أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - علي الجلولي - الغش الاكتروني يحاصر الباكلوريا التونسية















المزيد.....

الغش الاكتروني يحاصر الباكلوريا التونسية


علي الجلولي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 12:03
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


انتهت يوم الاربعاء10 جوان الجاري الدورة الرئيسية لامتحان الباكلوريا لهذا العام، وهي دورة ترافقت منذ دقائقها الأولى مع ما أصبح عاهة بنيوية تطبع منظومة التعليم ككل، وامتحان الباكلوريا بالذات بحكم منزلته في تراتبية نظام التعليم في بلادنا. ان الامر يتعلق باستيطان ظاهرة الغش التي عرفت ذروتها في السنوات الأخيرة بتنامي ظاهرة الغش الالكتروني التي أصبحت تستقطب أعدادا متصاعدة لا من المترشحين فحسب، بل من أطراف أخرى متعددة ومتداخلة. فما الذي حدث بالضبط طوال الدورة الرئيسية لباكلوريا هذا العام؟
- باكلوريا 2026 في أرقام
بلغ عدد المسجلين لاجتياز امتحان الباكلوريا هذا العام 162.435 بزيادة 10.627 عن العام الدراسي السابق. وينتمي 135.274 مترشحا الى المعاهد العمومية (أي ما يعادل83 %)، فيما ينتمي 18.943 الى المؤسسات الخاصة (أي 12 %)، وتقدم 8.218 بشكل فردي (أي 5%) .هذا وتمثل الاناث 62% من مجموع المترشحين، مقابل 38% فقط للذكور، وهي أرقام دالة حول حجم وحقيقة الاجتماعية والثقافية التحولات الحاصلة في بلادنا. هذا ويتوزع المترشحون على 598 مركزا للاختبارات الكتابية على طول البلاد وعرضها، فيما بلغ عدد مراكز الإصلاح 32 في مختلف الجهات. أما توزع التلاميذ المترشحين على مختلف الشعب، فكان كما يلي:
الشعبة الاقتصاد والتصرف الآداب العلوم التجريبية العلوم التقنية الرياضيات علوم الاعلامية الرياضة
عدد المترشحين 56.201 26.685 28.780 21.677 8.112 18.916 2.064
النسبة 35% 16% 18% 13% 5% 12% 1%
ان مجمل هذه المعطيات الإحصائية يمكن أن تكون موضوعا لدراسات متعددة ومن زوايا مختلفة للوقوف على حقيقة أوضاع التعليم في بلادنا بما في ذلك نسبة المترشحين لاهم امتحان وطني من عدد السكان وهي نسبة لا تتجاوز 1.32%، أي مترشحا على كل 70 مواطن (الجزائر مترشح على كل 52 مواطن). وهي نسبة لا تتجاوز 5.1% من اجمالي عدد شباب تونس (الفئة العمرية من 15 الى 24 عاما). أما توزع المترشحين على الشعب فيعكس خللا عميقا مازال يهز منظومة التعليم في بلادنا التي لازال موضوع مراجعة أوضاع التعليم موضوعا مؤجلا وغير ذي أولوية عند الدولة، وهذا ما يعمق الأزمة المركبة ومتعددة الأوجه التي تجد ترجمتها في قطاع حيوي واستراتيجي باتت تنخره كل ملامح الفشل والعجز وليس أقلها وباء الغش الذي ينتشر في كل مستويات التعليم وهو ما يوجه ضربة قاتلة لمصداقية الامتحانات ومصداقية الشهادات العلمية في كل درجاتها.
- الغش والغش الالكتروني يستفحلان
تزامنت باكلوريا هذا العام مع حملة إعلامية نظمتها وزارة التربية متوعدة وواعدة بالقضاء على ظاهرة الغش وتحديدا الغش الالكتروني الذي بات عاهة يبدو أنها أصبحت مستدامة. عاهة أثبتت قدرة فائقة على تحدي الدولة وهو ما تعهد وزير التربية بنسفه هذا العام وأن وزارته اتخذت كل الإجراءات والاستعدادات لحماية الامتحان الوطني الأول. لكن دقيقتين فقط بعد انطلاق اليوم الأول كانت كافيتين لنشر اختبار الفلسفة بما مثل ضربة موجعة لتعهدات الوزير باسم الدولة. لقد حمل هذا التسريب كل الدلالات على طبيعة المعركة مع عصابات الغش الالكتروني التي باتت مدججة بإمكانيات أكبر من إمكانيات الدولة، وهذا في حد ذاته موجب للمساءلة وللمحاسبة وللوقوف لمصارحة الشعب التونسي بحقيقة ما يجري. وزاد التحدي في اليوم الثاني بعد اعتماد وزارة الاشراف تقنية التشويش الالكتروني وتعطيل خدمة الانترنيت، لكن تسريب الاختبارات لم يتوقف، كما أن الغش الالكتروني لم يتوقف بل توسع لان تقنية التشويش التي طالما طالب بها المربون في سنوات خلت، لم تعد اليوم الآلية الأضمن للتوقي لأن إمكانيات الغش وآلياته التقنية واللوجستية شهدت تطويرات كبيرة بعضها أصبح في غني عن الشبكة العنكبوتية أصلا. هذا يعني أن استعدادات وامكانيات العصابات أكبر وأكثر نجاعة وهذا في حد ذاته مشكل لابد من توخي الصراحة في مباشرته.
لقد اتجهت الوزارة/الدولة مرة أخرى الى المعالجة الخاطئة، فتم استنطاق أستاذ في أم العرائس (ولاية قفصة) تقدم بتقرير حول حالة غش، وهو ما مثل اجراء خاطئا في توقيت خاطئ للجسم التربوي المؤتمن واقعيا على التصدي للغش. وفي سليانة وقع إيقاف 9 تلاميذ أطلق سراحهم بعد يومين من السجن بعد موجة سخط في الفضاء التربوي والحقوقي والمدني. ولا زالت المعلومات شحيحة ومنعدمة حول عدد الموقوفين من شبكات الغش صنعا وتوريدا وترويجا وبيعا وتحيلا. وإذا سلمنا بجدوى المعالجة الزجرية، فقد أثبتت مرة أخرى فشلها في التصدي لظاهرة إجرامية تستهدف الكيان المعنوي للشعب. وبانتهاء الدورة الرئيسية صرحت مصالح وزارة التربية أن عدد حالات الغش التي تم رصدها بلغت 955 حالة، وهو ما يمثل تقريبا ضعف الحالات المسجلة في الدورة الرئيسية للعام الدراسي المنقضي (508 حالة). ماذا يعني هذا؟ ألا يعني فشلا ذريعا فيما تعهدت الوزارة بمحاصرته والقضاء عليه خاصة وأن وزير التربية صرح قبل يوم من انطلاق الامتحان الوطني أن وزارته بمعية بقية المصالح المتدخلة، جاهزة كليا لتحصين الامتحان من هذا الوباء.
وللعلم فان الحالات التي وقع رصدها قد لا تمثل الا نزرا قليلا من عمليات الغش التي يقع التفطن لبعضها في مراكز الإصلاح، ولا يقع التفطن كليا لحالات عديدة نرى المتورطين فيها وقد تمكنوا من النجاح وأحيانا بتفوق.
- أي مصداقية لشهادة الباكلوريا التونسية؟
صحيح أن توسع ظاهرة الغش في الامتحانات في كل درجات التعلم في بلادنا هي وجه من وجوه أزمة المجتمع القيمية، وانحدار القيمة الاعتبارية لمرفق التعليم والتعلم، وهي أحد الوجوه الفاقعة لأزمة المنظومة التربوية. وصحيح ان الغش هو ظاهرة قديمة، لكن الفاقع فيها اليوم هو تحولها من ممارسة فردية لتلميذ وطالب محدود الإمكانيات الى ممارسة جماعية إجرامية تتورط فيها أطراف متعددة وتصرف فيها تمويلات ضخمة باتت تنهك جيب حتى الفئات الوسطى والفقيرة التي تضررت كثيرا من أزمة التشغيل التي ترافق خريجي الجامعة والذي أصبح (أي التشغيل) فرصة نادرة تكاد ترتبط ببعض الاختصاصات العلمية والتقنية والتكنولوجية بحكم التحولات الحاصلة في عالم العمل على المستوى العالمي. ان الانخراط في الغش وخاصة الالكتروني منه يُسوّق اليوم على أنه أقصر الطرق للنجاح والتفوق والحصول على توجيه جامعي نحو الشعب ذات التشغيلية، أو للالتحاق بالتعليم الجامعي الخاص الذي بات مزاحما فعليا للتعليم الجامعي العمومي وخاصة في الاختصاصات "الواعدة" مثل الاختصاصات شبه الطبية والهندسية والمالية...
ان تنامي الغش وفضلا عن وجهه الاجرامي الذي تتورط فيه أوساط مهربة ومتهربة وذات نفوذ، هو دليل ساطع على حجم الخلل والفشل الذي بات ينخر المنظومة التعليمية والتربوية في بلادنا. وان المعالجة الزجرية على أهميتها وضرورتها، يجب توجيهها أساسا الى العصابات والشبكات لا الضحايا من التلاميذ الذين لن يزيد السجن الا تعميق قطيعتهم مع التمدرس. ان شبكة المنخرطين في الظاهرة هي شبكة معقدة فيها عدد هام من الاولياء وحتى من الأساتذة والطلبة والأطباء، وأيضا المهربين والمروجين الذين ينشط بعضهم علانية على شبكة الانترنيت. وللعلم فان الاطار التشريعي الذي يعالج موضوع الغش هو اطار عفا عليه الزمن، فمدرستنا مازالت تحتكم الى الأمر العلي المؤرخ في 17 أكتوبر 1941 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات والمناظرات العمومية، وأن النظام التأديب المعتمد يعود الى سنة 1991 (المنشور عدد 93 لسنة 1991)، وهذه النصوص لا تشكل اليوم اطارا منصفا وعادلا للتعاطي مع ظواهر مستجدة ومتجددة .
ان الضحية الأولى لظاهرة الغش المستشرية ليس التلميذ الذي قد يتعرض لعقوبة الحرمان من اجراء الامتحان الوطني لمدة تتراوح بين عام وخمس سنوات، بل الضحية الأولى هي مصداقية الشهادة العلمية وسمعة التعليم والتمدرس في بلادنا. ان السلعنة التي طالت كل مناحي الحياة بما فيها التي تهم التمدرس والتعلم، هي بصدد تدمير مكاسب المجتمع وخاصة المتعلقة بالقيم والمعارف. لقد كانت القدرة على مواصلة التعلم في الغالب مرتبطة بالقدرة المادية للعائلة بما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص التذي تطالب به وتعمل من أجله القوى الاجتماعية المدافعة عن الفقراء، وهاهو هذا المبدأ يتعرض لتضييق آخر يتعلق بالقدرة على تمويل عمليات الغش الالكتروني التي تقف ورائها أوساط متنفذة لا ترى البشر والخدمات والقيم الا من خلال الدفع ومزيد القدرة على الدفع.
ان المربيين بمختلف أسلاكهم، فضلا عن الفعاليات النقابية والمدنية والمجتمعية مطالبة اليوم بإعلاء الصوت للتصدي لعصابات تخريب التعليم لصالح مافيا الخوصصة والمتاجرة في كل شيء.
13 جوان2026



#علي_الجلولي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟
- في الذكرى 78 للنكبة: ومازال الشعب الفلسطيني يقاوم الاحتلال و ...
- حكام لبنان يتهافتون على التطبيع، وشعبها الصامد يتأهب لاسقاطه
- العدوان الصهيو-أمريكي يغرق في الوحل الايراني
- العراق في قلب الحرب الاقليمية
- لبنان من جديد في وجه المؤامرات الصهيو-أمريكية
- العراق ومعضلة التدخل الأمريكي والتسلط الاقليمي والعمالة الطا ...
- الاستيطان والضم في قلب المشروع الصهيوني
- الرجعية العربية شريك في العدوان على إيران
- ويبقى 14 جانفي يوما عظيما في تاريخ الشعب التونسي
- هل ينهض السودان المنسي والمقهور والمستهدف؟
- 2025 عام انهاك المدرسة والتعليم العموميين
- لبنان بين كماشة العدوان العسكري والابتزاز السياسي والاقتصادي
- الصحراء الغربية، طموحات الشعب وابتزاز الأنظمة
- الحشد الشعبوي في تونس، السياق والسمات (ج1)
- الحشد الشعبوي في تونس، السياق والسمات (ج2)
- النضال الوطني الفلسطيني ووهم حل الدولتين
- السودان المنسي يقف صامدا ضد جلاديه
- شكرا لبنان
- الجمهورية والحكم الفردي: أية علاقة؟


المزيد.....




- هيلاري كلينتون: ترشح جو بايدن لولاية ثانية كان خطأً فادحًا
- إيران تطلب انسحاب إسرائيل من لبنان كجزء من الاتفاق مع أمريكا ...
- سوريا وحزب الله في تصريحات لافتة لترامب: إشادة باتفاق إيران. ...
- الصليب الأحمر: ذروة إيبولا في الكونغو لم تُحسم بعد وجهود الم ...
- مسيّرات مفخخة وقنّاصة.. كيف أُحبط مخطط لاستهداف البيت الأبيض ...
- -حرب الذكاء الاصطناعي بدأت-.. انتقادات أوروبية لقيود إدارة ت ...
- المستشار الألماني يهدي ترامب قميص ألمانيا: -نحن في فريق واحد ...
- ترامب يوجه انتقادا شديد اللهجة لإسرائيل لتجاوزها كل الحدود ف ...
- وزير إسرائيلي يتعرض لأزمة قلبية
- لغة الجسد -تكشف المستور- عن بنيامين نتنياهو (فيديو)


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - علي الجلولي - الغش الاكتروني يحاصر الباكلوريا التونسية