جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 22:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ثمة خطابات تكشف أصحابها أكثر مما تكشف خصومهم. وخطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة واحد منها. فقد جاء إلى نيويورك ليقدم نفسه قائدًا منتصرًا أعاد رسم خريطة المنطقة، فإذا بخطابه، بما حمله من غطرسة وأكاذيب، يكشف عن زعيم مأزوم، يقود كيانًا مأزومًا، وينتج خطابًا مأزومًا.
وتكاد وأنت تستمع إليه تتساءل ساخرًا: هل كتب نتنياهو خطابه بنفسه ولم يسمح لأحد من مستشاريه بمراجعته، أم أنهم تركوه يصعد به إلى المنصة؟ فقد بدا نتنياهو الذي جاء، على حد قوله، ليقول «الحقيقة» للعالم، غاضبًا من عالم لم يعد مستعدًا لتلقي الرواية الإسرائيلية كما كان يتلقاها من قبل.
وما إن اعتلى المنصة حتى بدأت المفارقة. مندوبون يغادرون القاعة احتجاجًا، فيما يصفق له أنصاره ويهتفون من الشرفة. فيرد نتنياهو على المنسحبين بوصفهم «جبناء أخلاقيًا». هكذا اكتملت منذ البداية صورة الخطاب: مقاعد تخلو في الأسفل، وجمهور مؤيد يصفق في الأعلى، وزعيم يرد على العزلة بمزيد من الغطرسة.
ولم يكن اختيار إيران مدخلًا للخطاب مصادفة. فقد عاد نتنياهو أربعة عشر عامًا إلى الوراء، إلى اليوم الذي وقف فيه على المنصة نفسها ورسم «الخط الأحمر» الشهير للبرنامج النووي الإيراني، ليقول هذه المرة: لقد فعلناها. وقال إن تنفيذ الضربات كان صعبًا، لكنه كان بالنسبة إليه واحدًا من أسهل القرارات التي اتخذها رئيسًا للحكومة، لأن إسرائيل، بحسب روايته، كانت تواجه خطر الفناء. وتابع: إنّ قادة بعض الدول التي غادر مندوبوها القاعة يشكرون إسرائيل سرًا على تدمير المنشآت النووية الإيرانية.
فنتنياهو هنا لا يستعيد الحرب ليقدم حصيلة عسكرية فحسب، بل ليبني صورة الزعيم الذي رأى الخطر قبل الآخرين، وحذّر منه، ثم اتخذ القرار. إيران، بهذا المعنى، هي أقوى أوراق رواية «القائد المنتصر» التي يريد أن يحملها معه من نيويورك إلى الانتخابات. لكنه لم يقل فيما إذا كانت القوة العسكرية قد صنعت أمنًا دائمًا أم فتحت جولة أخرى من الصراع.
في رواية نتنياهو يبدأ التاريخ في السابع من أكتوبر، وكأنه اليوم الذي لا احتلال قبله، ولا حصار، ولا استيطان، ولا نكبة، ولا شعب حُرم لعقود من حقه في تقرير المصير. ثم تتحول الحرب وما خلفته من قتل ودمار وتهجير إلى مجرد «دفاع عن النفس»، ويصبح الاعتراض على ما فعلته إسرائيل إما عداء لها أو مساندة لحماس أو معاداة للسامية.
وذهب نتنياهو إلى حد وصف اتهام إسرائيل بالإبادة في غزة بأنه «كذبة القرن». لكن المشكلة بالنسبة إليه أنّ غزة ليست رواية إعلامية يمكن محوها بخطاب. ثمة عشرات الآلاف من الشهداء وأعداد هائلة من الجرحى والأحياء المدمرة والعائلات المشردة، وثمة قضايا وإجراءات أمام مؤسسات العدالة الدولية. لذلك احتاجت روايته إلى شيء يكاد يكون مستحيلًا: أن يتحدث طويلًا عن غزة من دون أن تظهر غزة الحقيقية في خطابه.
والمأزق لم يعد محصورًا في غزة.
بريطانيا لم تعد تقف في الموقع القديم نفسه، وفرنسا ودول أوروبية أخرى وسعت مساحة خلافها مع حكومة نتنياهو. والأهم أن التحول وصل إلى الولايات المتحدة نفسها. ولم يعد هذا كلام اليسار الأميركي وحده. فنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس نفسه قال قبل شهرين إن «إسرائيل تخسر معركة الرأي العام في الولايات المتحدة»، ووصف ذلك بأنه «حقيقة بسيطة وواضحة». ولم يكن يتحدث عن الديمقراطيين وحدهم، بل أشار إلى التحول في مواقف الأميركيين، بما في ذلك الفارق بين الجمهوريين الشباب والأجيال الأكبر سنًا.
وتؤكد الأرقام حجم المشكلة. فقد أظهرت استطلاعات حديثة أن النظرة السلبية إلى إسرائيل أصبحت أوسع بكثير مما كانت عليه قبل سنوات، وأن التراجع أشد بين الشباب. إنّ أخطر ما يواجه الرواية الإسرائيلية ربما لا يحدث في غزة أو أوروبا، بل في المكان الذي ظلت إسرائيل تعتبر تأييده السياسي والشعبي رصيدًا شبه مضمون: الولايات المتحدة.
ولهذا لم يكن هجوم نتنياهو على زهران ممداني تفصيلًا عابرًا. فهو لا يهاجم عمدة نيويورك فحسب، بل يهاجم وجهًا من وجوه أميركا التي يخشى صعودها: أميركا لم يعد فيها تأييد إسرائيل شرطًا سياسيًا مسلمًا به، وأجيال لم تعد ترى في السابع من أكتوبر شيكًا مفتوحًا يبرر كل ما حدث بعده.
والأشد إزعاجًا لنتنياهو أن هذا التحول لم يعد يأتي من ممداني أو الجامعات أو الشارع المحتج فقط. يأتي التحذير هذه المرة من نائب رئيس الولايات المتحدة نفسه.
وحين تضيق دائرة الأصدقاء، تتسع عند نتنياهو قائمة الأعداء.
هاجم قطر واتهمها بالتأثير في الجامعات والإعلام، وهاجم تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان. ولم يوفر حلفاء الأمس؛ فسخر من بريطانيا وفرنسا لأنهما تتهمان إسرائيل بالاستعمار، مذكّرًا بتاريخهما الاستعماري، وقال إنهما، عمليًا، آخر من يحق له إلقاء هذه التهمة. ثم وسّع هجومه ليشمل قادة في أوروبا الغربية اتهمهم بالخضوع لما سماه «الغوغاء المعادين للسامية». وهنا تكمن مفارقة أخرى في خطاب الزعيم المأزوم: لم يعد خصوم إسرائيل التقليديون وحدهم في دائرة الاتهام؛ دخل إليها حلفاء تاريخيون كانوا، حتى وقت قريب، جزءًا من الغطاء الغربي الذي احتمت به إسرائيل.
وربما كان الصمت الأكثر إثارة في خطابه هو ما لم يقله عن الأردن.
فالملك عبدالله الثاني لم يستخدم في خطابه لغة دبلوماسية ملتبسة. تحدث عن النزعة التوسعية للحكومة الإسرائيلية بوصفها تهديدًا إقليميًا، وربط ما تفعله إسرائيل في الضفة الغربية وجنوب سوريا بالأمن الوطني الأردني وبالمياه والحدود. ومع ذلك، وجد نتنياهو متسعًا من الوقت لمهاجمة تركيا وقطر وفرنسا وبريطانيا وعمدة نيويورك زهران ممداني، ولم يجد كلمة يرد بها مباشرة على الملك.
هل أغفل الأردن مصادفة؟ أم أن نتنياهو، على الرغم من استعراض القوة، يعرف أن فتح مواجهة مباشرة مع عمّان قد يفجر أزمة لا يعرف أين تنتهي؟
فالأردن ليس دولة بعيدة يستطيع نتنياهو أن يضيفها بسهولة إلى قائمة أعدائه. بين البلدين معاهدة وادي عربة، واتفاقيات مياه وغاز وطاقة، وتشابكات أمنية وإقليمية واسعة. وأي أزمة كبرى قد تفتح في عمّان نقاشًا يتجاوز بيانات الإدانة إلى مراجعة شكل العلاقة نفسها ودور القواعد الأميركية والأجنبية في المملكة، لا سيما في ظل المواجهات الإقليمية واعتراض الصواريخ والمسيّرات المتجهة نحو إسرائيل.
ربما أدرك نتنياهو المأزوم أنّه يستطيع أن يهاجم الجميع، لكنه يعرف أيضًا أن بعض الأبواب إذا فتحها قد لا يستطيع إغلاقها.
وحين لم تعد السياسة وحدها تكفي، استدعى التاريخ الشخصي.
عاد إلى أخيه يوني الذي قتل في عملية عنتيبي قبل نصف قرن، واستعاد ذكرياته معه، قبل أن يصل إلى العبارة التي أرادها شعارًا لخطابه: «سننتصر. ليس أمامنا خيار آخر».
وهنا يختلط الشخصي بالسياسي والانتخابي. الأخ القتيل، والسابع من أكتوبر، وإيران، وحماس، وقطر، وتركيا، وممداني، وفرنسا وبريطانيا، والمندوبون الذين غادروا القاعة؛ الجميع يُدفعون إلى قصة واحدة بطلها نتنياهو: إسرائيل محاصرة، والعالم يتآمر عليها، وهو من يقف وحده في وجه الجميع. إنها لغة زعيم يحتاج إلى الحصار كي يبرر بقاءه.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل فقدت قوتها. فهي ما تزال قوة عسكرية كبرى في المنطقة وتحظى بدعم أميركي استثنائي. لكن القوة شيء، والقدرة على تحويلها إلى شرعية شيء آخر.
ولعل زيارة نتنياهو الخاطفة إلى نيويورك وضعت المأزق كله في صورة واحدة.
ربما كانت الزيارة القصيرة مقررة سلفًا. ففي زيارة العام الماضي التي امتدت نحو أسبوع، لم تستغرق زيارته هذه المرة سوى ساعات. لكن هذا لا يغلق باب السؤال، بل يفتحه: لماذا أمكن أصلًا اختصار زيارة رئيس حكومة إسرائيل إلى الولايات المتحدة، أثناء انعقاد الجمعية العامة، إلى أقل من يوم؟
قد لا تكمن المشكلة في ضيق الوقت، بل في ضيق دائرة من يرغب نتنياهو في أن يظهر إلى جانبهم، أو يرغبون هم في الظهور إلى جانبه.
صحيح أنه التقى عددًا من قادة الدول، من بينها الأرجنتين وبوليفيا وباراغواي وبنما وإثيوبيا واليونان وسلوفينيا. لكن السؤال ليس فقط: من التقى؟ بل أيضًا: من لم يلتق؟
أين رئيس الولايات المتحدة الذي بنى نتنياهو جزءًا كبيرًا من صورته الداخلية على علاقته الاستثنائية به؟ أين قادة القوى الأوروبية الكبرى؟ وأين الصور التي اعتاد العودة بها إلى الإسرائيليين دليلًا على أن العالم، مهما انتقد إسرائيل، لا يستطيع الاستغناء عنها؟
وهكذا لم تكن العزلة هي المقاعد التي أخلاها المندوبون في القاعة فقط، بل كانت أيضًا في الصور التي لم تُلتقط، والمصافحات التي لم تحدث، واللقاءات التي لم تكن على الجدول.
هل استعجل نتنياهو العودة استعجال القائد الذي ينتظره «النصر»، أم استعجال زعيم لم يعد في نيويورك ما يستحق أن يبقى من أجله؟
جاء ليقول للعالم إن إسرائيل انتصرت، وإن منتقديها يكذبون، وإنه الزعيم الذي وقف في وجه الجميع. ثم ألقى خطابه أمام مقاعد أخلاها مندوبون، وهاجم حلفاء وخصومًا، ولم يلتق رئيس الدولة التي تشكل الركيزة الأساسية لقوة إسرائيل، وغادر على عجل.
إنّ الخطاب الذي أراده نتنياهو ذخيرة انتخابية لنفسه قد يتحول إلى ذخيرة في أيدي خصومه. هو يستطيع أن يقدم المشهد لجمهوره باعتباره صورة القائد الذي يتحدى العالم، وخصومه يستطيعون تقديم الصورة ذاتها باعتبارها حصيلة رئيس حكومة أوصل إسرائيل إلى عزلة متزايدة.
#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)
Jihad_Hamdan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟