أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جهاد حمدان - فلسطين حرة من النهر إلى البحر: شعار يتجاوز قرارات الأمم المتحدة ويعيد تعريف العدالة بعد قرن ونيًف من الظلم














المزيد.....

فلسطين حرة من النهر إلى البحر: شعار يتجاوز قرارات الأمم المتحدة ويعيد تعريف العدالة بعد قرن ونيًف من الظلم


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 04:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد شعار «فلسطين حرة من النهر إلى البحر» حبيس المظاهرات الفلسطينية والعربية، بل بات يتردد في شوارع لندن وباريس وروما وبرلين ونيويورك، وعلى ألسنة مئات الآلاف من المتظاهرين الغربيين تضامنًا مع الشعب الفلسطيني واحتجاجًا على حرب الإبادة في غزة. ولا تكمن أهمية الشعار في اتساع انتشاره فحسب، بل في دلالته السياسية والأخلاقية، وما يعكسه من تحول في نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي إلى القضية الفلسطينية.
فالشعار لا يكتفي بالمطالبة بوقف الحرب أو إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، بل يستحضر فلسطين التاريخية من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، بتاريخها السابق على الانتداب البريطاني ووعد بلفور وقيام إسرائيل عام 1948. وهو بذلك يتجاوز حدود التسويات السياسية ليطرح سؤال العدالة التاريخية الذي ظل مؤجلًا طوال عقود.
والأهم أنه ينطوي، في معناه التحرري، على موقف أخلاقي من الطبيعة الاستيطانية الإحلالية للمشروع الصهيوني، الذي لم يقتصر على السيطرة على الأرض، بل اقترن باقتلاع شعبها الأصلي وإحلال مجتمع استيطاني مكانه. فالقضية، وفق هذا المنظور، ليست نزاعًا حدوديًا بين دولتين، وإنما قضية شعب تعرض وطنه للاستعمار، ومجتمعه للتفكيك والتشريد، ثم طُلب منه التسليم بنتائج هذه العملية بوصفها حقائق تاريخية نهائية.
بدأت فصول المأساة الحديثة بوعد بلفور عام 1917، حين منحت بريطانيا الحركة الصهيونية وعدًا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين دون استشارة شعبها العربي. ثم جاء الانتداب البريطاني ليمهد الطريق للمشروع الاستيطاني، وصولًا إلى نكبة عام 1948، وما رافقها من تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير مئات القرى والتجمعات السكانية.
لكن فلسطين لم تبدأ عام 1948؛ فقد كانت قبل ذلك وطنًا لشعب له مدنه وقراه ومؤسساته وحياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذاكرته الجمعية. ومن هنا فإن استحضار فلسطين من النهر إلى البحر ليس استعادة لخريطة جغرافية فحسب، بل لتاريخ حاول المشروع الاستيطاني الإحلالي طمسه وإعادة كتابته.
ومنذ النكبة، تعاقبت قرارات الأمم المتحدة والمبادرات السياسية دون أن تتحقق العدالة. فقد تناول القرار 194 عودة اللاجئين وتعويضهم، بينما ركز القرار 242 على نتائج حرب عام 1967 والانسحاب من الأراضي المحتلة. ومع مرور الزمن، أصبحت الدولة الفلسطينية على أراضي عام 1967 محور الدبلوماسية الدولية، فيما تراجعت المظلمة التاريخية الأوسع إلى خلفية المشهد.
ولا يعني ذلك التقليل من القيمة القانونية والسياسية للقرارات الدولية، بل رفض تحويل التسويات إلى سقف نهائي للعدالة. فالحقوق التاريخية للشعوب لا تستمد مشروعيتها من موازين القوى، ولا تفقد عدالتها لعجز المؤسسات الدولية عن إنصاف أصحابها.
من هنا تكتسب المظاهرات الغربية أهميتها الاستثنائية. ففي البلدان التي نشأت فيها الصهيونية السياسية، أو أسهمت حكوماتها في إقامة إسرائيل ودعمها، تتقدم اليوم أصوات شعبية تعيد النظر في الرواية التي سادت طويلًا. ولم يعد الفلسطيني، في نظر قطاعات متزايدة من المتضامنين، مجرد ضحية تستحق المساعدة الإنسانية، بل شعبًا صاحب قضية تحرر وطني وحقوق تاريخية.
وقد أسهمت الحرب على غزة، بما خلفته من قتل ودمار وتجويع وتهجير، في تسريع هذا التحول، إذ دفعت كثيرين إلى تجاوز السؤال عن وقف الحرب إلى مساءلة أسباب المأساة الفلسطينية وجذورها التاريخية. ولم يكن مصادفة أن تتقدم الحركات الطلابية والنقابات والمنظمات الحقوقية والقوى اليسارية والتقدمية صفوف التضامن، وأن ترتبط القضية الفلسطينية في وعي جيل جديد بمناهضة الاستعمار والعنصرية والتمييز.
وهنا تبرز المفارقة التاريخية: فبينما لا تزال حكومات غربية عديدة تتعامل مع القضية بمنطق التحالفات الاستراتيجية والمصالح الجيوسياسية، تتحرك قطاعات من شعوبها نحو رؤية تتجاوز الحدود التي رسمتها الدبلوماسية الرسمية، وتعيد الاعتبار إلى الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وتضع المشروع الصهيوني نفسه موضع المساءلة الأخلاقية والسياسية.
ولا يعني ذلك أن جميع المشاركين في المظاهرات يتبنون تصورًا واحدًا لمستقبل فلسطين. فالشعار يثير تفسيرات متباينة، بينها من يراه تهديدًا لوجود إسرائيل أو لحقوق اليهود. غير أن مضمونه التحرري، كما تفهمه قطاعات واسعة من المتضامنين، لا يستلزم إنكار حقوق أي جماعة بشرية، بل يؤكد المساواة في الحقوق الإنسانية، ويرفض الاقتلاع والامتياز القومي والتمييز.
إن شعار «فلسطين حرة من النهر إلى البحر» لا يقدم برنامجًا دستوريًا أو صيغة جاهزة للحل السياسي، لكنه يطرح مبدأ أخلاقيًا جوهريًا: لا سلام حقيقيًا يقوم على إنكار حقوق شعب، ولا عدالة تستثني اللاجئين أو تقبل باستمرار التمييز، ولا حرية مكتملة ما دام الفلسطينيون محرومين من حقهم في تقرير المصير.
ولعل الإنجاز الأهم لحركة التضامن العالمية أنها بدأت تنقل القضية الفلسطينية من دائرة التعاطف الإنساني إلى فضاء العدالة التاريخية. فبعد قرن ونيّف من وعد بلفور، يتردد في عواصم الغرب شعار يعيد فلسطين إلى جغرافيتها وتاريخها السابقين على المشروع الاستيطاني الصهيوني، ويطرح السؤال الذي حاولت التسويات تجاوزه: بأي حق اقتُلع شعب من وطنه، وبأي منطق يُطلب منه التنازل عن حقوقه التاريخية ليحصل على جزء من العدالة؟
وهكذا يغدو الشعار أكثر من هتاف في مظاهرة؛ إنه تعبير عن تحول في الضمير الشعبي الغربي، من التضامن مع ضحايا المأساة إلى مساءلة جذورها التاريخية. وإذا كانت قرارات الأمم المتحدة قد رسمت حدود الممكن السياسي، فإن العدالة لا تقاس بما يسمح به الأقوياء، بل بما يستحقه المظلومون من حقوق. وهي عدالة تأخرت أكثر من قرن، لكنها لم تفقد مشروعيتها بطول الانتظار، ولا تكتمل بإعادة رسم الحدود وحدها، بل بتصحيح المظلمة التاريخية التي بدأت حين منحت قوة استعمارية نفسها حق تقرير مصير شعب بأكمله.



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصيدة إلى الحزب الشيوعي الأردني في الذكرى الماسيّة لتأسيسه
- شعر: سمراء مهلا
- الاحتجاجات الطلابية في فرنسا بين عمق الأزمة ودروس الماضي وآف ...
- نازا: فيلم إسرائيلي عن الإبادة في غزة أقام القيامة في دولة ا ...
- قراءة فايز ابراش لقصيدة -كلانا فاز في السبق- للشاعر جهاد حمد ...
- نتنياهو في الأمم المتحدة رئيس حكومة مأزوم، في كيان مأزوم، أن ...
- لا شيء أجمل من فراش هائم قصيدة للشاعر جهاد حمدان وقراءة للأد ...
- حتى لو استُبدل نتنياهو، فإن النظام الذي أفرزه سيبقى قائمًا ت ...
- الذكرى الثامنة لرحيل القائد الشيوعي الأردني أمال نفاع خطفك ا ...
- قراءة في مذكّرات أمل غندور «هذه الحياة العربية: رحلة جيل إلى ...
- شعر: فلسطين تبكي... ثم تبكينا
- شعر: أدهشتني وسأدهشك
- طلاء الأظافر ... العداء الصامت
- يا جوختي: من سياط سرايا العُصملي إلى أنين المرض وعري الوجع
- في الذكرى الثانية عشرة لرحيل سميح القاسم: حوارية الرفض بين ق ...
- قراءة سابرة لخطوات القائد الشيوعي سعيد مضية التي غمرتها الرم ...
- حلف مكة: إعادة إنتاج التبعية ومنع فرض توازنات إقليمية جديدة
- في عيد ميلادي الثاني والسبعين
- لا تحفروا لي قبراً: الذكرى الخامسة والخمسون لاستشهاد القائد ...
- مائة عام على ميلاد القائد الشيوعي البارز فائق ورّاد من البرل ...


المزيد.....




- السعودية والحوثيون.. كيف أدى تبادل الضربات في العمق إلى زياد ...
- تشيلي.. الأمطار الغزيرة تشل شوارع سانتياغو وتقطع الكهرباء عن ...
- مصدر أوروبي يستبعد انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي قبل ...
- عالم فلك يكشف ماهية الأجسام المتوهجة التي ظهرت في سماء كازاخ ...
- تقرير أمريكي يكشف خطط ترامب بخصوص العقوبات على روسيا
- صحفي ألماني: الاستخبارات الأمريكية علمت مسبقا بخطة تفجير «ال ...
- -التحالف- يكشف تفاصيل -عملية نوعية- ضد الحوثيين.. ويعلن اعتر ...
- -بسم الله إنها الظلمات- ما قصة هذه العبارة الغامضة التي اجتا ...
- السعودية: حريق بمبنى لأرامكو في الظهران و4 جرحى بشظايا صواري ...
- الغابة بدلا من المدرسة.. تجربة تعليمية جديدة للأطفال في تركي ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جهاد حمدان - فلسطين حرة من النهر إلى البحر: شعار يتجاوز قرارات الأمم المتحدة ويعيد تعريف العدالة بعد قرن ونيًف من الظلم