أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - قهوة الصحافة-.. نزيف المهمشين على أعتاب صاحبة الجلالة















المزيد.....

قهوة الصحافة-.. نزيف المهمشين على أعتاب صاحبة الجلالة


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 15:58
المحور: الادب والفن
    


بقلم: علي مقلد

رغم متابعتي الحثيثة والمستمرة للمشروع الروائي الثري للكاتب الصحفي والروائي خالد إسماعيل، فإن روايته "قهوة الصحافة" (الصادرة عن دار الأدهم بالقاهرة) أفلتت من راداري طوال سنوات سبع منذ صدورها، حتى أهداها لي مؤخراً، وما إن فتحت صفحاتها الأولى، حتى سحرتني عوالمها، فجلست إليها في جلسة واحدة لم أبرح مكاني حتى أتيت على قراءتها بالكامل؛ مستعيداً معها زمناً وشخوصاً وتاريخاً مأزوماً لـ "صاحبة الجلالة".

عتبة الإهداء والذاكرة: حين تتحول القراءة إلى غربلة العمر

أول ما شدّ انتباهي واستوقفني طويلًا في الرواية هو إهداؤها: "إلى الأستاذ عبد العال الباقوري.. رحمه الله". لم يكن هذا الإهداء مجرد عتبة نصية عابرة، بل كان مفتاحاً لخيام الذاكرة؛ فالراحل العظيم هو أستاذي الذي تعرفت في مكتبه بخالد إسماعيل، حين كنت – آنذاك – أخطو خطواتي الأولى على أعتاب الصحافة، وكان خالد يمثل ثقلاً مهنياً كـ "ديسك مركزي" لمكتب الصحيفة الإماراتية التي يترأسها الباقوري (وهو بالمناسبة ابن قريتي في صعيد مصر ومبعث فخرنا وأحد نبلاء الصحافة المشهود لهم )

أولاً: سوسيولوجيا المقهى وانقلاب الهرم الطبقي

تستمد الرواية قيمتها الفكرية من قدرتها على تفكيك التحولات الطبقية والسيكولوجية في المجتمع المديني عبر بوابة الصحافة، وتحديداً منذ "قانون تنظيم الصحافة" عام 1960 الذي أصدره الرئيس جمال عبد الناصر وأمم بموجبه المؤسسات الصحفية، مروراً بالرئيس أنور السادات، وانتهاءً بالرئيس حسني مبارك.
ينزع الكاتب الغموض عن كواليس المهنة، ليقدم مفارقة طبقة صارخة يعيد فيها السرد ترتيب ميزان القوى داخل المقهى ليتخذ شكلاً مقلوباً:
المثقف المستلب (بين السريحة والتراحيل): يستعير الكاتب مفردات قاسية وجارحة للتعبير عن واقع الصحفيين الوافدين من الأقاليم، فيصفهم بـ "السريحة" في تشبيه مؤلم يربطهم بالباعة الجائلين، و"التراحيل" في إحالة لعمال الزراعة المطحونين، إذن، الصحفيون هنا ليسوا قادة الرأي العام ولا يحملون صورتهم الذهنية المتخيلة، بل هم مشاريع مؤجلة وأبطال مهزومون يلهثون وراء لقمة العيش، ويضطرون لبيع مقالاتهم لمكاتب الصحف العربية لضمان البقاء على قيد الحياة والفقر معاً.
القهوجي كمركز ثقل (سدنة الكيف ليلًا): في المقابل، يرتفع "القهوجي" (عبر ثنائية صابر وحنفي) إلى قمة الهرم الفعلي؛ فهو ليس مجرد خادم، بل هو "العرّاب" والمتحكم في بورصة المزاج والراحة النفسية للمثقف المستلب، ويمتلك سلطة تلبية الطلب وتوفير الملاذ الأخير (الكيف) لوعي الصحفي الهارب من خيباته المهنية والاقتصادية.

ثانياً: جماليات السرد والاتكاء على تقنية "البورتريه"
خلافاً للتدفق السردي التقليدي، اختار خالد إسماعيل حيلة فنية ذكية تلائم مشروعه؛ حيث قسّم الرواية إلى ثلاثة عشر بورتريهاً يحمل كل منها اسم إحدى الشخصيات.

براعة التشريح الرأسي: تبدو الفصول مستقلة ومنفصلة، لكنها تلتقي وتتشابك لتشكل لوحة فسيفسائية واحدة يربط بين خيوطها الراوي "خلف رضوان" (الذي يتقاطع بوضوح مع السيرة الذاتية للكاتب في أصوله الجنوبية ودراسته بجامعة أسيوط)، وهنا يبرع الكاتب في رسم ملامح شخوصه بدقة مجهرية؛ كشخصية صابر الصعيدي المنكفئ على كيمياء أقراص الترامادول عديمة الرائحة هرباً من ضجيج الفحم، وحنفي المنوفي الدبلوماسي الأنيق البارع في إدارة علاقات النساء والزبائن.
أزمة الإيقاع (الحدث المعطل): رغم السينمائية المدهشة والواقعية الفاضحة، قد يُؤخذ على النص استغراقه في "الوصف الاستاتيكي" (الساكن) والنمذجة الجغرافية الجاهزة للشخصيات ، مما يجعل الإيقاع يبدو أحياناً ككادر مجمّد ينتظر حركة الحدث، لولا أن الحوارات العامية الذكية تتدخل رشيقة لتنعش السرد وتنقذه من تقريرية اللغة الفصحى.

ثالثاً: عالم التحولات والفساد الممتد
تتجاوز الرواية جدران "دولاب" الصحف الحكومية والحزبية الممتد لثلاثين عاماً لتكشف عن عطب بنيوي في المجتمع ككل:
تناسخ الفساد والعبودية: عبر شخصية "عاطف مخيمر" أمين المكتبة الفاسد، يوضح الكاتب أن عورات المؤسسة الصحفية ما هي إلا انعكاس لفساد ضارب في عمق المجتمع، ومن خلال "مصطفى معوض" المنحدر من قرية أسطال (قرية المشير عبد الحكيم عامر)، يمرر الكاتب رؤية سياسية قاتمة عن استمرار التراتبية والعبودية حتى في العصور التي قامت الثورات لإلغائها.

الحضور النسوي المأزوم:
لم تسلم الشخصيات النسائية في الرواية من سكين التحول نحو الانتهازية والوصولية؛ فرصد الكاتب نماذج لسرقة الأفكار، والوساطة، وحتى بيع الجسد.
ورغم أن شخصية "سماح يونس" نالت بعض التعاطف نظراً لحجم الهزائم التي دفعتها إلى مستنقع الخطيئة، إلا أن النص عابته "القتامة الخالصة"؛ فبينما مَنَح الكاتب للراوي (خلف رضوان) صموداً أسطورياً أمام الإغراءات رغم تعاطيه الحشيش والخمور، فإنه أغلق باب الأمل أو الاستثناء أمام النماذج النسائية، وهو ما قد ينال نسبياً من توازن الواقعية في النص.

رابعاً: الخلاصة النقدية
تأتي رواية "قهوة الصحافة" كدرة متميزة تضاف إلى خزانة خالد إسماعيل الروائية (زهرة البستان، 26 أبريل، كحل حجر)، متميزةً عنها بالتوثيق الدقيق والعميق لآليات عمل المؤسسات الصحفية تحت وطأة وتأثيرات المناخ السياسي .
تختتم الرواية أحداثها بنهاية حتمية شديدة الرمزية والتكثيف؛ حيث يجلس الراوي فوق سطح منزل في حي شهير بتجارة المخدرات في تسعينيات القرن الماضي يدخن حشيشته، في إشارة إلى غياب الوعي التام وانكسار جيل كامل من المبدعين والصحفيين الذين تحوّلوا بفعل آلة الزمن وطحن المجتمع من "قادة تنوير" إلى "تراحيل" يبحثون عن كسرة خبز ونفحة مزاج في ليل القاهرة الفسيح والعشوائي.

خامساً: شهادة شخصية
بعد نحو 27 عاماً قضيتها في بلاط صاحبة الجلالة، ونحو 35 عاماً من متابعة الوسط الثقافي الممتد من أقاصي الصعيد إلى صخب القاهرة وعموم مصر، أستطيع القول بملء الفم: إنني في "قهوة الصحافة" لم أكن أقرأ رواية متخيلة، بل كنت أُعيد غربلة ذاكرتي الشخصية، فكل اسم خطّه خالد إسماعيل كان يجلب من مخازن وعيي أسماءً عديدة عايشتها وتقاطعت معها الظروف والمناسبات؛ تختلف وتتفق في التفاصيل، لكنها تطابق شخوص الرواية في شكلها العام، بداياتها ومآلاتها.
صحيح أنني طوال مسيرتي قابلت أيضاً نماذج مشرفة، متحققة وناجحة في عالم الصحافة والثقافة، نماذج صمدت سياسياً وأخلاقياً ولم تسقط؛ غير أن وجود هؤلاء الناجحين بـ "بياضهم الناصع" لا يلغي وجود نماذج "قهوة الصحافة" بـ "سوادهم القاتم"، بل إن البياض يبرز السواد ويبروزه كإطار لوحة هندسية تفرضها متناقضات الواقع.
من هنا، تكف هذه الرواية عن كونها محض سرد تخيلي، لتصبح تاريخاً حياً ومكتوباً شاهده وعاشه – بشكل أو بآخر – كل من اقترب من الأوساط الثقافية والصحفية المصرية وعاين احتراق الفكر على أرصفة المدينة.



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- للصبحِ ضفةٌ أخرى
- مَرَايَا التَّنَاقُضُ
- دَخَلَ التَّتَارُ المَدِينَةَ..
- ذاكرةٌ تُراوغُ الفناء
- وصية المحاق
- قـرامـيـط الفجر
- خالد إسماعيل: سوسيولوجيا التهميش
- فاتورةُ الضوء
- سَدَنَةُ الحَبْل
- المسافة الميتة
- أركان الروح
- مزادُ المحجوب
- سُقُوطُ المِسْطَرَة
- غُصَّةُ التَّكْبِير
- خَرِيفُ النَّبِيذِ المُرّ
- انْبِعَاثُ الطِّين
- الزئبقي
- تَرنيمةُ القَيْدِ والمَسافَة
- آخر الورثة
- سِفْرُ الأُرْدُوازِ


المزيد.....




- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - قهوة الصحافة-.. نزيف المهمشين على أعتاب صاحبة الجلالة