أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جهاد حمدان - يا جوختي: من سياط سرايا العُصملي إلى أنين المرض وعري الوجع














المزيد.....

يا جوختي: من سياط سرايا العُصملي إلى أنين المرض وعري الوجع


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 04:56
المحور: قضايا ثقافية
    


تأصيل عبارة يا جوختي
​في الذاكرة الشفوية الفلسطينية والشامية عموماً، تختزن الألفاظ الشعبية تاريخاً حافلاً من التفاعلات السياسية والاجتماعية، لتتحول مع مرور الزمن من حوادث عينية في سجلات القهر إلى مرايا تعكس فلسفة الضعف البشري. ولعل عبارة «صار يصيح ويقول يا جوختي» واحدة من أبلغ تلك التعبيرات المجازية التي تصف بلوغ المرء أقصى درجات الوجع، حتى يفيض أنينه عن قدرته على الكتمان وحفظ الوقار.
​تعود جذور التعبير إلى أواخر العهد العثماني في بلاد الشام، حين كان قماش "الجوخ" رمزاً مطلقاً للجاه والسلطة الطبقية والاجتماعية. لم يكن ذلك الصوف الإنجليزي والأوروبي الثقيل متاحاً لعامة الناس؛ بل كان يُجلب عبر موانئ فلسطين في يافا وحيفا أو قوافل تجار الشام ومصر، ليرتديه كبار موظفي الباب العالي، ورجال الدرك، إلى جانب المخاتير، والمشايخ، وزعماء الحمايل والعشائر والقبائل، وأصحاب النفوذ والحظوة. كان رداء الجوخ يمنح صاحبه حصانة ضمنية وهيبة تجعل القلوب تهابه والأعين تغض دونه.
​لكن تقلبات السياسة وأروقة السرايا العثمانية لم تكن تديم حصانة لأحد. تروي الحكايات الشفوية أنه حين كان يسقط أحد هؤلاء المتنفذين مغضوباً عليه، يُساق إلى المخفر ليتلقى عقوبة الجلد والفلقة التي ينفذها موظفون صغار على مرآى من أسيادهم الذين أمروا بها، في مشهد بالغ القسوة والإذلال. تحت انهمار السياط الأولى، كان الرجل يحاول التماسك والاستنجاد بمرتبته ورموز سلطته ("يا جاهي"، "يا منصبي"، "يا جوختي")، وكأنه يلوّح بكسوته لعلها ترد عنه قسوة الجلادين أو تستدر عطف الآمرين. غير أن الألم المبرح سرعان ما يكسر آخر خيوط الكبرياء؛ فتنحل عقدة الصبر، ويتحول النداء من التلويح بالهيبة إلى عويل محض لا يملك صاحبه معه سوى البكاء على "جوخته" التي تمزقت تحت وطأة الضرب، وصار المثل يُضرب لكل من يجرده القهر من تماسكه: «أكل قتلة خلته يصيح ويقول يا جوختي».
​غير أن حكمة الذاكرة الشعبية لم تقف عند حدود السخرية السياسية من سقوط المتنفذين، بل اتسعت لتلامس بعداً إنسانيّاً أكثر رزانة وعمقاً: مواجهة المرض والضعف البشري.
​في الثقافة الشامية والعربية التي تُعلي من شأن التجلد والكتمان، يحرص الإنسان دوماً على ستر هشاشته، متدثراً بـ "جوخته الاجتماعية" من الصمت والوقار ليحفظ ماء وجهه ولا يبدو منكسراً أمام محيطه. لكن الوجع العضال، مثله مثل سياط ذلك الجلاد، لا يقيم وزناً للمظاهر ولا للأردية الفاخرة. فحين يشتد المرض إلى حد يفوق طاقة الجسد، تسقط كل الحواجز المصطنعة، وتنهار القدرة على التجمل والتصنع، فيفيض الأنين صريحاً عارياً.
​حينها يُقال عن المريض المنهك إنه «يصيح ويقول يا جوختي»، لا انتقاصاً من صبره، بل إقراراً مؤثراً بلحظة الانكسار البشري الصادقة؛ اللحظة التي يرفع فيها الإنسان راية العجز، ويتخلى عن كل أردية الوقار أمام سطوة الألم المطلق.
​بين الجوخة المستوردة لفرض الهيبة، والجوخة الاجتماعية التي نستر بها ضعفنا، يبقى الألم الميزان الذي تتساوى عنده الرقاب



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الذكرى الثانية عشرة لرحيل سميح القاسم: حوارية الرفض بين ق ...
- قراءة سابرة لخطوات القائد الشيوعي سعيد مضية التي غمرتها الرم ...
- حلف مكة: إعادة إنتاج التبعية ومنع فرض توازنات إقليمية جديدة
- في عيد ميلادي الثاني والسبعين
- لا تحفروا لي قبراً: الذكرى الخامسة والخمسون لاستشهاد القائد ...
- مائة عام على ميلاد القائد الشيوعي البارز فائق ورّاد من البرل ...
- -سندكة- المؤن: مقاربة لغوية وتداولية في قاموس اللجوء
- الدلالات المعجمية والبراغماتية لعبارة -تكسي اسكارسا- ​
- عمرٌ واحدٌ أم عُمران والشمس والقمر يحسبان؟
- محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان
- قراءة لغوية نفسية في رواية روبنسون كروزو: اللغة كأداة للهيمن ...
- حملة مكافحة الفساد في العراق بين فك الاشتباك السياسي وتصفية ...
- إن غدا لناظره قريب وسيسقط اتفاق الإطار كما سقط اتفاق 17 أيار
- الذكرى السابعة والستون لاستشهاد فرج الله الحلو: الأيقونة الت ...
- ستارمر يستقيل قبل أن تتحرك بوارجه نحو هرمز
- مشاركة أكاديمية وسياسية واسعة في فعالية اليوم العالمي للحوار ...
- سيرة كلمة: -بنك- وعطلة البنوك
- تأملات فلسفية لمرآة جندرية
- قراءة لغوية تداولية في قصيدة ظفر الرهان للشاعر محمد خالد الن ...
- ألبانيا تنتفض ضد استعمار رأس المال وجرافات كوشنير


المزيد.....




- كندا تفرض رسوماً جمركية -انتقامية- على سلع أمريكية بقيمة 20 ...
- ترامب يحيل اتفاقا نوويا مع السعودية إلى الكونغرس ويربط تنفيذ ...
- احتلال الزمان.. كم الساعة الآن وفق توقيت الحاجز؟
- على وقع التصعيد.. زيلينسكي يراهن على دور صيني لإنهاء الحرب
- -بلومبرغ -: إدارة دونالد ترامب تدرس تشديد الرسوم الجمركية عل ...
- فضيحة تهز كرة الماء الأمريكية.. نجل مخرج هوليوودي يواجه اتها ...
- البنتاغون: الذكاء الاصطناعي سيمكّن الولايات المتحدة من الانت ...
- الخارجية الروسية: تحركات الغرب في أوكرانيا تهدد السلام والأم ...
- دميترييف: تصريحات فيدوروف حول خسارة كييف مرآة للواقع
- تصعيد إسرائيلي واسع .. عشرات الغارات والقذائف تستهدف بلدات و ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جهاد حمدان - يا جوختي: من سياط سرايا العُصملي إلى أنين المرض وعري الوجع