أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - سَدَنَةُ الحَبْل














المزيد.....

سَدَنَةُ الحَبْل


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 16:15
المحور: الادب والفن
    


قصة لـ علي مقلد
تَحْتَ شَمْسِ مَارس الدَّافِئة، جَلَسَ مُختار عبد الرَّحيم أمامَ بَيْتِهِ العَتِيقِ على حافَّةِ "التُّرْعَة"؛ كانتْ كَنَكَةُ الشَّاي تئنُّ فَوْقَ مَوْقِدِ حَطَبٍ بَسِيط، بَيْنَما تُطاوِعُ أَصابِعُهُ الخَشِنَةُ أَلْيافَ النَّخِيل، يَجْدِلُها حِبالاً مَتِينَةً اسْتِعْداداً لِمَوْسِمِ القَمْح.
قَطَعَ خَلْوَتَهُ حَسَن شَعْبان، "أُسْطى" ماكِينَةِ الرَّي، مُتَلَفِّحاً بِشالٍ صُوفِيٍّ قَدِيمٍ تَآكَلَتْ أَطرافُهُ تَحْتَ وَطْأَةِ الزَّيْتِ والشَّحْم. اسْتَقْبَلَهُ مُختار بِسُخْرِيَّةٍ مُحَبَّبَة: "اقْعُدْ يا شَيْخ حَسَن!".
وَضَعَ حَسَن الشَّالَ جانِباً، ونَظَرَ إلى يَدَيْ مُختار وهُما تَفْتِلانِ اللَّيف؛ تَمثّلت أمامَه "دَكَّةُ" الكُتَّابِ؛ يَوْمَ تَعَثَّرَ لِسانُهُ في الحِفْظِ فَطَرَدَهُ "سَيِّدُنا" ناعِتاً إيَّاهُ بِالصَّمَم، بَيْنَما اخْتارَ مُختار الفَأْسَ لِيَعُولَ إخْوَتَه. مُنْذُ ذَلِكَ الحِين، صارَ لَقَبُ "الشَّيْخ" ضِمادةً يَشْتَهِيها حَسَن لِجُرْحٍ قَديم، بَيْنَما بَقِيَ "القَمْح" قِبْلَةَ مُختار التي لا يَحِيدُ عَنْها.
أَمْسَكَ حَسَن بِكَوْمَةٍ مِنَ اللَّيفِ وأَعادَ جَدْلَها بِعُنْفٍ حتَّى صارَتْ حَبْلاً غَلِيظاً، ثُمَّ نَزَلَ إلى التُّرْعَةِ وغَمَرَهُ في الطِّينِ حتَّى بَدا عَتِيقاً، وتَوَجَّهَ بِهِ إلى دارِ "دِياب"، حَيْثُ نَزَلَ "المَغْرِبِيُّ" يَبِيعُ الأَوْهامَ ويَتَقاسَمُ مَعَ دِياب "الغَلَّةَ".
في دَارِ دِياب، كانَ الوَقتُ مَغرِباً، والضَّوءُ شَحِيحاً، والرَّائحةُ مَزِيجاً مِنَ البَخُورِ والوجَل. شَقَّ حَسَن الزِّحامَ بِانكِسارٍ مَدرُوس، والحَبْلُ المُلَطَّخُ بِالطِّينِ يَتَدَلَّى بَينَ أَصَابِعِه، وفي تَمْثِيلِيَّةٍ بارِعَة، ادَّعى جَفافَ ضَرْعِ بَقَرَتِهِ، فَلَمَّا قَدَّمَ لَهُ المَغْرِبِيُّ حِجاباً، انْتَفَضَ حَسَن وفَضَحَهُ: "يا أَفَّاق، أَنا لا أَمْلِكُ بَقَرَة، وهذا المَرْبِطُ لَمْ يَجِفَّ طِينُهُ بَعْدُ!".

تَجَمَّدَ الدَّمُ في عُرُوقِ "دِياب"، لَكِنَّ المَغْرِبِيَّ انْحَنَى لِلْعاصِفَةِ وهَمَسَ في أُذُنِ حَسَن بِفَحِيح: "أَحْسَنْتَ يا أُسْطى.. لَقَدْ هَدَمْتَ هَيْكَلِي لِتَبْنِيَ فَوْقَهُ ضَرِيحَك، لَكِنْ تَذَكَّر.. الناسُ يَذْبَحونَ أَنْبِياءَهُمْ إذا جَفَّتِ المُعْجِزات!".
خَرَجَ حَسَن مَزهُوّاً، لَكِنَّ بَرْدَ الغَسَقِ نَقَرَّ عِظامَهُ، فَقادَتْهُ قَدَماهُ نَحْوَ المَسْجِدِ القَديمِ؛ حَيْثُ نُبِذَ مِنْ قَبْل، لأنَّ رائِحَةَ "الدِّيزِل" في ثِيابِهِ آذَتْ مَشامَّ "الأطْهار". نَظَرَ إلى يَدَيْهِ المُتَشَقِّقَتَيْنِ وتَأَمَّلَ "كَنَكَةَ" شايٍ نُحاسِيَّةٍ لِـ "سَيِّدِنا"، عَلاها صَدَأٌ أَخْضَرُ، لَكِنَّ النَّاسَ يَتَبَرَّكونَ بِها. هَمَسَ بِمَرارَة: "الصَّدَأُ هُنا بَرَكَة، والشَّحْمُ على يَدِي دَنَس.. الفَرْقُ لَيْسَ في المَعْدَن، بَلْ في مَنْ يَمْلِكُ الخِرْقَةَ التي تَمْسَحُه!". في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فَرَكَ شَحْمَهُ بِطِينِ المَصارِفِ؛ لَقَدْ أَدْرَكَ أنَّ القُلوبَ لا تُحِبُّ الحَقائِقَ العارِيَة، بَلْ تَعْشَقُ الأَسْرارَ المُغَلَّفَةَ بِالغُبار.
عادَ حسن إلى حجرته، لليالٍ ثلاث، ظلّ يراقب خيال "مختار" وهو يجدل الحبال بيقين المؤمن، بينما كان حسن يصارع فكرةً شيطانية نبتت من شتيمة قديمة. حين طرقت "ستيتة" بابه تطلب عوناً لعنزتها، تردد، كاد يطردها ويخبرها أنه مجرد ميكانيكي بائس، لكنه رأى في عينيها لهفة لـ "غيبٍ" ينقذها، فمد يده الملوثة بالزيت إلى إناء مائها، وكأنه يغمد خنجراً في صدر المنطق. دَسَّ في مائِها قَطْرَةً مِنْ زَيْتِ مُحَرِّكٍ ساخِن وخَلْطَةَ أَعْشابٍ مُرَّة، وحِينَ تَعافَتِ العَنْزَة، طارَتْ ستيتة تُوَلْوِل: "الشَّيْخ حَسَن حَلَّتِ البَرَكَةُ على يَدِه!".

مَرَّتِ الأَيَّام.. عادَ مُختار مِنْ غِيطانِهِ بِجِمالِ القَمْح، فَوَجَدَ طابُوراً مِنَ النِّساءِ أمامَ بَيْتِ حَسَن. لَمْ يَعُدْ حَسَن "الأسطى" المَكْدُود، بَلِ اسْتَحالَ كائِناً بِعَباءَةٍ رَصِينَةٍ ولِحْيَةٍ تُخْفِي مَكْرَ السِّنِين. صَرَخَ مُختار: "يا ناس.. حَسَن لا يَخْتَلِفُ عَنِ المَغْرِبِيِّ!". لَكِنَّ صَرْخَتَهُ ارْتَطَمَتْ بِصُدُورٍ مُصَفَّحَةٍ بِالاحْتِياج، ونَهَرَتْهُ ستيتة: "انْتَبِهْ إلى قَمْحِكَ ودَعْنا لِبَرَكَتِنا!".
مَعَ الغَسَق، بَقِيَ الرَّفِيقانِ وَجْهاً لِوجْه، وعَلى مَقْرُبَةٍ مِنْهُما جَلَسَ "دِياب" يُعِيدُ تَرْتِيبَ الكَراسِي لِقادِمِي الغَد. اقْتَرَبَ مُختار وقالَ بِمَرارَة: "يا نَصَّاب.. بِالأَمْسِ طَرَدُوكَ لِرائِحَةِ الشَّحْم، واليَوْمَ جَعَلْتَ مِنْ هَذا الشَّحْمِ عِطْراً!".
رَفَعَ حَسَن رَأْسَهُ بِبُرُودٍ مِيكانِيكِيّ: "المِحْرابُ الذي طَرَدُوني مِنْهُ كانَ ضَيِّقاً يا مُختار.. لم يَتَّسِعْ لِمَنْ تَلَّوَّثَتْ يَداهُ بِالحَياة. النَّاسُ لَمْ يُرِيدُوا قُرآناً، بَلْ أَرادُوا (مُخَلِّصاً). أَنْتَ تَمْلِكُ (الحَقّ)، وأَنا أَمْلِكُ (الخَلْق). أَنْتَ تَزْرَعُ القَمْحَ لِيَشْبَعُوا يَوْماً، لَكِنِّي أَزْرَعُ في صُدُورِهِمْ صَبْراً يَحْمِلُهُمْ لِدُهُور".
صَمَتَ مُختار، سَحَبَ رَسَنَ جَمَالِهِ ومَضى، فِيمَا بَقِيَ حَسَن يَتَمْتَمُ بِكَلِماتٍ غامِضَة، يَشُدُّ بِها حِبالاً غَيْرَ مَرْئِيَّة حَوْلَ رِقابٍ تَتَقاطَرُ طَواعِيَةً.. بَيْنَما ظِلُّ "دِياب" يَتَحَرَّكُ في الخَلْفِيَّةِ كَأَنَّهُ يَحْرُسُ هَذا الَّليْلَ الطَّوِيل.



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسافة الميتة
- أركان الروح
- مزادُ المحجوب
- سُقُوطُ المِسْطَرَة
- غُصَّةُ التَّكْبِير
- خَرِيفُ النَّبِيذِ المُرّ
- انْبِعَاثُ الطِّين
- الزئبقي
- تَرنيمةُ القَيْدِ والمَسافَة
- آخر الورثة
- سِفْرُ الأُرْدُوازِ
- طُقوسُ الارتِواءِ الأوَّل
- ​صَلِيبُ الوَجْد
- مَانِيفِستُو عُرْيِ الرُّوحِ
- خَارِطَةُ الجُرُوحِ القَدِيمَة
- عَوْدَةٌ إِلَى بَيْتِ أَبِي
- -دماء على كرسي الخلافة - كتاب جديد يرصد تاريخ الصراع الدموي ...
- دماء على كرسي الخلافة 30
- دماء على كرسي الخلافة 29
- دماء على كرسي الخلافة 28


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - سَدَنَةُ الحَبْل