أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي مقلد - خناقة الشعراء: حين تتحول القصيدة من رحابة المعنى إلى ضيق الحزب؟














المزيد.....

خناقة الشعراء: حين تتحول القصيدة من رحابة المعنى إلى ضيق الحزب؟


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 22:13
المحور: قضايا ثقافية
    


بقلم - علي مقلد

لم تكن المعارك النقدية في تاريخنا الأدبي يوماً دفاعاً عن جماليات النص، قدر ما كانت دفاعاً عن "الأسوار" و"الأقفاص" .. من تقنينات عمود الشعر، إلى حروب التفعيلة وقصيدة النثر، ظل المشهد العربي أسيراً لثنائية القالب واللافتة، فكيف تحولت القصيدة من فضاء إنساني رحب إلى متراس حزبي تُدار فيه الخصومات الوهمية؟ وكيف نجا من هذه المحرقة من اكتفى بشرف التجربة لا بلقب المؤسسة؟


بحكم دراستي لسنوات طوال للشعر وتخصصي النقدي لاحقاً، تسنى لي أن أقرأ التراث الشعري العربي قديمه وحديثه، رصينه ووهينه، ففي مرحلة الصبا وبحكم المناهج الدراسية، كنت منحازاً بفطرة المقلد إلى الشعر العمودي؛ إذ كان المحور الذي تدور في فلكه مداركنا الأولى.

لكن، مع اتساع القراءة وانفتاح الوعي على تجارب مغايرة - كتفعيلة الشعر الحر وقصيدة النثر - حدث انقلاب وجداني جعلني أميل إلى هذه الأشكال الجديدة، بل وأسخر ممّا ألفتُه سابقاً.
غير أن النضج المعرفي الحقيقي لا يستقر عند حدود ردود الأفعال العكسية؛ فحين تتسع المدارك وتتشعب المدارس الفنية، تستقر الروح على برّ الأمان، وهنالك أضاءت في نفسي قاعدة أراها اليوم هي المعيار الحق: "الكلمة وجودتها هما الفيصل"، فلم يعد مهمّاً مَنْ كتب، ولا تحت أي لافتة أدبية اصطف، بل صار الشغل الشاغل هو: ماذا كُتب؟

تاريخ طويل من "الخصومات الوهمية"
إن ما نشهده اليوم من صراعات، وما يحلو لنا وصفه بـ "خناقة الشعراء"، ليس سوى امتدادٍ تاريخي لعقدة الأطر واللافتات التي ابتلي بها التراث النقدي العربي. فعلى مدار التاريخ الأدبي، انشغل النقاد واللغويون بـ "عمود الشعر" وتقنيناته، ودخلوا في معارك طاحنة لتجريم أي خروج على المألوف العروضي أو الدلالي، متجاهلين أن الشعر في جوهره طاقة روحية متجددة لا تقبل التحنيط.
وحين بزغت ثورة الشعر الحر في منتصف القرن العشرين مع رموز مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور، واجهتها المؤسسة المحافظة بذات العنف والرفض التخندقي، معتبرة إياها مروقاً عن عروبة القصيدة، ولم تقتصر المعارك على الشكل فحسب، بل امتدت مع تجليات الحداثة الجذرية التي قادها أدونيس ومجلة "شعر"، لتشتعل حرب طحنت الحدود بين الفني والأيديولوجي.
وحين وقف عمالقة كـ محمود درويش وأمل دنقل في قلب المشهد، طاردتهم صراعات التلقي؛ فبين من اتهم درويش أحياناً بـ "شعرية الشعار" سجنًا له في أسر القضية، وبين رفع أمل دنقل راية الرفض المطلق محولاً القصيدة إلى ملحمة موقف، تناوشتهما أقلام المحافظين وحراس القوالب الجاهزة.
ومع ذيوع قصيدة النثر لاحقاً، تكرر المشهد ذاته؛ فتحولت الساحة الأدبية من فضاء للجمال إلى ساحة نزاع بين أحزاب متقاطعة، كلٌّ يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويسعى لإلغاء الآخر مستنداً إلى "سلطة القالب".

بين الفراهيدي وتعددية التجربة

لقد خضت – شخصياً – التجربة بأطيافها؛ فكتبت الشعر العمودي وأزعم أنني أجيد الغوص في بحور الفراهيدي وأسرارها، وكتبت التفعيلة وأجدت إيقاعاتها، وكتبت النثر وأحببت فضاءاته الرحبة.
ومن منطلق هذا التحرر الفني، أكرر دائماً مقولتي التي لا أحيد عنها: أنا لست بشاعر، بل "هاوٍ" يكتب ما يعنّ له، وحسب الهاوي شرفُ التجربة وحرية الخلوص إلى الجوهر بلا قيود اللقب المؤسسي.
إن الشاعر الحقيقي يدرك أن الخليل بن أحمد الفراهيدي نفسه لم يضع بحوره بوصفها "أقفاصاً" أبدية، بل وضعها كاستقرائه لواقع إيقاعي عربي مرن، فالتجديد لا يعني هدم التراث، بل تجاوزه نحو فضاءات أرحب.

سلطة المعنى وسقوط "الشَّلليّة"

إن التخندق في أحزاب شعرية يرتسِم فيها كل فريق حول مدوّنته قد أفسد الذائقة العامة وأفرغ النقد من مضمونه الموضوعي، فتاريخ النقد يعلمنا أن النصوص الكبرى تعيش ببقائها لا بانتماء أصحابها؛ فالشعر إن لم يُضف معنىً جديداً، ويصنع صورة بلاغية مبتكرة، ويفتح أفقاً دلالياً غير مسبوق، فليس سوى فضفضة ذاتية لا تخص سوى صاحبها.

وحين نتأمل المشهد الثقافي بموضوعية، يتكشف لنا زيف الكثير من الظواهر المعاصرة؛ فدع عنك ضجيج الشهرة وبريقها الزائف، إذ كثيراً ما كانت "الشهرة" ثمرةً لقوة "الشَّلليّة" وشبكات العلاقات لا لقوة المُنتج الإبداعي، وغالباً ما تخضع الجوائز الأدبية لحسابات أيديولوجية وشخصية تبتعد مسافات شاسعة عن معيار العمل الفني الخالص والجودة المجردة.

في النهايات، لا يستمد الشعر شرعيته من تاريخية القالب ولا من حداثة الثورة عليه، بل يستمِدّ بقاءه من كلمته، ومراميها، ومضمونها، وبلاغتها العميقة، بغض النظر عن المدرسة التي ينتمي إليها أو السور الذي وُضع تحته.
وحين يدرك الناقد المتجرد هذه الحقيقة، تسقط الحواجز الوهمية، ولا يبقى في ساحة الإبداع إلا النص الحي الذي يخاطب الروح الإنسانية؛ فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتيال البراءة بالصدمة: قراءة في دراما قصيدة -مالناش اختيار-
- عدوى الرجولة
- قهوة الصحافة-.. نزيف المهمشين على أعتاب صاحبة الجلالة
- للصبحِ ضفةٌ أخرى
- مَرَايَا التَّنَاقُضُ
- دَخَلَ التَّتَارُ المَدِينَةَ..
- ذاكرةٌ تُراوغُ الفناء
- وصية المحاق
- قـرامـيـط الفجر
- خالد إسماعيل: سوسيولوجيا التهميش
- فاتورةُ الضوء
- سَدَنَةُ الحَبْل
- المسافة الميتة
- أركان الروح
- مزادُ المحجوب
- سُقُوطُ المِسْطَرَة
- غُصَّةُ التَّكْبِير
- خَرِيفُ النَّبِيذِ المُرّ
- انْبِعَاثُ الطِّين
- الزئبقي


المزيد.....




- إيران تصعّد ضد عائلة ترامب.. فيديو رسمي يزعم رصد تحركات نجله ...
- -دراغون بول- بحجم ديزني لاند على طاولة بن سلمان وماكرون في ب ...
- في ذكرى استقلالها..مساعدات أوروبية إضافية لدعم أوكرانيا
- مراسلتنا: جرافات إسرائيلية تتجاوز الخط الأصفر جنوب لبنان
- الدفاع الروسية: تحرير 3 بلدات في منطقة العملية الخاصة (فيديو ...
- اليمن.. القوات الحكومية تعلن التصدي لمسيرات حوثية غربي عدن
- إسرائيل تلوح بـ-الاغتيالات والإخلاء- ردا على طائرات غزة الور ...
- وزير خارجية الصين: الشرق الأوسط عاد إلى -منعطف حرج- وندعو لل ...
- طهران: لم نتلق دعوة رسمية للانضمام لاتفاقية مكة
- فيديو يوثق احتجاز مئات الأشخاص بعد هجوم على مسجد في نيجيريا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي مقلد - خناقة الشعراء: حين تتحول القصيدة من رحابة المعنى إلى ضيق الحزب؟