أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - «أودعتك الجزائر ومصر».. استنبات القومية العربية في مواجهة التجريف الثقافي















المزيد.....

«أودعتك الجزائر ومصر».. استنبات القومية العربية في مواجهة التجريف الثقافي


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 20:11
المحور: الادب والفن
    


«أودعتك الجزائر ومصر».. استنبات القومية في مواجهة التجريف الثقافي

قراءة في شعرية السرد وحوارية الذاكرة عند أمينة شرنيخ

بقلم / علي مقلد

تتحرك رواية "أودعتك الجزائر ومصر" للكاتبة الجزائرية أمينة شرنيخ (الصادرة عن دار البينة للنشر والتوزيع، 2022) في فلك تعبيري يسترد للرواية العربية أفقها القومي الإنساني، دون أن تفقد خصوصيتها الذاتية والتأملية؛ إذ يُقدم العمل تشكيلاً فريداً يربط بين وجدان فتاة نشأت في أحضان "دار الستة" بالجزائر، وبين الرموز الفكرية والأدبية لمصر، متخذة من "المكتبة المهجورة" مسرحاً حوارياً عابراً للزمان والمكان. وتتجلى فرادة هذا النص في قدرته العالية على صهر أنواع أدبية متعددة؛ حيث يتمازج السرد السيرة-ذاتي بأدب الرسائل، ويتقاطعان مع الحس الوطني والنقد الأدبي في نسيج متجانس ومسبوك بعناية.

المعمار الدرامي للرواية
ينشأ المعمار الدرامي للرواية من نقطة اشتباك حادة بين الذاكرة والواقع؛ إذ تتخذ الكاتبة من أزمة كرة القدم التي اندلعت بين مصر والجزائر أواخر عام 2009 شرارةً لتفجير أسئلة أوسع حول الهوية، والقومية، والصمت، وكيف يمكن للاستقطاب الإعلامي والسياسي أن يجرف العواطف التاريخية العميقة. الرواية لا تقف عند التفاصيل الرياضية المباشرة، بل ترصد أثر الأزمة في وجدان الإنسان العادي عبر شخصية الشابة الجزائرية البسيطة "أمينة"، التي شكّلت مكتبتها المصرية وعيها الثقافي من خلال أعمال طه حسين، والمنفلوطي، والعقاد، ونجيب محفوظ. وعندما تقرر الشابة ابن العشرين ربيعاً زيارة مصر، ولا تجد مسانداً إلا أمها التي باعت سوارها الذهبي الوحيد لتبتني لها تذكرة السفر، تتفجر الأزمة الرياضية، لتقع البطلة في صراع ومأزق وجداني بين قومية ناصعة تشكلت بالمركوم الفكري، وبين حاضر دخيل موحش تُذكيه الشاشات.

وينعكس هذا الصراع على البناء الفني للسرد من خلال الجمع الخلاّق بين حكاية الذات المتصلة وأدب الرسائل المزدوج؛ إذ لا تكتفي الراوية باستعادة تفاصيل نشأتها اليومية، بل تكسر مجرى السرد التقليدي عبر كتابة متواترة توجّهها لأعلام الفكر والأدب المصري. ولم تكن هذه الرسائل مجرد حشو نقدي أو اقتطاع مقالي عارض، بل اضطلعت بوظيفة سردية حيوية باعتبارها مُشفِّراً وجدانياً يعكس التطور الفكري للبطلة وانتقالها المتزن من مرحلة المراهقة والفتوة إلى النضج؛ فكانت الرسائل الموجهة لأولئك الرسامين والفلاسفة والأدباء بمثابة الملجأ النفسي لفك شفرات الحياة، والعرق، والعُرف، والكرامة.

وعلى مستوى الفضاء المكاني، لا يبدو المكان في نص أمينة شرنيخ خلفية جامدة، بل يتشكل كشخصية قائمة بذاتها تؤثر في مجرى الأحداث وتتأثر بها. تتجلى في النص أمكنة ذات دلالات رمزية مكثفة؛ فـ "دار الستة" تعود لتشكل رمزاً للوطن والذاكرة الجماعية والنضال الفعلي ضد الاستعمار الفرنسي، فضلاً عن كونها بقعة للفضيلة والعمل الاجتماعي الكريم. وفي المقابل، تتشكل "المكتبة المهجورة" كملاذ فكري ورحم ثقافي تخلق فيه وعي البطلة، لتغدو معزلاً عن الجهل والسطحية ومساحة حرة بعيدة عن قيود العُرف وقسوة المجتمع. أما شجرة التوت وسرب اليمام فيقفان كرموز ناصعة للسلام والنشأة الفطرية النقية، وهي الرموز التي ما لبثت أن تحطمت حين صَدر قرار "سيد الدار" بترميم المكان وتشميعه. ويتسق هذا الفضاء مع حركة الزمن السردي الذي يبدأ من نقطة نهايات غامضة—متمثلة في الوداع القحل وحمل العلبة—ثم يتجه بحركة استرجاعية تمتد لأكثر من عقدين من الزمن، مما يشرك القارئ في حالة من الاستجلاء التدريجي لأسباب الرحيل عبر طبقات الذاكرة المتتابعة.
الجماليات البلاغية والأسلوبية
أما الجماليات البلاغية والأسلوبية، فتتجلى من خلال لسان جزائري يكتب بحبر فصيح متأثر بالرصيد النهضوي الكبير؛ إذ تستعين الكاتبة بلغة جزلة كلاسيكية يظهر فيها أثر المنفلوطي والعقاد وطه حسين، ولا سيما عبر السجعات العفوية والتوازنات التركيبية التي تمنح النص إيقاعاً موسيقياً حزيناً ورزيناً ويشكل التناص الأدبي والفكري العمود الفقري لهذا المعمار الأسلوبي؛ فالراوية لا تقرأ الأعمال الفكرية قراءة عابرة، بل تُجري معها تناصاً حوارياً نقدياً؛ فهي تناقش مفهوم الشرف والغيرة ونهايات الحب الحزينة مع رواية "سارة" للعقاد، وتقارب الشقاء الاجتماعي والالتزام الأخلاقي تجاه الضعفاء مع "المعذبون في الأرض" لطه حسين، بينما تستجلي قيمة العمل والجهد الذاتي في صناعة السعادة مع مسرحية "شمس النهار" لتوفيق الحكيم.
كما تبحث عن الفضيلة ومواجهة الرذيلة مع "النظرات والعبرات" للمنفلوطي، وتقف عند جفاف المشاعر الإنسانية والتضييق على الكتب مع "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ. وتتكامل هذه الحوارية مع استعارات وتشبيهات ممتدة كتشبيه البياضين في العلبة بـ "بياض غزاه الحبر فلم يعد إلى سابق عهده، وبياض ناجاه الدمع فلم تكسبه المناجاة ذرة ولم تسلبه فتيلاً"جنباً إلى جنب مع طباقات ومقابلات متواترة تُعمق الصراع النفسي بين الفضيلة والرذيلة، والبساطة والفقر، والعلانية والسر.
الأبعاد الموضوعاتية والفلسفية في الرواية
تتأسس الأبعاد الموضوعاتية والفلسفية في الرواية على إعادة تعريف مفهوم "القومية"؛ إذ لا تُقدمها الكاتبة كشعار سياسي أو هتاف أيديولوجي، بل كعاطفة إنسانية وثقافية ورابطة حبر ودم وتاريخ مشترك، يتجلى ذلك في الامتزاج العفوي بين احتضان الجزائر لمكتوبات الأدباء المصريين واستحضار محطات الدعم المتبادل بين البلدين، بدءاً من الثورة الجزائرية وحرب أكتوبر، وصولاً إلى أثير إذاعة صوت العرب والنشيد الوطني الجزائري الذي صيغ بلحن الموسيقار محمد فوزي.
كما تطرح الراوية رؤية أخلاقية ناصعة حول المادة والطبقية؛ إذ ترفض إطلاق وصف "الفقر" على بيئتها ومكتبتها، مفضلة لفظ "البساطة لما فيها من الرحمة والأدب"، لتجعل الفخامة متمثلة في نبل الأخلاق والمبدأ لا في الأثاث والمظاهر. وترتبط هذه الرؤية بأزمة التحول الحضاري والمادي؛ حيث يمثل تحطيم "دار الستة" بداعي "الترميم" المزعوم بؤرة للتراجع الحضاري في النص، بعدما قُدِّمت المؤسسات الروحية والتربوية قرباناً لسلطة المادة والجفاء الإداري والبيروقراطية المتمثلة في شخصية "سيد الدار" الباردة.

وفي التقييم الفني للنص، تتجلى نقاط القوة في الوقار الأخلاقي الناصع الذي يعلي من قيمة الأدب الرسالي الجاد، وفي نجاح الكاتبة في الربط العضوي بين الذاتي والقومي، بجعل قصة فتاة ترتاد مكتبة بيئتها منعكساً مصغراً للعلاقة التاريخية بين أمتين كبيرتين. يُضاف إلى ذلك الثراء اللغوي والشفافية التعبيرية التي تجعل القارئ يعيش حالة وجدانية رفيعة.
غير أن هذا التميز لا يخلو من بعض المآخذ التي تمثل أفقاً للتطوير في التجربة السردية للكاتبة؛ إذ تقترب بعض مقاطع الرسائل الموجهة للمفكرين من الأسلوب الوعظي والخطابي المباشر الذي قد يحدّ أحياناً من شعرية السرد. كما يبدو أن بعض الشخصيات الثانوية—مثل "سيد الدار" وزميلات الثانوية وعمال الترميم قد جاءت مسطحة ومختزلة في أدوار وظيفية لخدمة الفكرة المركزية دون أن تنال مساحة أعمق لتطوير صراع درامي موازٍ.

ختاماً، تمثل رواية "أودعتك الجزائر ومصر" لأمينة شرنيخ وثيقة أدبية ووجدانية رفيعة المستوى، وصرخة هادئة ضد نسيان القومية وتجريف الفضيلة والمؤسسات التربوية الأصيلة.
إنها محاولة أدبية شجاعة للالتئام فوق جراح الماضي، تمنح الأدب فرصة القيام بما عجزت عنه السياسة والرياضة: الإصغاء إلى الإنسان وحماية ذاكرته. لقد استطاعت الكاتبة أن تجعل من القلم والورق جسراً متيناً يربط الذاكرة الجزائرية بالنيل والهرم، مُقدمةً عملاً كلاسيكياً يترك أثراً عميقاً في نفس قارئه، ويُعيد إلى الكلمة المكتوبة هيبتها ووقارها الأصيل.



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غفوة على الجانب الأيسر
- خناقة الشعراء: حين تتحول القصيدة من رحابة المعنى إلى ضيق الح ...
- اغتيال البراءة بالصدمة: قراءة في دراما قصيدة -مالناش اختيار-
- عدوى الرجولة
- قهوة الصحافة-.. نزيف المهمشين على أعتاب صاحبة الجلالة
- للصبحِ ضفةٌ أخرى
- مَرَايَا التَّنَاقُضُ
- دَخَلَ التَّتَارُ المَدِينَةَ..
- ذاكرةٌ تُراوغُ الفناء
- وصية المحاق
- قـرامـيـط الفجر
- خالد إسماعيل: سوسيولوجيا التهميش
- فاتورةُ الضوء
- سَدَنَةُ الحَبْل
- المسافة الميتة
- أركان الروح
- مزادُ المحجوب
- سُقُوطُ المِسْطَرَة
- غُصَّةُ التَّكْبِير
- خَرِيفُ النَّبِيذِ المُرّ


المزيد.....




- بعد فوزه في البندقية .. تهديد بسحب الجنسية الإسرائيلية من صا ...
- مهيار خضور يراهن على شخصيتين في عودة جديدة إلى البيئة الشامي ...
- موسكو تستضيف مشروع -رقصة الافتتاح العالمية 2.0-
- الكاتب السوري علي محمود: الديكتاتورية جعلتنا مخبرين على أنفس ...
- كيف عرّى فيلم -نازا- هشاشة إسرائيل -الأخلاقية- وأربك مؤسساته ...
- إيمي 2026.. هل أصبح التلفزيون الملاذ الأكثر جرأة لنجوم السين ...
- -ورق الكافور- لعبد الله العرفج.. بين رهان الذات والهجرة والا ...
- نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور: -اللي عنده أصالة مثل ها ...
- أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي يتضامنون مع مخرجي نازا: التحريض ...
- تقرير يكشف مفاجأة حول وفاة الممثلة الأمريكية الشهيرة هايدن ب ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - «أودعتك الجزائر ومصر».. استنبات القومية العربية في مواجهة التجريف الثقافي