجل تدريس أبنائها في هذه المؤسسات ذات الأفق والتي تستمد مشروعية وجودها وصعودها من أزمة المدرسة العمومية وسقوطها المدوي الذي يشارف الانهيار، وهو حال المرفق الاجتماعي العمومي في الصحة والنقل والسكن...
ان تأزيم حال المدرسة العمومية لا يستفيد منه الا مصاصي الدماء من الخواص الذي يكدسون الريع. لذلك يُجهض أي مسعى للإصلاح من طرف الطبقات التي تحكم فعليا البلاد وتتحكم في مجمل المنظومة السائدة التي سلعنت كل شيء بما فيه التعليم.
ان نضالا عنيدا يجب أن يخوضه المربون، ومن خلالهم كل قوى التقدم دفاعا عن تعليم عمومي راقي،عقلاني،ديمقراطي ومجاني. ودفاعا عن مؤسسة تربوية للمربين بمختلف فاعليهم لا مؤسسة تريد السلطة تسييرها بعصا القمع مثلما صار في اعدادية الحرايرية يوم 14 أكتوبر حين هددت المندوبية الأساتذة النقابيين بدعوة الشرطة لإخراجهم من قاعة الأساتذة.

15 أكتوبر 2026



#علي_الجلولي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الذكرى الثانية لاغتيال -سيد المقاومة-: لبنان والمنطقة، ال ...
- -الانتخابات- الصهيونية: الوهم والحقيقة حول -ديمقراطية- الاحت ...
- المجلس الأعلى للتربية والتعليم: حلّ لأزمة التربية أم تعميق ل ...
- حتى لا تكون تونس موضوع “حفل شواء” إقليمي ودولي
- عشية مؤتمره السادس، الأمين العام لحزب النهج الديمقراطي العما ...
- العدو ووكلائه يعطلون تنفيذ اتفاق إدارة غزة
- قراءة في نتائج الدورة الرئيسية للباكلوريا
- الغش الاكتروني يحاصر الباكلوريا التونسية
- هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟
- في الذكرى 78 للنكبة: ومازال الشعب الفلسطيني يقاوم الاحتلال و ...
- حكام لبنان يتهافتون على التطبيع، وشعبها الصامد يتأهب لاسقاطه
- العدوان الصهيو-أمريكي يغرق في الوحل الايراني
- العراق في قلب الحرب الاقليمية
- لبنان من جديد في وجه المؤامرات الصهيو-أمريكية
- العراق ومعضلة التدخل الأمريكي والتسلط الاقليمي والعمالة الطا ...
- الاستيطان والضم في قلب المشروع الصهيوني
- الرجعية العربية شريك في العدوان على إيران
- ويبقى 14 جانفي يوما عظيما في تاريخ الشعب التونسي
- هل ينهض السودان المنسي والمقهور والمستهدف؟
- 2025 عام انهاك المدرسة والتعليم العموميين


المزيد.....




- مصر وتركيا تبحثان الأوضاع في ليبيا وسط اختلاف المواقف بشأن م ...
- القناة 14 العبرية: مقتل جندي إسرائيلي مصاب في هجوم الخليل ال ...
- الكرملين: مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ستعقد مطلع نوفمبر
- داء المرتفعات يقصي صانع المحتوى -أبو فلة- من إكمال تسلق جبل ...
- الدفاع الروسية: استعادة 270 أسيرا مقابل 270 أوكرانيّا (فيديو ...
- باريس.. مقتل شخص وإصابة أربعة بإطلاق عشوائي للنار
- هل تحلّ روسيا العقدة الإيرانية؟
- ترامب يدعم نتنياهو، أَمْ يقضي على فرصه الانتخابية!
- ليس بالديزل وحده، روسيا تُسعف الولايات المتحدة!
- حاملات الطائرات الأمريكية أمام إيران تنذر بحرب كبرى


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - علي الجلولي - شهرا بعد العودة: الاوضاع التربوية، الى أين؟