أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - قـرامـيـط الفجر














المزيد.....

قـرامـيـط الفجر


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 22:11
المحور: الادب والفن
    


انشق سكون الفجر في القرية على زحامٍ صامت عند باب المئذنة. كان "بدوي إبراهيم" بائع السمك يزاحم جاره "طاهر" بالأكتاف؛ لم يكن النزاع على دنيا، بل على مَن يملك الحق في قبض يده على الميكروفون ليمنح القرية نداءها الأول.
انتهت المعركة بقبضة بدوي القوية التي حسمت الموقف، وانطلق صوته الرخيم شجياً يملأ الآفاق، بينما كانت عيناه تلاحقان جاره المنكسر بنظرة باردة ليست فاتحة، بل نظرة مَن يملك "اليقين"، أمّ المصلين بوقارٍ مهيب، ثم غادر المسجد يحرك سبحته الطويلة متوجهاً إلى الشادر القديم على ضفاف النيل.

في الشادر، كان بدوي هو "الميزان"؛ يجلس في صدر الحلقة، يفتل شاربه ويوزع أحكاماً قاطعة في السياسة والدين، مالت رأسه نحو جاره "عباس" الجزار، وهمس وهو يرمق طاهراً بطرف عينه: "يا حسرة على مَن يدخل المسجد ليرائي الناس.. الله لا يسمع الحناجر يا عباس، الله يرى النوايا".
وفجأة، التفت ليزجر صبياً تأخر في إحضار الشاي بلفظٍ فجّ خدش وقار مسبحته، قبل أن ينهض ليتحسس "شروة" من سمك القراميط السوداء، ويحملها على دراجته المتهالكة نحو القرى القابعة تحت سفح الجبل.
عند شجرة جميز عتيقة، انتحى بدوي جانباً، وبأصابع خبيرة كأنها أصابع جراح، بدأ يدفع حبات زلط ملساء في بطون السمك، ومع كل حبة تستقر في الجوف، كان يدندن بصوتٍ خفيض، كمن يُنشد "ورداً" صوفياً يواسي به نفسه:
خفّ السمك في الكِفّة.. والبحر ماله قرار
ولجل النجاة يا با.. لازم نواصل المشوار
كان يتبع نشيده بترتيلٍ حزين لآيات من "سورة المطففين"، وكأنه يمارس طقساً مقدساً لتحقيق توازن كوني بين خفة الروح وثقل المادة، ويهمس بين الآية والأخرى: "الأرزاق تحب الخفية.. والنية هي الميزان".
عقب صلاة العصر، اعترضه رجل ضخم الجثة، ألقى أمامه بضع زلطات لزجة وصرخ بمرارة:
"يا عم بدوي، اتقِ الله! القراميط التي بعتها لي جوفها مرصوف بالحصى.. أهذا سمك أم رصيف يا رجل؟"

لم يهتز لـ "بدوي" جفن. مسح وجهه بكفه ونظر للرجل بنظرة إشفاق باردة، ثم تنهد بعمق:
— "يا أخي، الأرزاق عطايا الخلاق. بالأمس فقط، وجد رجل في بطن سمكة اشتراها مني خاتماً ذهبياً! لم يتقاسمها معي بل حمد الله على العطية، ثم ربت على كتف الرجل وقال بحنو مبالغ فيه : السمك يبلع ما يلقيه الموج؛ أحدهم يرزقه الله بالذهب لأنه استبشر، وآخر.. ينال نصيبه من الحصى لأن ضميره ليس صافياً. استغفر ربك لعل الحجر يلين في يدك غداً."
ارتبك الرجل، وتجمدت كلمات اللوم أمام هذا المنطق المسكوب بماء الدين، بينما أومأ الجالسون برؤوسهم استسلاماً لهذا الغموض الذي يغلف كلماته.
كان "طاهر" يراقب المشهد بصمت. التقط زلطة سقطت من حقيبة بدوي، مسح عنها الطين، وجدها ملساء وباردة، فوضعها في جيبه وعاد إلى المسجد.. في صلاة المغرب، وقف طاهر خلف بدوي، وحين سجد، أحس بالزلطة في جيبه تضغط على فخذه، ثقيلة كالحقيقة، بينما كان صوت بدوي في المحراب يزداد قدسية وعذوبة، محلقاً فوق الرؤوس.

تساءل طاهر وهو ساجد: "أيهما الحقيقي؟ هذا الصوت الذي يفتح أبواب السماء، أم الحجر الذي يسكن الجيوب والأمعاء؟ وهل يمكن لروح بدوي أن تحلق بكل هذا الجمال وهي محشوة بكل هذا الرصاص؟"
انتهت الصلاة، وخرج الجميع يمسحون وجوههم ببركة دعاء "صاحب الميكروفون" وقف طاهر في الظلمة، أخرج الحجرة وألقاها في النيل بيأس.. أحدثت الزلطة دوائر قلقة، توسعت وتوسعت حتى ابتلعت انعكاس المئذنة الشاهقة على سطح الماء، وبقي السؤال معلقاً في الهواء: هل الحقيقة هي ما نراه، أم ما نبتلعه؟



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خالد إسماعيل: سوسيولوجيا التهميش
- فاتورةُ الضوء
- سَدَنَةُ الحَبْل
- المسافة الميتة
- أركان الروح
- مزادُ المحجوب
- سُقُوطُ المِسْطَرَة
- غُصَّةُ التَّكْبِير
- خَرِيفُ النَّبِيذِ المُرّ
- انْبِعَاثُ الطِّين
- الزئبقي
- تَرنيمةُ القَيْدِ والمَسافَة
- آخر الورثة
- سِفْرُ الأُرْدُوازِ
- طُقوسُ الارتِواءِ الأوَّل
- ​صَلِيبُ الوَجْد
- مَانِيفِستُو عُرْيِ الرُّوحِ
- خَارِطَةُ الجُرُوحِ القَدِيمَة
- عَوْدَةٌ إِلَى بَيْتِ أَبِي
- -دماء على كرسي الخلافة - كتاب جديد يرصد تاريخ الصراع الدموي ...


المزيد.....




- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
- مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل ...
- Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets ...
- الغرب ونهاية قرون الهيمنة.. مآلات المشروع الإمبريالي والصراع ...
- حين يلتقي المال بالذكاء الاصطناعي.. فيلم عن سام ألتمان يشعل ...
- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...
- وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - قـرامـيـط الفجر