أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جهاد حمدان - في الذكرى الثانية عشرة لرحيل سميح القاسم: حوارية الرفض بين قصيدتيْ تقدّموا (سميح القاسم) وتغوّلوا تطرّفوا (جهاد حمدان)















المزيد.....

في الذكرى الثانية عشرة لرحيل سميح القاسم: حوارية الرفض بين قصيدتيْ تقدّموا (سميح القاسم) وتغوّلوا تطرّفوا (جهاد حمدان)


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 00:48
المحور: كتابات ساخرة
    


في الذكرى الثانية عشرة لرحيل الشاعر الكبير سميح القاسم، الذي غادر عالمنا في التاسع عشر من آب عام 2014، تعود إلى الذاكرة والوجدان أيقونته الخالدة "تقدّموا"، التي حفرت مكانها عميقاً في الوجدان الفلسطيني والعربي كصرخة تحدٍّ عصيّة على الانكسار. اليوم، وفي ظل ما تشهده غزة من إبادة ومحاولات لاقتلاع الوجود، لم أجد خيراً من استحضار روح تلك القصيدة، لا للرثاء، بل للاشتباك معها نصياً وموضوعياً، في محاولة لتأكيد أن قصيدة المقاومة تتنفس من رئة واحدة، وأن الجرح الفلسطيني يتناسل شعراً كما يتناسل صموداً.
من هنا، وُلدت قصيدتي "تغوّلوا ... تطرّفوا"، التي نُشرت في "المجلة الثقافية" الصادرة عن الجامعة الأردنية في عددها الخامس والسبعين عام 2009، لتأتي مؤسسةً على تناصٍّ واعٍ، خفيٍّ وجليّ، مع قصيدة القاسم. لم يكن هذا التناص محض استعارة لفظية، بل كان حواريةً قصدتُ من خلالها البناء على صرخته الأولى، وإعادة صياغتها لتلائم وحشية اللحظة الراهنة.
فعل الأمر: من التحدي المباشر إلى المفارقة الساخرة في "تقدّموا"، استخدم القاسم فعل الأمر لاستدراج العدو إلى حتفه الأخلاقي والمادي، متحدياً آلة البطش بأن تتقدم لتواجه إرادة الحياة. أما في "تغوّلوا... تطرّفوا"، فقد انزاح فعل الأمر نحو مفارقة أكثر سخرية ومرارة. لم يعد الأمر مقتصراً على استدعاء المواجهة، بل صار دعوة متهكمة للعدو لممارسة أقصى درجات توحشه ("دماؤنا شرابكم / ولحمنا شواؤكم / لا توقفوا العدوان حتى تشبعوا"). هو خطاب تعرية، يدرك فيه الضحية أن تغوّل الجلاد لن يمنحه نصراً، بل سيعجّل في سقوطه الأخلاقي والتاريخي.
المعجم اللفظي وإيقاع المحو لقد التقطتُ في قصيدتي الخيط الإيقاعي والدلالي لأفعال الهدم التي وظفها القاسم حين قال: (وهددوا / وشردوا / ويتموا / وهدموا). وبنيتُ عليها معجماً لفظياً يوثّق فظائع العصر الحالي في غزة، عبر التناص الجلي في المقطع: (ويتّموا ورمّلوا / وقطّعوا أطرافنا / بل واسملوا عيوننا / ودمّروا ... وشرّدوا). هذا التناص يحمل دلالة واضحة: أدوات الجلاد لم تتغير منذ عقود، ولذلك فإن لغة الصمود لم تتبدل، بل اتسعت مفرداتها لتشمل كل أشكال الإبادة الحديثة.
ثنائية الزمان والمكان: المتجذّر مقابل العابر من أكثر المحطات التي حرصتُ على محاورتها في نص القاسم، هي تلك المقاربة الفلسفية للزمان والمكان. يبني القاسم حائطاً حتمياً يفصل بين صاحب الأرض وعابرها بقوله: طريقكم ورائكم/ وغدكم ورائكم ... ولم يزل أمامنا / طريقنا / وغدنا. وفي قصيدتي، أعدتُ صياغة هذه الثنائية الهندسية (نحن وهم) لتأكيد ذات الحتمية: أمامنا أيّامنا / وخلفنا آلامنا / أمامكم سوادكم / وما تبدى خلفكم ... لجوؤنا .. وبطشكم. ثم مضيتُ بهذا التناص إلى مساحة أبعد، تتعلق بالهوية اللغوية والثقافية، جاعلاً من الأبجدية ذاتها خندقاً للمقاومة: وبين بحرنا ونهرنا / بلادُنا وضادنا / جمالنا وقبحكم / وحاؤنا وخاؤكم، فالصراع ليس على الجغرافيا وحدها، بل هو صراع حضاري ينفي فيه الأصيلُ كلَّ زيفٍ طارئ.
الخاتمة وعقيدة اللااستسلام في نهاية المطاف، تلتقي القصيدتان عند نتيجة حتمية واحدة. عند سميح القاسم تتجلى في قوله القاطع: لن تكسروا أعماقنا / لن تهزموا أشواقا.ا وفي "تغوّلوا"، أردتُ لهذه الروح أن تستمر وتتوهج، مختتماً القصيدة بتأكيد استحالة كسر الإرادة الفلسطينية، مهما تمادى العدو في تطرفه: لكنّكم لن تفلحوا / في نزع حتى ذرّة من حقدنا... ففي شعاع شمسنا / عزيمة لا تضعف.
وقبل أن أختم هذه المقاربة، أضع بين أيديكم القصيدتين، لتقرأوهما معاً، كنصين ينبضان بقلب واحد:
القصيدة الأولى: تغوّلوا ... تطرّفوا (جهاد حمدان)
تغوّلوا ... تطرّفوا
أقولها وأهتف
فغزّةٌ وأهلها
طرائدٌ فقتّلوا
ويتّموا ورمّلوا
وقطّعوا أطرافنا
بل واسملوا عيوننا
وقعقعوا ... وقهقهوا
دماؤنا شرابكم
ولحمنا شواؤكم
لا توقفوا العدوان حتى تشبعوا
وتأخذوا ما شئتموا ... لحماً ... دماً وترحلوا
تغوّلوا ... توحشّوا
تسللوا ... وفتشوا
بيوتنا ... صدورنا
لكنّكم لن تفلحوا في نزع حتى ذرّة من حقدنا
أو قتل حلم صاغه أجدادنا
أمامنا أيّامنا
وخلفنا آلامنا
أمامكم سوادكم
وما تبدى خلفكم ... لجوؤنا .. وبطشكم
وبين بحرنا ونهرنا
بلادُنا وضادنا
جمالنا وقبحكم
وحاؤنا وخاؤكم
ففاخروا بزيفكم
ودمّروا ... وشّردوا
بل واعصروا تاريخكم
واسترجعوا شمشونكم
وجهزّوا فسفوركم
وقاذفات حقدكم
وحاملات موتكم
كاديمكم ... ليكودكم
ثم اعلنوا انتصاركم
صلبتم المسيح ألف مرةٍ
على جدار بيتنا
نشرتم الغربان في أجوائنا
روّعتم الأسماك في مياهنا
فأيّ نوع من دواب الأرض تمشي بيننا؟
تغوّلوا ... تطرّفوا
لا ترحموا الأطفال والنساء والشيوخ إنْ
توسّلت عيونهم واستعطفوا
فزتم على جلادكم
مرحى لإنجازاتكم
لزهْوكم ... وجندكم
لدوس نملة صغيرة
أبت أن تنحني لفيلكم
لبتر ساق نخلة شجاعة
علت على قاماتكم
لقصف عمر زهرة جميلة
أحلامها تخيفكم
فليخسأ الفاشست ... فالأبطال همْ
أنتم ... ومن يعش من نسلكم
تغوّلوا ... تطرفوا
لكنكم لن تفلحوا
ففي شعاع شمسنا
عزيمة لا تضعف.
القصيدة الثانية: تقدموا (سميح القاسم)
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم
تقدموا
يموت منا الطفل والشيخ
ولا يستسلم
وتسقط الأم على أبنائها القتلى
ولا تستسلم
تقدموا
تقدموا
بناقلات جندكم
وراجمات حقدكم
وهددوا
وشردوا
ويتموا
وهدموا
لن تكسروا أعماقنا
لن تهزموا أشواقنا
نحن القضاء المبرم
تقدموا
تقدموا
طريقكم ورائكم
وغدكم ورائكم
وبحركم ورائكم
وبركم ورائكم
ولم يزل أمامنا
طريقنا
وغدنا
وبرنا
وبحرنا
وخيرنا
وشرنا
فما الذى يدفعكم
من جثة لجثة
وكيف يستدرجكم
من لوثة للوثة
سفر الجنون المبهم
تقدموا
وراء كل حجر كف
وخلف كل عشبة حتف
وبعد كل جثة فخ جميل محكم
وان نجت ساق يظل ساعد ومعصم
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم
تقدموا
تقدموا
حرامكم محلل
حلالكم محرم
تقدموا بشهوة القتل التي تقتلكم
وصوبوا بدقة لا ترحموا
وسددوا للرحم
ان نطفة من دمنا تضطرم
تقدموا كيف اشتهيتم
واقتلوا
قاتلكم مبرأ
قتيلنا متهم
ولم يزل رب الجنود قائما وساهرا
ولم يزل قاضي القضاة المجرم
تقدموا
تقدموا
لا تفتحوا مدرسة
لاتغلقوا سجنا
ولاتعتذروا
لا تحذروا
لاتفهموا
اولكم
آخركم
مؤمنكم
كافركم
ودائكم مستحكم
فاسترسلوا واستبسلوا
واندفعوا وارتفعوا
واصطدموا وارتطموا
لاخر الشوق الذي ظل لكم
واخر الحبل الذي ظل لكم
فكل شوق وله نهاية
وكل حبل وله نهاية
وشمسنا بداية البداية
لا تسمعوا
لا تفهموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل ارض تحتكم جهنم
تقدموا
تقدموا
لا خوذة الجندي
لا هراوة الشرطي
لا غازكم المسيل للدموع
غزة تبكينا
لانها فينا
ضراوةا لغائب في حنينه الدامي للرجوع
تقدموا
من شارع لشارع
من منزل لمنزل
من جثة لجثة
تقدموا
يصيح كل حجرمغتصب
تصرخ كل ساحة من غضب
يضج كل عصب
الموت لا الركوع
موت ولا ركوع
تقدموا
تقدموا
ها هو قد تقدم المخيم
تقدم الجريح
والذبيح
والثاكل
والميتم
تقدمت حجارة المنازل
تقدمت بكارة السنابل
تقدم الرضّع
والعجّز
والأرامل
تقدمت أبواب جنين ونابلس
أتت نوافذ القدس
صلاة الشمس
والبخور والتوابل
تقدمت تقاتل
تقدمت تقاتل
لا تسمعوا
لا تفهموا
تقدموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة سابرة لخطوات القائد الشيوعي سعيد مضية التي غمرتها الرم ...
- حلف مكة: إعادة إنتاج التبعية ومنع فرض توازنات إقليمية جديدة
- في عيد ميلادي الثاني والسبعين
- لا تحفروا لي قبراً: الذكرى الخامسة والخمسون لاستشهاد القائد ...
- مائة عام على ميلاد القائد الشيوعي البارز فائق ورّاد من البرل ...
- -سندكة- المؤن: مقاربة لغوية وتداولية في قاموس اللجوء
- الدلالات المعجمية والبراغماتية لعبارة -تكسي اسكارسا- ​
- عمرٌ واحدٌ أم عُمران والشمس والقمر يحسبان؟
- محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان
- قراءة لغوية نفسية في رواية روبنسون كروزو: اللغة كأداة للهيمن ...
- حملة مكافحة الفساد في العراق بين فك الاشتباك السياسي وتصفية ...
- إن غدا لناظره قريب وسيسقط اتفاق الإطار كما سقط اتفاق 17 أيار
- الذكرى السابعة والستون لاستشهاد فرج الله الحلو: الأيقونة الت ...
- ستارمر يستقيل قبل أن تتحرك بوارجه نحو هرمز
- مشاركة أكاديمية وسياسية واسعة في فعالية اليوم العالمي للحوار ...
- سيرة كلمة: -بنك- وعطلة البنوك
- تأملات فلسفية لمرآة جندرية
- قراءة لغوية تداولية في قصيدة ظفر الرهان للشاعر محمد خالد الن ...
- ألبانيا تنتفض ضد استعمار رأس المال وجرافات كوشنير
- قراءة لسانية رمزية في قصيدة -وشمٌ في القلب- للشاعر نضال برقا ...


المزيد.....




- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جهاد حمدان - في الذكرى الثانية عشرة لرحيل سميح القاسم: حوارية الرفض بين قصيدتيْ تقدّموا (سميح القاسم) وتغوّلوا تطرّفوا (جهاد حمدان)