أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - سُقُوطُ المِسْطَرَة














المزيد.....

سُقُوطُ المِسْطَرَة


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 22:02
المحور: الادب والفن
    


عِنْدَ مَفْرَقِ الطُّرُقِ الذي يَتَلَوَّى كأنه يُحاوِلُ التَّمَلُّصَ من جِهاتِه، نَبَتَتْ تَبَّةٌ طِينِيَّةٌ اسْتَوَتْ فَوقَها قامَةٌ غَزَاها شُحُوبُ الوَقْت؛ رَجُلٌ مُلْتَحِفٌ بِبُرْدَتِهِ الخَضْرَاء، تَتَدَفَّقُ من بَيْنِ أَصَابِعِهِ حَبَّاتُ سُبْحَةٍ خَشَبِيَّةٍ كأنَّهَا عَدَّادٌ خَفِيٌّ لِنَبْضِ القَرْيَةِ لا يَنْقَطِعُ.
كانَ هوَ "المَسَافَةَ" التي تُقَاسُ بِهَا الأَشْيَاء؛ إلَيْهِ تَرْنُو العُيُونُ لِضَبْطِ بُوصَلَةِ النَّهَار. بِإِيماءَةٍ من كَفِّهِ ، كانت الماشِيَةُ الشَّارِدَةُ تَجِدُ طَرِيقَهَا إلى الزَّرَائِب، ولأَجْلِهِ كان الفِتْيَةُ يَعْبُرونَ غَابَاتِ القَصَبِ دُونَ خَوْفٍ من الغَرَقِ في لُزُوجَةِ الطِّين، لَم يَرَه أَحَدٌ يَقْتَاتُ، ولَم يَمُدَّ يَدَهُ لِظِلِّ عَطِيَّة.
كانت تَبَّتُهُ تَزْدَادُ تَمَنُّعاً وارْتِفَاعاً كُلَّمَا اقْتَرَبَ منها فُضُولِيّ، ومَنْ يَقِفُ عِنْدَ سَفْحِهَا يَرْتَدُّ بِفِكْرَةٍ تُضِيءُ في جُمْجُمَتِهِ فَجْأَة، دُونَ أنْ يَدْرِيَ من أَيِّ أُفُقٍ هَبَطَتْ عليهِ.

مَضَتْ عُقُودٌ، حتى اعْتَلَى المِنْبَرَ شَابٌّ بِمَلَامِحَ مَسْنُونَةٍ كَزَايَا المِسْطَرَة، ولُغَةٍ قَاطِعَةٍ كأنَّهَا شَفَرَاتُ حِلَاقَة. رَاحَ يَقْشُرُ جُلُودَ اليَقِينِ القَدِيمَةَ بِنِصَالِ كَلِمَاتِهِ، بَاحِثاً عَنْ عَوْرَةٍ في "صَمْتِ التَّبَّة" الذي رآهُ خُرُوجاً عَن الجَاذِبِيَّةِ ومَحْضَ تَدْجِيل.
في لَيْلَةِ الجُمُعَة، وَقَفَ الشَّابُّ أمامَ مِرْآتِهِ، يُهَذِّبُ عِبَارَاتِهِ القَاسِيَةَ بِمِشْرَطِ مَنْطِقِهِ، ويَمْسَحُ عن نَصْلِ لِسَانِهِ بَقَايَا الرَّحْمَة، لَمَحَ في عَيْنَيْهِ رَعْشَةً غَرِيبَة، خَيَالاً لِتَبَّةٍ تَعْلُو وتَهْبِطُ مَع نَفَسِهِ، فَزَجَرَ المِرْآةَ بِيَدِهِ كأنَّمَا يَطْعَنُ وَهْماً، لِيُعْلِنَ صَبِيحَةَ الغَدِ عَصْرَ "اليَقِينِ الصَّارِم".

مَعَ أَوَّلِ انْكِسَارٍ لِلْعَتَمَةِ، اصطحب جوقته ومَشَى إلى المَكَانِ حَامِلاً مِسْطَرَتَهُ الخَشَبِيَّةَ كأنَّهَا عَصَا مُوسَى التي سَتَفْلِقُ بَحْرَ الدَّجَل، لَكِنَّ المِسْطَرَةَ في قَبْضَتِهِ بَدَتْ فَجْأَةً عَاجِزَة؛ حِينَ مَدَّهَا لِيَقِيسَ الفَرَاغَ المَهُولَ بَعْدَ اخْتِفَاءِ التَّبَّة، وَجَدَ أنَّ الأَرْقَامَ تَتَسَاقَطُ عَنْ خَشَبِهَا، وأنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ رَقَمَيْنِ لَم تَعُدْ تَكْفِي لِمُرُورِ فِكْرَة، بَيْنَمَا الخَشَبُ يَرْتَجِفُ كَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ ذَاكِرَتَهُ كَشَجَرَةٍ تَرْفُضُ القَيْد.
حِينَ تَهَاوَتِ المِسْطَرَةُ، لَم تَرْتَطِمْ بِالأَرْضِ، بَل غَاصَتْ في المَدَى كأنَّ الأرضَ صَارَتْ سَرَاباً. حِينَها فَقَطْ، شَعَرَ الشَّابُّ بِدُوارٍ كَوْنِيٍّ؛ لَقَدْ سَقَطَ المِعْيارُ، فَلَم يَعُدْ هُناكَ أَعْلى أو أَسْفَل. انْفَرَطَتْ جِهَاتُ الأَرْضِ الأَرْبَع، فَصَارَ الشَّرْقُ غُصَّةً في حَلْقِ الغَرْبِ، واسْتَحَالَتِ الدُّرُوبُ خُيُوطاً مِنْ دُخَانٍ لا تُمْسِكُهَا الذَّاكِرَة.
فَقَدَت الأَرْضُ هُوِيَّةَ الاتِّجَاهَات؛ لَم تَعُد بَقَرَةٌ وَاحِدَةٌ إلى حَظِيرَتِهَا، وانْفَرَطَ عِقْدُ الأُلْفَةِ عَنْ أَطْفَالِ القَرْيَةِ الذينَ بَدَوا كَعُمْيَانٍ في ضِيَاءٍ بَاهِر. الغَابَةُ التي كَانَتْ مَلْعَبَهُم صَارَتْ كِتَاباً لُغَتُهُ مَمْسُوحَة، وبَدَتْ شَجَرَةُ الجُمَّيْزِ كَجُثَّةٍ عِمْلَاقَةٍ تَنْبُتُ مَقْلُوبَةً نَحوَ السَّمَاء. بَكَى الصِّغَارُ لأَنَّ لَوْنَ الأَرْضِ بَدَا كَأَنَّهُ يَنْسَلُّ مِنْ مَسَامِّ جُلُودِهِم، ولأَنَّ نِدَاءَاتِ أُمَّهَاتِهِم وَصَلَتْ إلَيْهِم كَأَصْدَاءٍ قَادِمَةٍ مِنْ بِئْرٍ مَهْجُورَة، لا تَحْمِلُ اسْماً ولا مَعْنًى.. لَم يَتُوهُوا في الحُقُول، بَل تَاهُوا عَنْ "فِكْرَةِ البَيْت".
مَع نَذِيرِ الفَجْرِ، عادَ الرِّجَالُ بِوُجُوهٍ كَالرَّمَاد، لِيَجِدُوا المَوْعِظَةَ الأَخِيرَةَ رَابِضَةً في صَمْت: المَوَاشِي في زَرائِبِهَا، والأَطْفَالُ في مَخَادِعِهِم يَغُطُّونَ في ذُهُولِ النَّوْم، تَفُوحُ مِنْ ثِيَابِهِم رَائِحَةُ نَدًى وبَخُورٍ لَم تَكُنْ طُمَأْنِينَةً، بَل كَانَتْ "المِسْكَ الجَنَائِزِيَّ" لِلْمِيزَانِ الذي كَانَ يَمْنَعُ العَالَمَ مِنَ الِانْزِلَاقِ نَحْوَ العَدَم.
وَقَفَ الجَمِيعُ يُحَدِّقُونَ في المَفْرَقِ الخَالِي. أَخْرَجَ الشَّابُّ مِرْآتَهُ الصَّغِيرَةَ، فَلَم يَرَ وَجْهَهُ، رَأَى مَفْرَقَ طُرُقٍ يَمْتَدُّ دَاخِلَ جُمْجُمَتِهِ، طُرُقاً لا تُؤَدِّي إلَّا إلى الصَّمْت. مَدَّ يَدَهُ لِيَلْمَسَ هَوَاءَ المَفْرَقِ، فَغَاصَتْ أَصَابِعُهُ في سُيُولَةٍ لزِجَةٍ كأنَّ الزَّمَانَ قد ذَاب، وشَعَرَ بِأَنَّ جَسَدَهُ يَتَمَدَّدُ لِيَمْلأَ الفَرَاغَ المَوْجِعَ الذي تَرَكَتْهُ التَّبَّة، لَكِنَّهُ لَم يَكُنْ "مَسَافَةً" لِلأَشْيَاء، بَل كَانَ حُفْرَةً سَوْدَاءَ تَبْتَلِعُ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ في عَيْنَيْه. لَقَدْ صَارَ هو المَفْرَق، وصَارَتِ القَرْيَةُ تَدُورُ حَوْلَ صَمْتِهِ، بَاحِثَةً عَنْ "مِسْطَرَةٍ" ضَاعَتْ في لُجَّةِ النُّور.



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غُصَّةُ التَّكْبِير
- خَرِيفُ النَّبِيذِ المُرّ
- انْبِعَاثُ الطِّين
- الزئبقي
- تَرنيمةُ القَيْدِ والمَسافَة
- آخر الورثة
- سِفْرُ الأُرْدُوازِ
- طُقوسُ الارتِواءِ الأوَّل
- ​صَلِيبُ الوَجْد
- مَانِيفِستُو عُرْيِ الرُّوحِ
- خَارِطَةُ الجُرُوحِ القَدِيمَة
- عَوْدَةٌ إِلَى بَيْتِ أَبِي
- -دماء على كرسي الخلافة - كتاب جديد يرصد تاريخ الصراع الدموي ...
- دماء على كرسي الخلافة 30
- دماء على كرسي الخلافة 29
- دماء على كرسي الخلافة 28
- دماء على كرسي الخلافة 27
- دماء على كرسي الخلافة -26-
- دماء على كرسي الخلافة -25-
- دماء على كرسي الخلافة -24-


المزيد.....




- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...
- تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو ...
- فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ ...
- الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
- بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع ...
- رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - سُقُوطُ المِسْطَرَة