أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - قبض الريح .. قصة قصيرة















المزيد.....

قبض الريح .. قصة قصيرة


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 19:18
المحور: الادب والفن
    


بعد أيامٍ من سفر شاق عبر طرقٍ طمسها الغبار، وصل موظف التليفونات إلى قريةٍ محشورةٍ كشظيةٍ بين النيل والجبل الشرقي بصعيد مصر؛ قريةٍ أكل النسيان أطرافها حتى سقطت من خرائط الحكومة وذاكرة الدواوين.

رحب به الأهالي بأريحيةِ من يستقبل عائداً بعد طول غياب. شرح لهم مهامه في وصلهم بالعالم، فاستضافوه بكرامة العادة، وقالوا: «لك الضيافة أسبوعاً كاملاً حتى تنجز عملك». نام الرجل ليلته مسكوناً بإعياء الرحلة. وفي الصباح، استيقظ على جوعٍ يقرط أحشاءه، فخرج قاصداً المصطبة التي يجلس عليها كبار القرية عند المدخل.

هناك، واجهه الذهول؛ استقبلوه بالحرارة ذاتها، والكلمات عينها، وكأن أمس لم يحدث! اضطر لإعادة شرح وظيفته، فأخذوه إلى الدار ذاتها، وأعادوا الترحيب بذات النبرة. تكرر المشهد أياماً؛ نهارٌ ينبعث وينطفئ كشريط فيلمٍ محبوسٍ في بكرةٍ لا تنتهي. يستيقظون مع الفجر ليرددوا العبارات إياها، ويخطوا الخطوات نفسها، أسرى حركةٍ مفرغةٍ لا تتغير.

استمرأ الموظف المغضوب عليه في عمله، والمطارد بديونه وشقائه، هذه المعيشة؛ يأكل من كد أناسٍ يُعصرون كل يومٍ دون أن يطالبوه بشيء. اكتشف الغريب أن القرية ممسوسة بـ «تجميد الوعي»؛ العقول وحدها تقف عند نقطة الصفر كلما أشرقت الشمس، بينما أجسادهم تعبر الزمن بخفية، والزرع ينمو، والأنعام تتكاثر.
في صباح يومٍ مختلف، اقترب منه أحد كبار القرية، وبدلاً من تكرار الجملة المعتادة، مال عليه بابتسامةٍ يقطر منها الذكاء والمكر، وقال بصوتٍ خفيض: تعال يا مجنون.. شاركني طعام الغداء!
انكسر جدار التكرار أمام دهشة الغريب! سأله بلهفةٍ يملؤها رجاء الانفكاك:
هل انكسرت اللعنة؟ هل استعاد الزمن مجراه؟
ابتسم الرجل بسخريةٍ مكتومة، وعيناه ترتقبان حركة الشارع، ثم قال بنبرةٍ سادية: «وهل تنكسر عقدةٌ عقدتُها بيدي؟ هؤلاء يتناوبون الشقاء كي أستأثر بالخراج. يكررون كل يوم الزرع والصيد وحلب الماشية، وأنا أشتري منهم كل شيء مقابل ثمنٍ مضاعف أدفعه لهم في اليوم التالي، ثم ينامون ويستيقظون بلا ذاكرة، ولا مطالبات بأموالهم عندي.. باتوا يؤدون أدوارهم كآلاتٍ لا تكل ولا تعترض. لكن إدارة الممالك، وإن صغرت، مرهقة يا هذا، والعيش بين تماثيل بلا ذاكرة يورث العفن... أحتاج عقلاً حياً يسامرني ويُدير معي رأس المال!

ولما رأى تردد الموظف، أغواه بضعفه: منذ وصلت هنا سألت عنك وعرفت أنك مطرودٌ من بيتك، ومطارد غارقٌ في الديون، ومبعد إلى قريتنا لعقوبة إدارية.. دع عنك أسلاكك فالقرية لا أحد يسأل عنها وليس لنا أحد نريد وصاله!

دار حوارٌ جدلي يهدأ تارة ويصخب تارة، حتى تمت الصفقة.
كشف الساحر للغريب عن الشق الأعمق من مخططه؛ فالتعويذة وإن كانت تمسح ذكريات الأهالي مع كل فجر، إلا أنها لا توقف عوامل التعرية على تضاريس الناس، حتى التناسل استمر.
كانت الداية - زوجة صاحب التعويذة - تساعد في ولادة النساء، وعقب الولادة تحتفظ بالوليد الجديد للغد حتى تراعيه حسب ادعائها للأمهات، وفي الصباح التالي، تستيقظ " الأم النفسة " بثقلٍ في جسدها ودوارٍ تجهل سببه، متوهمةً أنه تعبٌ من الغيط أو حلب المواشي، بلا ذاكرةٍ حاضرة عن حملٍ أو مخاض!

كان الساحر بحاجةٍ إلى أجراء غرباء يعملون في بيتٍ منعزلٍ بأسوار عالية خارج القرية بناه في ليالٍ طويلة، فلا يعرف أهل القرية مكانه ولا سببه لأنهم لا يتذكرون شيئاً عن الماضي. كما احتاج إلى معاونٍ يبني له عرشه ويُسخّر القوة البشرية، فاستغل خبرة وعلم الغريب ليربي له النشء الجديد تحت سيطرته الكاملة، وليصنع منهم جيلاً مطيعاً يحرس المال ولا يعرف ماضيه.
أدرك الغريب عبثية إيقاظ بشرٍ ممسوحي الذاكرة، واختار أن يستريح من عناء البطولة الأخلاقية؛ فصار معلماً للأطفال المخطوفين. كان يراقب من بعيد أمهات القرية وهن يرمقن الصغار بشغفٍ غريزي مبهمٍ حائر، لا يعرفن كنهه ولا سببه، ثم يبتعدن ليعاودن الدوران في الساقية.

شارك الغريبُ الساحرَ السلطةَ والغنيمة، وتكفل بتزييف تاريخ المكان للأجيال القادمة.
مع كر الأعوام، نشأ في نتوء الجبل جيلٌ ولد ونما بعيداً عن أصوله؛ جيلٌ مقطوع الجذور، يرى آباءه الحقيقيين من بعيد كأشباه ألعابٍ ميكانيكية تكرر الحركة ذاتها عند مدخل القرية، ينكرونهم ويسخرون من جمودهم، ويزدادون التصاقاً بالساحر والمعلم.
لم يكن الأبناء يعرفون عن حقيقة زمنهم ولا ماضي أهاليهم شيئاً، سوى ما يلقنه إياهم الساحر من أنه انتشلهم رضعاً أيتاماً من العدم رحمةً بهم، وأنه صاحب الأرض والمواشي وماكينة الري وطاحون الغلال، وهو من يأتي لهم مساء كل خميس بشاعر ربابة وضارب دف وراقصة، وأنه سخر أولئك "الآدميين الفاقدي العقول" لخدمة البيت الكبير.

وفيما كان الساحر ينسج أساطيره مساءً أمام الصبية، كان الغريب يكتفي بهزة رأسٍ مؤيدةٍ وصامتة، يسدل معها الستار عن آخر بارقةٍ للضمير، قبل أن ينصرف الصبية إلى النوم في حراسة التعويذة.
استوى عود الصبية وبلوغ أول أولئك الأطفال أشده، حينها بدأ أحد الشبان يلحظ شرخاً في أسطورة الساحر. كان فتىً حاد الذكاء، يرى في عيون أهالي القرية المنومين حناناً غامضاً بعكس مشاعره الجافة تجاه الساحر والداية والغريب والأجراء في الدوار.
في ليلةٍ، وهو يعبث في أمتعة الغريب، عثر على جهاز راديو مثل الذي في بيت الساحر وأدواتٍ أخرى لا يعرف مسماها ولا استخداماتها، وخرائط صفراء عليها خطوطٌ متعرجة تربط بين القرية وقرى أخرى ممتدة على شريط النيل، وخطوطٍ أخرى لها ما يشبه شرخاً في الجبل يصلها بقرى مماثلة لم يرها من قبل ولم يذكر الساحر والمعلم عنها شيئاً. ارتبك وظل يفكر في ماهية الأشياء، وبذكائه الفطري حاول أن يفهم حكاية المعلم الغامض.
لم ينم الشاب لعدة ليالٍ يفكر فيما يحيط به، حتى تسلل ذات ليلةٍ مظلمة إلى مضجع المعلم الغريب، ودفع بالخرائط والأجهزة بين يديه بحدةٍ وعيناه يتطاير منهما الشرر، محاصراً إياه بأسئلةٍ كالمقاطع الحادة:
ما هذه الأشياء؟ ومن أنت ومن الساحر ومن الخدم والحراس؟ ولماذا تشبه وجوهنا وجوه هؤلاء القرويين ، ولستَ أنت أو الساحر أو زوجته أو الأجراء؟ وهل فعلاً جئنا من العدم؟
ارتعد الغريب، ونظرت عيناه إلى أشيائه وكأنه يرى جثته القديمة. وفي تلك اللحظة، طفت على سطح ذاكرته حادثةٌ وقعت قبل أيام؛ حين تجرأ واختلف مع الساحر على قسمة غنيمة، فما كان من الساحر إلا أن كلف الشاب الواقف بين يديه الآن، فصفعه على خده صفعةً أهانت كرامته المهشمة، وهدده بنبرةٍ ثلجية:
"إن تطاولتَ على سيدك سأقتلك!"
وضغط بكلتا يديه على عنقه حتى كادت روحه تفارقه. تذكر كيف أنقذه الساحر ثم هدده بصوتٍ هامسٍ لا يصل أذن الشاب:
"المرة القادمة لن أدعه يقتلك، بل سأضمك إلى حلقة الآلات المكررة، فتستيقظ كل صباح تحرث كثورٍ في الغيط، وتنام مثل كلب حراسة تحت قدمي!"

تلاقت في صدر الغريب مخاوف عدة: خوفٌ قاطع من بطش الشاب، ورعب تجريده من آخر ذرة وعي من قبل الساحر، لكن هناك بارقة أملٍ ذابلة أحياها هوس الفتى بالتفتيش عن الحقيقة. وضع الموظف رأسه بين قدميه، ولأول مرة منذ سنوات، انساب دمعه دافئاً، واكتشف أن صلابته الأخلاقية لم تُسحق تماماً، بل كانت في إغماءةٍ طويلة.

اقترب من الشاب وهمس بصوتٍ خفيض يرتجف:
هذه خرائط العالم الحقيقي يا بني.. العالم الذي قطعتنا عنه التعويذة. والساحر ليس ملكاً ولا مالكاً لكم أو لهذه القرية، بل سارق أرواح! لكن إن علم بأسئلتك سيقتلك، وإن علم بما في رأسي سيمحو عقلي.»

في عتمة الليل، وتحت وطأة السرية والترقب، بدأ الموظف يستعيد خبرته التقنية القديمة؛ يدرس الخرائط، ويبحث عن منافذ تصله بالطرق المحيطة، محاولاً تشغيل جهاز الراديو القديم.
ذات صباح، خرج الغريب والشاب جنباً إلى جنب قاصدَيْن المصطبة عند مدخل القرية. وهناك، نهض أحد الجالسين، وسلم على الغريب بحفاوةٍ بالغة، وصاح بنبرةٍ دافئة يملؤها الشوق:
أهلاً يا باشمهندس! حمداً لله على سلامتك.. أين غبت عنا كل هذه الأيام؟ لقد انتظرناك طويلاً لتكمل ما جئت من أجله، شاب شعرنا وزحف الصلع إلى رأسك ولم يحدث شيء!

تسمّر الغريب في موضعه، وشعر ببرودةٍ تسري في أوصاله كأن الساقية التي ظنها تدور بـ «السحر» لم تكن سوى وهمٍ نسجه الساحر في عقله هو وحده! التفت إلى الشاب، فرأى عيني الفتى تتسعان بذهولٍ صامت؛ هل كان أهالي القرية يمارسون غفلتهم الخاصة؟ أم أن التعويذة بدأت تتآكل من أطرافها؟ أم أن الغريب نفسه كان الوحيد الذي تُجُمِّد وعيه بتعويذة، وبات يدور في ساقيةٍ يخدم سيده نهاراً وتمحى ذاكرته ليلاً؟



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «أودعتك الجزائر ومصر».. استنبات القومية العربية في مواجهة ال ...
- غفوة على الجانب الأيسر
- خناقة الشعراء: حين تتحول القصيدة من رحابة المعنى إلى ضيق الح ...
- اغتيال البراءة بالصدمة: قراءة في دراما قصيدة -مالناش اختيار-
- عدوى الرجولة
- قهوة الصحافة-.. نزيف المهمشين على أعتاب صاحبة الجلالة
- للصبحِ ضفةٌ أخرى
- مَرَايَا التَّنَاقُضُ
- دَخَلَ التَّتَارُ المَدِينَةَ..
- ذاكرةٌ تُراوغُ الفناء
- وصية المحاق
- قـرامـيـط الفجر
- خالد إسماعيل: سوسيولوجيا التهميش
- فاتورةُ الضوء
- سَدَنَةُ الحَبْل
- المسافة الميتة
- أركان الروح
- مزادُ المحجوب
- سُقُوطُ المِسْطَرَة
- غُصَّةُ التَّكْبِير


المزيد.....




- مهرجان الموسيقى العربية الـ34 يفتتح فعالياته بليلة هاني شاكر ...
- فنان هندي يسجل رقماً قياسياً بأكبر لوحة فنية مصنوعة من التوا ...
- دراسة: شكسبير شارك مارلو في كتابة مسرحية «إدوارد الثالث»
- جلسة عن الإنتاج العربي .. وفيلم هندي ينال رضا النقاد
- من -باب الشمس- إلى -مرسيدس-.. يسري نصر الله يكشف كواليس رسم ...
- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد
- محمد فوزي.. ستة عقود على رحيل رائد التجديد الموسيقي وصانع به ...
- إيدي راما.. فنان تشكيلي يرأس ألبانيا
- باللغة التركية.. محمد صلاح يوجه رسالة -مبطنة- لرئيس فريق بشك ...
- 40 كاميرا وتقنيات سينمائية.. كيف سيشاهد العالم كلاسيكو برشلو ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - قبض الريح .. قصة قصيرة