أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - المسافة الميتة














المزيد.....

المسافة الميتة


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 20:15
المحور: الادب والفن
    


قصة لـ علي مقلد

في شارع "فيصل"، حيث يلتهم الزحام ملامح الوجوه ويتركها باهتة كصورٍ نُسيت في محفظة قديمة، وقف حاتم كصخرة ناتئة في مجرى السيل. سدَّ طريقي بجسده الضخم، ممارساً "بلطجة" مرتبكة، وسأل بنبرة خشنة لم تزل تحمل غصّة ريفية لم تروضها المدينة: "رايح فين يا أستاذ؟".
كان في عينيه ذلك البريق الذي أعرفه؛ لمعة "ابن البلد" الذي يتخفى خلف قناع من القسوة ليحمي هشاشةً لا يراها غيري. قلتُ ببرود: "ذاهبٌ إلى ما لا يخصك يا حاتم". تصلبت ملامحه، وخرجت منه "أنت مش عارف بتكلم مين؟" كفعلٍ آلي يحاول به استعادة هيبة مفقودة، فضحكتُ ووضعتُ يدي على كتفه بجرأة زمالة قديمة: "يا راجل.. ده مفيش بطة غادرت ترعة بلدنا إلا وتركت ريشها على هدومك!".
سكن تماماً. بدت الكلمة كأنها لمست وتراً معطلاً تحت طبقات القسوة. جاب وجهي بنظرةٍ فاحصة، وكأنه يرى في ملامحي مرآةً لزمنٍ ظنَّ أنه وُوري الثرى، ثم انفجر بضحكة مباغتة واحتضنني بقوة، كأنما يحاول استرداد رائحة "الديار" العالقة في ثيابي؛ تلك التي لم تغسلها مياه "المساقي" ولا زحام القاهرة.
كان حاتم حصاد تاريخٍ مرير؛ ورث من أبيه "معاطي" أصابعاً لها خفة السحرة، ومن أمه "الداية" قدرةً مخيفة على شمِّ الأسرار خلف الوجوه. وحين تفحم والده في "حريق القطار" الشهير، اعتزل حاتم العالم في المسجد شهوراً، يفرك روحه بالبخور ليطرد رائحة الحريق التي سكنت مسامه. لكن إمام المسجد، مدرس اللغة العربية الذي لم ينسَ يوماً أن والد حاتم كان متهماً بسرقة معزته، لم يرَ في انكسار حاتم وجعاً إنسانياً، بل رآه "درساً توضيحياً" في التوبة.
ذات جمعة، وبنبرةٍ تجمع بين الغفران والتشهير، أشار الشيخ بسبّابته نحو الصفوف الخلفية: "انظروا للأخ حاتم.. تاب الله عليه فتاب!". كانت تلك الجملة "وشماً" جديداً يُدقُّ فوق جلده، وحولت جبهته إلى مسرحٍ لفضول المصلين. لم يتحمل حاتم تلك "الرحمة الخانقة" التي تُذكّره بذنبه كلما سجد، فهرب من القرية إلى غابة الإسمنت في القاهرة، باحثاً عن مكان لا يعرف فيه أحدٌ تاريخ أصابعه.

في سوق فيصل، حاول ارتداء قناع "الشيخ حاتم". جلباب أبيض، وفرشة خضار باركها شيخ الجامع الملاصق للسوق رقةً بحاله. كان "يبسمل" و"يحوقل" وهو يزن الطماطم، لكن "ذاكرة العضلات" كانت تخونه؛ تميل أصابعه بالميزان رغماً عنه بآلية قديمة لم تهزمها نية التوبة. لم يكن يسرق ليعوز، بل كان جسده يمارس خطيئته كنوع من الحنين. حين كُشف أمره، لم يعنفه أحد، لكن المكان سُحب منه بصمت مريب. لم يبرح حاتم السوق، بل تحول إلى "غفير" يحرس في العتمة ما كان يغشه نهاراً، وصار يطارد في الليل أشباهه من الهاربين، عالقاً في برزخ لا هو باللص ولا هو بالولي.
جلسنا على المقهى، وصوت تاجر بط متجول يشق صخب الشارع. رنَّ هاتف حاتم؛ قريب له يسأل عن الطريق، فقال وهو يرسم على الطاولة دوائر وهمية بإصبعه، وكأنه يزن الهواء: "انزل فيصل واسأل عن الشيخ حاتم الحرامي.. ألف إيد هتدلك".
في تلك اللحظة، صار تاجر البط محاذياً لنا. فاحت رائحة الريش المبلل، ثقيلة ونافذة، تماماً كرائحة الحريق القديم لكنها باردة هذه المرة. صاح التاجر وهو يهز أقفاصه: "اتفضل يا شيخ.. بط بلدي!".
تجمدت نظرة حاتم على الريش الأبيض المضطرب خلف القضبان. لم ينظر إليّ، بل تحسس "زبيبة" جبهته؛ تلك الندبة التي بدأت كأثر سجود وانتهت كختم وصمة لا يزول. عاد يقلب ملعقة الشاي في الكوب الفارغ، كان صوت ارتطام المعدن بالزجاج يتردد برتابة، كدقات ميزان معطل، أو نقرات منقار بطة تحاول الخروج من قفصٍ لا باب له.
غاب بصره في زحام فيصل، وظل يقلب الفراغ، عالقاً للأبد في صمت "المسافة الميتة"؛ ذلك الفراغ الميكانيكي الذي يتحرك فيه الترس دون أن ينقل الحركة لأي اتجاه، حيث لا توبة تُنجي، ولا خطيئة تُنسى.



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أركان الروح
- مزادُ المحجوب
- سُقُوطُ المِسْطَرَة
- غُصَّةُ التَّكْبِير
- خَرِيفُ النَّبِيذِ المُرّ
- انْبِعَاثُ الطِّين
- الزئبقي
- تَرنيمةُ القَيْدِ والمَسافَة
- آخر الورثة
- سِفْرُ الأُرْدُوازِ
- طُقوسُ الارتِواءِ الأوَّل
- ​صَلِيبُ الوَجْد
- مَانِيفِستُو عُرْيِ الرُّوحِ
- خَارِطَةُ الجُرُوحِ القَدِيمَة
- عَوْدَةٌ إِلَى بَيْتِ أَبِي
- -دماء على كرسي الخلافة - كتاب جديد يرصد تاريخ الصراع الدموي ...
- دماء على كرسي الخلافة 30
- دماء على كرسي الخلافة 29
- دماء على كرسي الخلافة 28
- دماء على كرسي الخلافة 27


المزيد.....




- مسئول إيراني: قواتنا المسلحة لن تمنح أمريكا إذن الحصار البحر ...
- (المثقف والسلطة/ القدرة المُحيّدة) جلسة حوارية فكرية في اتحا ...
- الإسكندرية تستقبل أفلامها القصيرة.. مسابقة خيري بشارة تكشف م ...
- -خط أحمر-.. مشاهير وفنانون يعبرون عن دعمهم للكويت
- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام الهندية بعد مسيرة حافلة بأكثر من ...
- تقديرات إسرائيلية: الجولة القادمة مع إيران مسألة وقت وفشل في ...
- جامعة غزة المؤقتة: محاولة لإحياء المسيرة الأكاديمية من وسط ا ...
- الرباط.. إطلاق سلسلة دورات تكوينية حول -الطرق الخلاقة لإيصال ...
- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - المسافة الميتة