علي الجلولي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 11:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لازال الوضع السياسي في العراق يراوح مكانه بعد انتخابات 11 نوفمبر الجاري، ولا تزال الأوضاع تتعطل بعد أن قرر "الإطار التنسيقي" المتكون من أهم الفعاليات الشيعية الرابحة في الانتخابات ترشيح "نوري المالكي" الى منصب رئيس الوزراء، والذي قابلته الإدارة الأمريكية وعلى رأسها ترامب برفع فيتو معلن في وجه هذا الترشيح، بما يؤكد الحقيقة العارية التي يرفض البعض الاعتراف والاقرار بها وهي أن العراق ليس سوى محمية أمريكية وأحزابه الطائفية ليست سوى دمى في يد الخارج الإقليمي والدولي.
فماهي حقيقة ما يجري في هذا البلد الشقيق الذي يعتبر منذ غابر التاريخ مكونا أساسيا في معادلات الإقليم والمنطقة؟
- الانتخابات العراقية الأخيرة ومواصلة تكريس معادلات مابعد 2003
يعيش العراق منذ احتلاله في أفريل 2003 من قبل القوات الأمريكية الغازية التي أسقطت نظام حزب البعث بقيادة صدام حسين، على وقع وضع مستمر وهو تحوله بصفة كلية وغير مسبوقة الى فضاء مخترق عموديا وأفقيا من قبل كل القوى الإقليمية والدولية، بما أخرج هذا البلد بصفة تكاد تكون كلية من معادلات المنطقة التي كان أحد أهم مهندسيها طول التاريخ المعاصر. لقد تم تحويل البلاد فعليا الى كانتونات طائفية على الشاكلة اللبنانية بما فيها تقسيم كعكة الحكم التي تم تثبيتها ضمن نظام فيدرالي تتمتع فيه العصابات الكردية ممثلة في حزبي بارزاني وطالباني بحكم ذاتي شمال البلاد، وتقسيم طائفي لمنظومة الحكم بين المكونات الثلاثة: الكرد في رئاسة الدولة الاتحادية بمهام تشريفاتية، والطائفية الشيعية على راس الحكومة بصلاحيات تنفيذية واسعة، والطائفية السنية على راس البرلمان بصلاحيات محددة. وبهذا التشكيل تقاطعت مصالح أهم اللاعبين الإقليميين والدوليين، فحافظت الولايات المتحدة على دورها باعتبارها المتحكم الفعلي السياسي والاقتصادي والأمني للبلاد منذ "مجلس بريمر" الذي مارس الحكم الفعلي للعراق ولم تكن القوى "العراقية" الاّ صناعا ودمى لديه الى اليوم رغم مراجعة الاتفاقيات الضابطة للعلاقة. فالوجود الأمريكي أخذ مظاهر متعددة ولازال الطيران الأمريكي يتحرك بمطلق الحرية في الفضاء العراقي الشاسع خاصة في ظل أوضاع إقليمية متوترة وتتجه تدريجا الى فصل جديد من التصادم مع إيران التي يعتبر العراق خاصرتها وامتدادها الجغرا-سياسي الحيوي. ورغم محافظة العراق على دورية الانتخابات، الا أن التكريس الواسع للطائفية في أبشع وأفظع تجلياتها متداخلة مع التدخل الخارجي في إطار حماية الاتباع، فان السمة الجوهرية للحياة السياسية الرسمية في العراق هي تعبيرها عن ثنائية وقاحة التدخل الخارجي ورذالة الخضوع المحلي. فالأحزاب الكردية العميلة مرتبطة عضويا بالإمبريالية الأمريكية وكيان الاحتلال الصهيوني الذي حول أراضي السليمانية وكركوك الى حلبة تجسس ورقابة خاصة لإيران. أما العصابات الطائفية الشيعية فهي ليست سوى أدوات في يد نظام طهران ومخابراته، فيما ترتبط أهم الفعاليات الطائفية السنية بالسعودية أو بالإمارات تمويلا وتوجيها. وطوال هذه الفترة منذ 2003 تحول العراق الى أرض مستباحة مستلبة الإرادة والقرار، تتحكم في ثرواتها النفطية الهامة عصابات ريعية بينما يعاني شعبها الفاقة والجوع والعطش، وتبخرت تقريبا كل المكاسب التي حققها الشعب العراقي في تاريخه. لقد دمرت الطائفية الرجعية والعميلة مقدرات العراق وقسمت شعبه وتلاعبت بسيادته.
لقد فرضت التدخلات الإقليمية والدولية على برلمان نوفمبر أن يتم تكليف "هيبت حلبوسي" برئاسة البرلمان في جلسة 29 ديسمبر الجاري ضمن اتفاق خارجي مع الوكلاء المحليين. ومنذ لحظتها صار تعطل في استكمال بقية الخطوات، وهي تكليف رئيس الدولة بعد شهر من الجلسة الأولى للبرلمان والتي مازالت لم تنعقد لتعطل الاتفاق على حزمة تشمل رئيسي الدولة والحكومة. ولئن يبدو الاتفاق مرجحا لاختيار "فؤاد حسين" من ضمن 19 مرشحا لرئاسة الدولة وجميعهم من الاكراد، واختيار حسين تم بين أبرز عصابات القرار المحلي المرتبط عضويا بمصالح الخارج وهما حزب مسعود البرزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، الممثل التقليدي للفاشية الطائفية الكردية العميلة والأحزاب الطائفية الشيعية وأساسا جماعة "الاطار التنسيقي" أي يجمع أبرز الكتل الطائفية الشيعية الموغلة في العمالة لأمريكا ولايران، وفي الرجعية والفساد والاستبداد، توافقت جميعها على "فؤاد حسين" الكردي الشيعي (من طائفة الفيليين)، والمعروف بعلاقاته الوطيدة مع الأوساط الامبريالية السياسية والاقتصادية والأكاديمية. لكن التعطل المعضلي اليوم هو في حقيبة رئيس الوزراء التي قرر "الإطار التنسيقي" الكتلة الطائفية الشيعية الأكبر اسنادها الى "نوري المالكي"، أمين عام "حزب الدعوة الإسلامي" ورئيس "ائتلاف دولة القانون"، ومن المفترض أن يتم تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر أسبوعين بعد تنصيب رئيس الدولة. إن التعطل اليوم يعود لأسباب تعلن على الملأ وهو الرفض الأمريكي لترشيح المالكي، فقد عبر عدد كبير من مسؤولي البيت الأبيض بمن فيهم ترامب عن رفض هذا التكليف والذي إن تم الإصرار عليه، فان الولايات المتحدة ستوقف الدعم المالي والاقتصادي والسياسي للعراق، ووصل الأمر حد وصول "توم بارّاك" يوم الجمعة 27 فيفري الى بغداد لإبلاغ المالكي الفيتو الأمريكي بكل صلف، وهو أمر أربك كل القوى العراقية العميلة التي وجدت نفسها في أسوأ سيناريو لتداعيات الأوضاع الإقليمية الراهنة في المنطقة، وهي التواجد في قلب الكماشة الامريكية الإيرانية على أرض يعتبرها الطرفان مجال نفوذ خاص بكل منهما
- أمريكا وإيران، العدوّان اللدودان على أرض العراق
يمكن الجزم أن اللاعبين الأساسيين على أرض العراق هما الولايات المتحدة وإيران، هما اللذان يحددان مجمل سياسات هذا البلد النفطي ذي الموقع الإستراتيجي. طوال عقود اتسمت باشتداد الصراع بين الإدارة الأمريكية ونظام ايران في مجمل الساحات والواجهات، الإقليمية منها على أرض سوريا ولبنان وفلسطين واليمن، ودوليا في أروقة "اوبيك" والأمم المتحدة وغيرها. الفضاء الوحيد الذي تتقاطع فيه مصالح القوتين الامريكية والإيرانية هو العراق، فمعا أسقطا نظام صدام حسين، ومعا فككا العراق ودمرا مقدراته العلمية والعسكرية والاقتصادية ومكاسبه الاجتماعية والثقافية، ومعا يشتركان في تمويل وتسليح وتمكين القوى الطائفية الشيعية ذات النفوذ الذي يعود للوزن الديمغرافي للطائفة الشيعية، وهي فرق كانت إبان حكم البعث تعيش بين بلاد فارس وبين العواصم الغربية لتجمع الولاء المذهبي الطائفي بالولاء السياسي للولايات المتحدة التي أدخلت على دباباتها قادة هذه الأحزاب العميلة ومن أبرزهم "نوري المالكي" الذي ترأس الحكومة العراقية فيما بين 2006 و 2014 في مدتين متتاليتين، كما شغل منصب نائب رئيس الدولة فيما بين 2014 و 2018. لقد كان يحظى بالقبول الأمريكي، لكن رفضه اليوم يعود لأسباب تتجاوز أداءه كأحد وكلاء الاستعمار العالمي، بل المقصود من خلاله هو إيران التي آن أوان رفع يدها ولو نسبيا عن الشأن العراقي، ويكون ذلك من خلال أحد أبرز الموالين لها وهو "المالكي"، كما أن "المالكي" يعاقب على ارتباط فترة حكمه بالانسياب غير المسبوق للعنف الطائفي، وخاصة لتوسع نفوذ "داعش" إبان حكمه والتي وصلت حد السيطرة على أجزاء هامة من أرض العراق وسوريا المتاخمة. صحيح أن "داعش" هي صناعة أمريكية، لكن تحوّلها الى قوة أكثر من اللزوم فرض على الجيش الأمريكي التدخل لضربه والحد من نفوذه وانفلاته. لقد قال الأمريكان باعتبارهم أصحاب القرار كلمتهم، وما على جيش الدمى الا التنفيذ والطاعة، ولئن حافظت القوى الكردية والسنية على صمتها، مع تسجيل مبادرة لمسعود البرزاني في الأيام الأخيرة طرح فيها التمديد ل"محمد شياع السوداني" رئيس الوزراء الحالي، والبدء بحسم منصب رئيس الدولة، وهو ما يشغله أكثر، علما وأن الأمريكان يريدون مواصلة "السوداني" المرتبط أكثر بهم وببلدان الخليج، عكس "المالكي" ذي الولاء الأعمى لطهران وقم.
- وضع العراق انعكاس لأوضاع المنطقة
الواضح أن الأوضاع السياسية المتعطلة والمأزومة في العراق هي انعكاس لما يجدّ في المنطقة والإقليم من صراعات وتعقيدات ودق طبول الحرب استغلالا لتداعيات ما بعد الحرب في غزة ومستجدات الوضع السوري واللبناني والذي يستوجب اليوم توجيه ضربة قاسمة للقوة الإيرانية حتى تسهل الولادة المكتملة لـ"الشرق الأوسط الجديد" تحت النفوذ الصهيوني. إن الساحة العراقية رغم تراجعها الكبير تبقي أحد واجهات الصدام بين القوى المتصارعة على مآلات المنطقة كجزء من مآلات العالم. والأكيد أن مصير الأزمة السياسية سيكون رجع صدى لما سيجدّ في الإقليم الساخن في الساعات القليلة القادمة.
إن هكذا وضع يطرح مهمات جسام على القوى الوطنية والتقدمية العراقية في مواجهة قوى العمالة والطائفية والفساد، هذه القوى المدججة بالسلاح وبالتخلف والدموية الفاشية. إنها مهمّات مركبة ومعقدة مثلها مثل الأوضاع في لبنان وفي وسوريا وفلسطين، وفي ايران ذاتها التي تعيش شعوبها التناقض الأشد، هجوم امبريالي صهيوني من جهة، وقهر نظام موغل في الرجعية والاستبداد.
28 فيفري 2026
#علي_الجلولي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟