علي الجلولي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 12:56
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
تمّ يوم 23 جوان التصريح بنتائج الدورة لامتحان الباكلوريا والتي تقدم اليها 154.928 مترشحا في مختلف الجهات من أصل 162.435 مسجلين في بداية العام، وقد توزع المترشحون على سبع شعب دراسية، كما توزعوا على القطاعين العمومي (83°/°) والخاص (12°/°)، و مترشحين فرديين (5°/°). وقد تمكن في الدورة الأولى 55.259 من النجاح وهو ما يمثل 35.67°/° من مجموع المترشحين، فيما تأجل الى دورة المراقبة 50.236 أي 32.43°/°، أما البقية وهم 49.433 أي 31.9°/° فقد أخفقوا في الحصول على شهادة الباكلوريا لهذا العام.
وفي قراءة أولية للنتائج الصادرة، في انتظار قراءة كاملة بعد الإعلان عن نتائج دورة المراقبة يوم 12 جويلية القادم، فانه يمكن اعتبار ان النتائج عكست حقيقة الوضع التربوي والاجتماعي في بلادنا، فالأرقام في كليتها أو في تفاصيلها تكشف حجم الخلل الذي ينخر المنظومة التربوية على مختلف الأصعدة.
- ضعف نسبة النجاح كمعضلة
ان تمكن35.67°/° فقط من المترشحين الى الباكلوريا من النجاح في الدورة الأولى هو عدد ضعيف في كل الحالات. فاذا كان هذا الامتحان الوطني منظورا اليه من زاوية كونه تتويجا لمسار تعليمي استمر لمدة 13 عاما متتالية من التعليم الأساسي فالإعدادي فالثانوي، فان توفق ثلث المترشحين فقط لا يعدّ دليلا على سلامة وضعنا التربوي، كما أن اخفاق ثلث المترشحين (31.9°/°) منذ الدورة الأولى يعد مؤشرا ذا دلالة يؤكد حجم الخلل الذي يمس النظام التربوي التونسي. ان عدد المتحصلين على شهادة الباكلوريا في الدورة الأولى منظورا اليه من العدد الجملي للتلاميذ أو مقارنة بعدد الملتحقين بمقاعد الدرس منذ 13عاما، أي نسبة من تمكن من بلوغ الجامعة، فان هذه النسب تعتير مفزعة لضعفها. علما وان نسب النجاح في الباكلوريا التونسية تعتبر من أضعف النتائج عالميا، رغم اختلاف مظم التعليم والتقييم، ففي فرنسا استقرت في السنوات الأخيرة بين 85 و95°/°، وهو ذاته في إيطاليا وألمانيا، وفي محيطنا تتراوح بين 60 و 70 °/° في المغرب، وهي أقرب الى النسب الجزائرية. وفي كل الحالات لا يتعبر ضعف النتائج دليل صرامة وجدية كما يريد البعض من المسؤولين تسويقه، فمقابل النسب الضعيفة ثمة تصاعد للغش، كما انه ثمة معطيات إحصائية مفزعة عن تدهور المستوى في اللغات وفي المواد العلمية والإنسانية.
- الاختلال الجهوي كخاصية جوهرية لخارطة النجاح والفشل
ويظل الاختلال الجهوي خاصية تطال كل مناحي الحياة في بلادنا. ويعبر هذا الاختلال عن الخلل الجوهري والعميق الذي يطال المنوال الاقتصادي الاجتماعي. فالجهات المحرومة تتأثر نتائجها سلبا بضعف البنية الأساسية والامكانيات المادية والبشرية. وهذه الجهات طبعا لا ينقصها لا الذكاء ولا الاستعداد للتفوق. لقد عبرت قائمة الأوائل وطنيا في مختلف الشعب الدراسية عن مفارقة الخارطة التربوية المختلة، فقد حاز تلاميذ من ثلاثة جهات في الشمال الغربي على المرتبة الأولى في شعب الآداب(جندوبة) والرياضيات (الكاف) والعلوم التقنية (سليانة)، فضلا عن المرتبة الأولى وطنيا لمجمل الشعب (الكاف).لكن كل جهات الشمال الغربي كانت في مؤخرة الترتيب وجميعها دون نسبة النجاح الوطنية. علما وأن 16 مندوبية فقط من أصل 26 تجاوزت النسبة الوطنية. والجهات العشرة هي جهات الشريط الغربي شمالا ووسطا وجنوبا، وهي تباعا: سيدي بوزيد،باجة، القيروان،الكاف،زعوان،توزر،سليانة،قفصة،القصرين، جندوبة. وقد حافظت مندوبيتي صفاقس 1 و2 على صدارة الترتيب، ومدنين للعام الثاني على التوالي على المرتبة الثالثة، فان جهات الكوكبة الأولى ظلت تقريبا على حالها أي جهات الساحل وتونس الكبرى والوطن القبلي مع حركية جزئية في الترتيب وتقارب كبير في النسب. علما وأن الاطلاع على ترتيب المعاهد في كل جهة يكشف أكثر بشاعة الوضع المزري، فمن جملة 32 معهدا في مندوبية قفصة، حازت 4 معاهد فقط على نسب نجاح تجاوزت النسبة الوطنية، وهي: المعهد النموذجي، معهد ابن خلدون سيدي عيش،معهد 18جانفي بالرديف، و معهد ابن راشد قفصة. ولم تتجاوز نسبة النجاح 3.33°/° في معهد بلخير بنجاح تلميذين فقط من أصل 60 مترشحا. علما وأن مثال جهة قفصة ينطبق على كل الجهات تقريبا بما فيها التي تتصدر الترتيب، بما يؤكد حقيقة الاختلال بين الجهات، وداخل كل الجهات باعتبار ذلك خاصية جوهرية لنمط التنمية الرأسمالي.
- الخلل بين الشعب وانعكاساته المدمرة
يتضح هذا الخلل من خلال مؤشرين متلازمين، الأول هو التفاوت الواضح في عدد المترشحين بين الشعب، والثاني هو تفاوت نسب النجاح. أما المؤشر الأول فيكفي القاء نظرة على الجدول التالي لتقسيم المترشحين:
الشعبة الاقتصاد والتصرف العلوم التجريبية الآداب العلوم التقنية علوم الاعلامية الرياضيات الرياضة
عدد المترشحين 53.427 27.498 24.950 20.818 18.331 7859 2045
ان المعطيات الإحصائية الواردة في الجدول تؤكد وجاهة ما يروج في الوسط التربوي بكون شعبة الرياضيات مثلا تشارف على الانقراض ولا أدل على ذلك غياب تدريسها في عديد المعاهد، كما أن "انتفاخ" عدد منتسبي شعبة الاقتصاد والتصرف الذي يمثل ثلث المترشحين لا يعكس في الحقيقة عناية خاصة بهذا المسلك الدراسي الهام والضروري، فالوسط التربوي يعي جيدا حقيقة هذا "الانتفاخ" الذي يرتبط للأسف بضعف النتائج، كما يرتبط بتقلص افاق عدد غير قليل من التلاميذ حين يختارون توجيههم المدرسي المرتبط أساسا بالتقييم الجزائي، ولا أدل على ما نقول بضعف نسب النجاح غالبا في هذه الشعبة، ويشمل التضخم الكمي أيضا شعبة الآداب التي تستقطب حوالي سدس (6/1) المترشحين. وللإشارة فان الشعبتين (أي الآداب والاقتصاد) أصبحتا مرتبطتين في التمثل الاجتماعي بالفشل ومحدودية الافاق، وهما مرتبطتان عند اللفيف الأوسع من الوسط التعليمي بضعف النتائج وهو ما تؤكده نسب النجاح التي بقدر ما تكون عالية أو في الأسوأ متوسطة عند باقي الشعب، فإنها تكون محدودة في الشعبتين.
لئن تمكن 79.41°/° من مترشحي شعبة الرياضيات من انتزاع نجاحهم منذ الدورة الأولى، فيما تأجل 14.23°/°، بما يعني أن نسبة الراسبين هي 6.36°/° فقط. وفيما بلغت نسبة النجاح في شعبة الرياضة 70.32°/° وبلغت نسبة المؤجلين 26.36°/°ن بما يعني أن الرسوب لم يشمل الا 3.32°/° من مترشحي الدورة الرئيسية، فان هذه المؤشرات تنقلب رأسا على عقب مع شعبتي الآداب والاقتصاد والتصرف. ففي شعبة الآداب لم يتجاوز عدد الناجحين 24.24°/° من المترشحين، ولم يتجاوز عدد المؤجلين 41.22°/°، بما يعني أن نسبة الراسبين بلغت 34.54°/° أي ثلث (3/1) المترشحين. وفي شعبة الاقتصاد والتصرف لم يتجاوز عدد الناجحين في الدورة الأولى 26.22°/°، وقد تأجل 32.70°/°، بما يعني رسوب 41.08°/° منذ الدورة الرئيسية. أما شعب العلوم التجريبية والتقنية والإعلامية ولئن استقطبت مع بعضها حوالي 40°/° من المترشحين (66.647)، فان تفاوت النتائج بينها تبدو متقاربة عموما مع أسبقية لشعبة العلوم الإعلامية بنسبة نجاح 44.02°/°، مع 28.51 °/° مؤجلين، أي رسوب 27.47°/° (أكثر من الربع)، وهو ما يعتبر نسبة مرتفعة بمعايير زمننا الراهن، وهو ما يؤشر الى الخلل العميق الذي يطال البنية الأساسية اللازمة لهذه الشعبة، وهو ذات الوضع لشعبتي العلوم التقنية والتجريبية، وهي شعب تستوجب مخابر ووسائل عمل خاصة تغيب أو تكاد في اغلب معاهدنا. لذلك فنجاح 42.27°/° فقط من مترشحي العلوم التجريبية و 37.62°/° في العلوم التقنية، تعتبر نسبا محدودة ودون ما تنتظره البلاد من عقول ويد عاملة مختصة. علما وان نسب الرسوب من الدورة الاولى طالت 27.5°/° منتسبي هذه الشعب، اذ رسب منذ الدورة الأولى 27.05°/° من مترشحي شعبة العلوم التجريبية، و27.99°/° من مرشحي العلوم التقنية، و27.47°/° من شعبة علوم الإعلامية.
ان هذه القراءة في الأرقام التي رشحت عن الدورة الأولى تبين حجم الخلل الذي يطال المنظومة التربوية من جهة أحد مركزاتها الأساسية وهو التوزع حسب المسالك والشعب الدراسية باعتبارها نموذج التوزع لا لميولات المتعلمين وقدراتهم فحسب، بل أيضا لاتجاهات السياسة التربوية من جهة تجاوبها واستجابتها لحاجيات البلاد والمجتمع.
- هجوم القطاع الخاص غول يهدد المدرسة العمومية
انتبه متتبعو الشأن التربوي تمكن تلميذ من التعليم الخاص (جهة بنعروس) من حيازة المرتبة الاولى وطنيا في شعبة الاقتصاد والتصرف، وهي سابقة نعتقد انها ستتكرر كثيرا في المستقبل القريب بعد الغزو الكبير الذي باتت تشكله المعاهد "الراقية" (hight school) والتي تستقطب جزء متناميا من نخبة التلاميذ من ذوي الإمكانيات المادية العالية وحتى المتوسطة، وهي ظاهرة باتت تتمدد في أغلب جهات البلاد، وباتت تنافس جديا المؤسسة العمومية في النتائج. وبطبيعة الحال فان هذا القطاع الطفيلي يتغذى من أزمة المدرسة العمومية التي باتت عاجزة عن تأمين مستوى تمدرس محترم على مختلف الأصعدة (البنية التحتية،الانضباط، ...).علما وأن نسبة متصاعدة من الناجحين في امتحان الباكلوريا والذين يتعرضون لغربال مناظرة التوجيه الجامعي، يلتحقون بالتعليم الجامعي الخاص خاصة في الشعب شبه الطبية والهندسية والتقنية والتكنولوجية التي باتت تنتصب في قلب كل المدن الكبرى وتستقطب ألافا شريطة القدرة على الدفع.
وفي المحصلة فان نتائج الدورة الرئيسية لامتحان الباكلوريا كشفت مرة أخرى عن تعمق مرض المدرسة العمومية، واستفحال أزمة منظومة التعليم التي باتت في وضعية معقدة متظافرة مع ما تعرفه البلاد من خلل يمس كل جونب حياة التونسيين.
#علي_الجلولي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟