جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 22:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في خضم الحرب العدوانية التي تشنها الإمبريالية الأمريكية ضد إيران، وتداعياتها العسكرية والسياسية على المنطقة توقع المراقبون مساراً مغايراً تماماً لما شهدناه اليوم السابع من آب 2026 عبر القمة الثلاثية السعودية-التركية-الباكستانية. فبدلًا من أن تتجه الديناميكيات الإقليمية نحو تصعيد الضغوط السياسية والشعبية لإجلاء القواعد العسكرية الأجنبية كنتيجة حتمية وطبيعية للدور التدميري الذي لعبته في تيسير العدوان. وبدلًا من أن تنتهز حكومات الخليج، وفي مقدمتها السعودية، هذه اللحظة الفارقة لفك ارتباطها العضوي مع واشنطن وتأسيس علاقات حُسن جوار مع طهران، خرجت علينا الدول الثلاث بما سُمي باتفاقية الدفاع المشترك، التي وسّعت اتفاقية ثنائية قائمة بضم تركيا إليها.
إن هذه الاتفاقية، التي يجب أن تُطلق عليها تسميتها الحقيقية "حلف مكة"، ليست صحوة سيادية خليجية أو هبّة إسلامية، بل هي محاولة جدية لإعادة خلط الأوراق تأتي بوجود عسكري تركي وباكستاني إلى السعودية، وربما الخليج لاحقاً، لتعمل كطوق نجاة ينقذ الإدارة الأمريكية المأزومة ويخفف من وطأة فشلها في تحقيق أهدافها. ورغم ادعاء أطراف الحلف أنه دفاعي، إلا أن طبيعة علاقات التبعية القائمة بين دول الحلف من جهة والولايات المتحدة والناتو من جهة أخرى تدفعنا إلى الشك في أن الحلف سينهض بمهمات دفاعية فقط. هذا ولم يُشر بيان الحلف إلى أنّ مهماته تشمل التصدي للأطماع والمخططات الصهيونية في الشرق الأوسط ومنه الخليج. علاوة على ذلك، فإن هذا الاصطفاف يحمل مخاطر حقيقية لجهة تعميق مسار الاستقطاب في المنطقة على أساس مذهبي (سني - شيعي).
التنازل التكتيكي: ستار دخاني لتخفيف وطأة الهزيمة الإمبريالية
قد تحاول الماكينة الإعلامية الإمبريالية تصوير هذا الحلف كإعادة تموضع أو تنازل تكتيكي أمريكي ورغبة في تقاسم الأعباء، لكن القراءة المادية للأحداث تؤكد أن هذا التنازل ليس خياراً استراتيجياً طوعياً يعكس مرونة الهيمنة، بل هو محاولة يائسة لتخفيف وطأة الهزيمة المدوية التي لحقت بالإمبريالية الأمريكية بعد أن تحطمت أهدافها الرئيسية على صخرة الوقائع الميدانية.
لقد فشلت واشنطن فشلاً ذريعاً في تحقيق هدفها المركزي المتمثل في إسقاط النظام الإيراني، وعجزت آلتها العسكرية والتكنولوجية المتطورة عن تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية. بل على النقيض من ذلك، أثبتت مجريات الحرب أن هذه القوة الصاروخية نجحت بجدارة في شلّ قدرة القواعد العسكرية الأمريكية المتناثرة في المنطقة، وتحييد فاعليتها الاستراتيجية، وإسقاط هيبة الردع الغربي.
وأمام هذا العجز الميداني والشلل العملياتي، جاء حلف مكة ليوفر غطاءً إقليمياً يتيح للإدارة الأمريكية التواري خلف حلفائها، وتقليص خسائرها المباشرة، وستر هزيمتها وانكشافها العسكري، تاركةً القوى الإقليمية التابعة في مواجهة عارية لامتصاص ارتدادات هذا الفشل التاريخي، مع احتفاظ واشنطن بقواعدها في البحرين والإمارات والكويت والأردن.
حلف مكة: محاولة مفضوحة لإعادة إنتاج حلف مقبور
لا يمكن قراءة هذا التحالف خارج سياقه التاريخي؛ فهو يعيد إلى الأذهان فوراً حلف بغداد الرجعي في خمسينيات القرن الماضي (1955) الذي قادته بريطانيا وضم في عضويته، ويا للمفارقة، تركيا وباكستان إلى جانب العراق وإيران الشاه، للوقوف كحائط صد أمام المد الثوري وحركات التحرر الوطني التي قادتها مصر بزعامة جمال عبد الناصر آنذاك.
اليوم، يتكرر المشهد؛ القوتان الإقليميتان غير العربيتين ذاتهما (تركيا وباكستان) تعودان لتلعبا دور رأس الحربة، مع استبدال العراق بالسعودية كمركز ثقل مالي وجغرافي. أما الهدف الوظيفي فلم يتغير: حماية المصالح الإمبريالية والصهيونية في الشرق الأوسط مع دور مهم لدولة الكيان منسق مع تركيا، وعمل حثيث لإعادة الزخم للاتفاقيات الإبراهيمية، ومحاصرة أي مشروع عربي أو إقليمي قد يهدد هذه المصالح.
غياب مصر: أولويات الأمن القومي وحسابات المصالح
يبرز هنا بوضوح نأي مصر بنفسها عن الانخراط في هذا الحلف، رغم علاقاتها الوطيدة مع السعودية وعلاقاتها المتنامية في المجالات المختلفة ولا سيما العسكرية مع تركيا. ويبدو أنّ ذلك يعود إلى أن اهتماماتها الراهنة منصبة على مواجهة المخاطر على أمنها القومي المتمثلة في الأوضاع غير المستقرة في ليبيا غربا، والسودان جنوبا، فضلاً عن التوتر الذي تشيعه إثيوبيا في المنطقة بسبب سد النهضة. إلى جانب أنّ لمصر تواجداً عسكرياً في دولة الإمارات وليس من المعقول أن تعرض هذه العلاقة للخطر بالانضمام إلى حلف مكة دون حساب دقيق لمجمل مصالحها.
إدارة مأزق التراجع وتأزيم مخرجات ما بعد الحرب
إن توقيت إعلان الحلف سيترك تداعيات معقدة على مسار العدوان ومآلاته. فالأمر هنا لا يتعلق بالضرورة بإطالة أمد الحرب المفتوحة، فالإدارة الأمريكية نفسها باتت تدرك أنها لم تعد قادرة على تحمل التكلفة الباهظة لهذا الاستنزاف العسكري والاقتصادي، ولا تمتلك القدرة على الاستمرار في حرب لا يمكن حسمها في أشهر أو سنوات. بل يأتي هذا الحلف كأداة لـتقليل الخسائر وإدارة الأزمة وتأمين خطوط التراجع الأمريكي.
كانت كل الاستخلاصات تشير إلى أنّ واشنطن تجد نفسها رويدا رويدا مجبرة على العودة إلى مذكرة التفاهم مع إيران وما ينطوي عليه ذلك من انسحاب أو انكفاء فوضوي يترك حلفاءها مكشوفين تماماً. لذا، فإن دخول القوات التركية والباكستانية إلى مسرح العمليات أو التهديد بذلك قد يعمل كمصدّات إقليمية تملأ الفراغ، وتمهد لمحاولة خروج أمريكي يحفظ ماء الوجه، ولا يستبعد العودة إلى الفعل العدواني.
ولكن ينبغي التأكيد على أن قدرة أطراف الحلف على تنفيذ التزاماتها بموجبه ليست مضمونة تماماً. فالعلاقات الخارجية للدول الثلاث، على ما بينها من تقاطعات في عدد من الملفات، ليست متطابقة حيال جميع الملفات، ولكل دولة اعتباراتها للتوازنات الإقليمية والدولية التي قد لا تنسجم مع اعتبارات الدولتين الأخريتين، بما في ذلك الموقف تجاه الملف الإيراني، وحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، والعلاقات الهندية الأمريكية.
نعي الوساطة الباكستانية: الانزلاق نحو الخندقة
لطالما حاولت إسلام آباد، بحكم جغرافيتها المعقدة وتركيبتها الديموغرافية، لعب دور "الوسيط الموثوق" بين الرياض وطهران عبر القنوات الخلفية بل وبين إيران وأمريكا على الملأ. غير أن انخراطها المباشر في هذا الحلف قد يعقد هذه الوساطة، إذ لا يمكن لباكستان أن تستمر طويلا في ادعاء الحياد أو التوسط في صراع إقليمي بينما تنشر قواتها لتمثل درعاً واقياً للخاصرة الخليجية في ذروة حرب أمريكية على إيران. هذا الاصطفاف العسكري الفج يحول إسلام آباد من وسيط محتمل إلى طرف أصيل في الاستقطاب، بل وإلى أداة وظيفية تساهم في إحكام الطوق الجيوسياسي حول إيران، مما سيستفز طهران ويدفعها للتعامل مع التوجهات الباكستانية كجزء من المنظومة المعادية.
الموقف الإيراني: تقييم الاتفاق وتغيير قواعد الاشتباك
جاء الموقف الإيراني ليعكس توازناً دقيقاً بين الثقة السياسية والوعي الصارم بتعقيدات الميدان. فعلى الصعيد الرسمي، قللت طهران من القيمة الاستراتيجية للحلف الجديد، حيث تمثّل الرد الأولي بتصريحات حازمة من إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، الذي وصف الاتفاقية بأنها مجرد "اتفاق على الورق" لن يجلب الأمن للسعودية. ووجّه رضائي خطاباً مباشراً وواضحاً للرياض قائلاً: "غيّروا سياساتكم، حتى لا تضطروا إلى التوسل للآخرين من أجل توفير الأمن لكم"، معتبراً أن عقوداً من الاعتماد أحادي الجانب على الأمريكيين لم تحقق لها الأمن سابقاً، فكيف بقوى إقليمية أخرى.
إنّ هذا الاصطفاف غير البريء ينطوي على تغيير لمعادلات الردع وقواعد الاشتباك. فأي غطاء عسكري يوفره التواجد التركي أو الباكستاني لحماية البنية التحتية التي تستخدمها القواعد الأمريكية، سيجعل من قوات حلف مكة على الأرض امتداداً للتهديد وهدفاً عسكرياً محتملاً لإيران، الأمر الذي ينذر بتوسيع رقعة المواجهة، وتوريط قوى إقليمية وازنة في مسار صراع سيقود حتماً إلى زعزعة استقرار المنطقة بأسرها بدل حمايتها.
وفي التحليل النهائي، إن بناء الاستقرار في المنطقة لا يتم عبر جرها إلى أحلاف جديدة تستنسخ أحلافاً مقبورة، بل عبر تفاهمات إقليمية بين دول الخليج وإيران، مبنية على تعظيم المصالح المشتركة واحترام سيادة شعوبها. وهذا كله لا يمكن أن يتحقق دون إجلاء القواعد الأجنبية عن المنطقة بشكل كامل، وتوقف أمريكا وربيبتها، دولة الكيان، عن دق طبول الحرب. ويتطلب ذلك بشكل حتمي انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني من لبنان ومن غزة، وتوفير فرص حقيقية في إطار المجتمع الدولي لإعادة إعمار غزة بأيدي أبنائها وتحت قيادتهم، وكذلك إعمار الجنوب اللبناني في ظل حماية لبنان وصون وحدته واستقلاله. إن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ، ويبدأ بقطع دابر التبعية وكنس الهيمنة الإمبريالية والصهيونية.
#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)
Jihad_Hamdan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟