أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جهاد حمدان - الإمبريالية الافتراضية: سلطة رقمية وحشية للرأسمال والرجعية والاحتلال















المزيد.....

الإمبريالية الافتراضية: سلطة رقمية وحشية للرأسمال والرجعية والاحتلال


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 16:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تفتح حسابك على فيسبوك، فتجد منشورًا حُذف، أو رسالة تمنعك من التعليق، أو تهديدًا بإغلاق صفحتك. السبب: مخالفة «معايير المجتمع». تبحث عن المخالفة، وتحاول الدفاع عن نفسك، فتواجه رسائل جاهزة لا تجيب عن أسئلتك. أنت في بيتك، لكن سلطة بعيدة دخلت حياتك وقررت ما يجوز لك قوله، والعقوبة التي تستحقها.
من هذه التجربة اليومية يمكن فهم «الإمبريالية الافتراضية». فقد اعتدنا رؤية الهيمنة في الجيوش والقواعد العسكرية والتدخل في شؤون الدول ونهب الثروات. واليوم تمتد علاقات القوة والتبعية إلى فضاء تتجمع فيه أحاديث البشر وأخبارهم وأعمالهم وذكرياتهم. شركات قليلة تملك المنصات، وملايين الناس يملؤونها بالمحتوى ويمنحونها قيمتها، بينما يحتفظ المالكون بسلطة وضع شروط الحضور فيها.
يسمّون قواعدهم «معايير المجتمع»، وكأن المجتمع اجتمع وأقرّها. لكن المستخدمين لم ينتخبوا واضعيها، ولا يملكون سلطة متكافئة في تعديلها أو محاسبة القائمين عليها. وبضغطة على عبارة «أوافق»، يدخل الإنسان فضاءً تحكمه شروط لم يشارك في صياغتها، ثم يكتشف عند أول عقوبة مدى ضآلة قدرته على الاعتراض.
يعرف المواطن هذا المنطق من تجاربه مع السلطات القامعة للحريات. ففي النظم الرجعية، يتسع معنى «تهديد الأمن» ليشمل نقد الحاكم، ومعنى «الإخلال بالنظام» ليشمل الاحتجاج السلمي. وعلى المنصات، قد تحوّل التفسيرات المتعسفة موقفًا سياسيًا أو شهادة على جريمة إلى مخالفة تستوجب العقاب. وتتكرر المشكلة: جهة تضع القاعدة وتفسرها وتفرضها، وفرد يتحمل نتائج قرارها.
إغلاق الحساب لا يساوي السجن، وحذف المنشور لا يساوي تعذيب صاحبه، لكن اختلاف العقوبات لا يحجب التشابه في أساليب الإخضاع. فالعقاب يبعث رسالة إلى الآخرين بأن عليهم الحذر. وقد تتضرر منه أرزاق وأعمال، أو تضيع بسببه صلة بجمهور بُنيت خلال سنوات. وحين يخشى الناس هذه العواقب، يبدأون بمراقبة أنفسهم: يحذفون عبارة، ويتراجعون عن تعليق، ويترددون في إعلان موقف. هكذا ينجح القمع حين يجعل الإنسان رقيبًا على نفسه.
ويتقاطع هذا المنطق مع التوجهات الفاشية عندما تُختزل الجماعة في صوت واحد، ويصبح المختلف خطرًا عليها، والطاعة معيارًا للانتماء. يُوصم المعترض بالخيانة أو التحريض قبل مناقشة موقفه، فتتحول هذه الأوصاف إلى أدوات لإقصائه من المجال العام.
وقد كشفت غزة كيف تلتقي سلطات مختلفة حول إسكات الضحية والمتضامنين معها. ففي تقرير صدر في كانون الأول 2023، وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أكثر من ألف حالة من الحذف أو التقييد غير المبرر لمحتوى متعلق بفلسطين على فيسبوك وإنستغرام، شملت تعليق الحسابات، وتقييد التفاعل، وتقليل وصول المنشورات. وهي حالات تكشف أن المشكلة تتجاوز أخطاء فردية عابرة، دون أن تمثل إحصاءً شاملًا لكل ما يجري على المنصتين.
وحين تُحذف شهادة على معاناة أو يُحجب صوت يطالب بوقف قتل المدنيين، يتضرر حق الجمهور في المعرفة أيضًا. فالضحية تحتاج إلى إيصال شهادتها، وأي تقييد جائر لهذه الصلة يخدم، في نتيجته، من يريد للجريمة أن تبقى بعيدة عن الأنظار.
وعلى الأرض، واجه معارضو الحرب والإبادة في غزة داخل دولة الكيان الصهيوني ملاحقات تتجاوز الشاشة. فقد وثّق «عدالة»، المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، اعتقالات وتحقيقات وإجراءات تأديبية جامعية، وفصلًا أو تعليقًا عن العمل، طالت فلسطينيي الداخل وبعض اليهود المعارضين للحرب بسبب منشورات ومواقف تضامنية. أصبح التعبير، في حالات وثقها المركز، خطرًا على الدراسة والعمل والحرية.
ومن بين مئات حالات الملاحقة التي وثّقها المركز، تبرز قضية المحامي أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين، اللذين أدانتهما محكمة الصلح الإسرائيلية في مدينة حيفا بفلسطين المحتلة، في نيسان 2026، بتهم تتعلق بالتحريض غير المباشر على الإرهاب والتماهي مع منظمة إرهابية، بسبب هتافات في مظاهرة مناهضة للحرب في أم الفحم عام 2023. واعتبر المركز، المشارك في تمثيلهما، أن القضية تجرّم احتجاجًا سياسيًا مشروعًا. إنها مثال على اتساع استخدام سلطات الكيان الصهيوني الاتهامات الأمنية لملاحقة التعبير السياسي وترهيب المعترضين.
وتزداد فداحة هذه الملاحقات في ضوء ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في أيلول 2025، من أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. فتجريم الاعتراض السلمي يضيف إلى الجريمة محاولة تعطيل مقاومتها بالكلمة والموقف.
ولا يحتاج فهم هذا التقاطع إلى افتراض غرفة واحدة تدير الشركات والحكومات والجماعات المتطرفة. فقد تختلف الدوافع وتتلاقى النتائج: سلطة تلاحق المعترض، ومجموعات تحرّض عليه، ومؤسسة تعاقبه، ومنصة تحذف صوته. وقد انتقد تقرير «هيومن رايتس ووتش» اعتماد سياسات ميتا، الشركة المالكة لفيسبوك وإنستغرام، على تصنيفات أمريكية للمنظمات، وما بدا من استجابة لطلبات حكومية لإزالة المحتوى. فالقرار الرقمي يتأثر بموازين القوة السياسية، مهما قُدّم بلغة تقنية محايدة.
ويمتلك الرأسمال البنية التي تجري عبرها هذه الصراعات. يحوّل نشاط الناس وانتباههم إلى قيمة تجارية، بينما يظل حضورهم فيها خاضعًا لشروطه. وحين تعتمد مجتمعات واسعة على منصات تُدار من خارجها، وتتجمع الأرباح وسلطة القرار لدى مالكيها، تتضح علاقة الهيمنة والتبعية التي يمنحها وصف «الإمبريالية الافتراضية» معناها. أما القول «غادرها إن لم تعجبك»، فيتجاهل أن المغادرة قد تعني خسارة العمل والجمهور والعلاقات.
لذلك يتجاوز الأمر الشكوى من منشور محذوف إلى مساءلة من يملك ساحات التواصل والمعرفة، ومن يقرر حدود الكلام فيها. وتقتضي حماية الناس قواعد واضحة، وقرارات معلّلة، واعتراضًا فعّالًا، ورقابة مستقلة تمنع تحويل مكافحة التحريض إلى ذريعة لمعاقبة التضامن والنقد.
تظهر وحشية هذه السلطة حين يُحاصر الإنسان في حريته ورزقه وصوته معًا: تلاحقه السلطات، ويهدده المتطرفون، وتعاقبه مؤسسته، ثم تغلق المنصة نافذته إلى الناس. وعند تقاطع الرأسمال والرجعية والاحتلال، يصبح الدفاع عن حرية التعبير دفاعًا عن حق الإنسان في أن يرى الجريمة، ويسمّيها، ويقف ضدها، دون أن يتحول اعتراضه إلى جريمة.



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة سياسية معاصرة في الرواية المحاربة -أفول القمر- لجون شت ...
- فلسطين حرة من النهر إلى البحر: شعار يتجاوز قرارات الأمم المت ...
- قصيدة إلى الحزب الشيوعي الأردني في الذكرى الماسيّة لتأسيسه
- شعر: سمراء مهلا
- الاحتجاجات الطلابية في فرنسا بين عمق الأزمة ودروس الماضي وآف ...
- نازا: فيلم إسرائيلي عن الإبادة في غزة أقام القيامة في دولة ا ...
- قراءة فايز ابراش لقصيدة -كلانا فاز في السبق- للشاعر جهاد حمد ...
- نتنياهو في الأمم المتحدة رئيس حكومة مأزوم، في كيان مأزوم، أن ...
- لا شيء أجمل من فراش هائم قصيدة للشاعر جهاد حمدان وقراءة للأد ...
- حتى لو استُبدل نتنياهو، فإن النظام الذي أفرزه سيبقى قائمًا ت ...
- الذكرى الثامنة لرحيل القائد الشيوعي الأردني أمال نفاع خطفك ا ...
- قراءة في مذكّرات أمل غندور «هذه الحياة العربية: رحلة جيل إلى ...
- شعر: فلسطين تبكي... ثم تبكينا
- شعر: أدهشتني وسأدهشك
- طلاء الأظافر ... العداء الصامت
- يا جوختي: من سياط سرايا العُصملي إلى أنين المرض وعري الوجع
- في الذكرى الثانية عشرة لرحيل سميح القاسم: حوارية الرفض بين ق ...
- قراءة سابرة لخطوات القائد الشيوعي سعيد مضية التي غمرتها الرم ...
- حلف مكة: إعادة إنتاج التبعية ومنع فرض توازنات إقليمية جديدة
- في عيد ميلادي الثاني والسبعين


المزيد.....




- هيئة بحرية تعلن تعرض ناقلة ثانية لهجوم قبالة سواحل السعودية. ...
- لتلوثها بالزئبق.. -الغذاء والدواء- الأمريكية ترفع استدعاء كر ...
- ميرتس: ألمانيا تشهد انقساما سياسيا حادا
- تركي آل الشيخ يعلق على إعلان السيسي رحيله عن كرسي الحكم في 2 ...
- فلسطين.. مستوطنون ملثمون يعتدون على دبلوماسيين أوروبيين في ق ...
- الخارجية الروسية: أفكار التخلي الفوري عن الأسلحة النووية طرح ...
- زيلينسكي يتحدث عن -كرة الثلج المؤلمة- بعد صفقة الديزل روسيا ...
- الرئيس الإيراني يعتبر -تحالف مكة- خطوة إلى الأمام ويعلن استع ...
- مصر تضع شروطا جديدة لاختيار خليفة السيسي في 2030
- تونس: أكبر احتجاجات منذ سنوات للمطالبة بالحريات وتحسين المعي ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جهاد حمدان - الإمبريالية الافتراضية: سلطة رقمية وحشية للرأسمال والرجعية والاحتلال