جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 02:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم يكن يخطر ببال طلبة المدارس الثانوية في الضواحي الباريسية، عندما شرعوا في إغلاق أبواب مدارسهم في النصف الثاني من أيلول الماضي احتجاجًا على نقص المعلمين وتردّي المرافق التعليمية واكتظاظ الصفوف، أنهم سيطلقون شرارة حركة احتجاجية واسعة تعيد إلى الأذهان انتفاضة أيار 1968، وتضع الحكومة الفرنسية أمام اختبار سياسي واجتماعي جديد، عشية الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027. فما بدأ احتجاجًا على أوضاع التعليم سرعان ما تجاوز أسوار المدارس والجامعات ليشمل المعلمين وأولياء الأمور والنقابات العمالية، وليفتح نقاشًا وطنيًا حول العدالة الاجتماعية ومستقبل الخدمات العامة وأولويات الإنفاق الحكومي، في بلد يواجه أزمة مالية وسياسية متشابكة. وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 256 ألفًا، بينما رفع المنظمون العدد إلى 450 ألفًا. وعلى الرغم من التفاوت بين الرقمين، فإن حجم المشاركة يؤكد أن المسألة لم تعد تتعلق بمطالب فئوية محدودة، بل بأزمة تتجاوز قطاع التعليم إلى علاقة الدولة بالمجتمع، وبخاصة الأجيال الشابة التي تشعر بأن المستقبل الذي تعدها به المؤسسات القائمة لا يتناسب مع التضحيات المطلوبة منها.
ولعل ما يميز هذه الاحتجاجات أنها انطلقت من مطالب بسيطة ومشروعة: توفير المعلمين، وتعويض الغائبين منهم، وتخفيف اكتظاظ الصفوف، وترميم المباني المدرسية، وتحسين ظروف الدراسة. فقد تبيّن وجود مدارس تفتقر إلى التجهيزات الأساسية، وصفوف تضم أكثر من خمسة وثلاثين طالبًا، ومؤسسات تعاني تسرب المياه وتدهور المرافق، فضلًا عن جداول دراسية مرهقة تمتد أحيانًا من الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً.
لكن هذه المظاهر ليست سوى الوجه المرئي لأزمة أعمق. فالتعليم العام، الذي شكّل تاريخيًا إحدى الركائز الأساسية للجمهورية الفرنسية وأداة للارتقاء الاجتماعي، بات يعكس بدرجات متفاوتة التناقضات الطبقية القائمة في المجتمع. فطلبة الضواحي الشعبية والمناطق الأقل دخلًا لا يتمتعون دائمًا بالشروط التعليمية نفسها المتاحة لأبناء الأحياء الميسورة. وحين يصبح المستوى الاجتماعي للأسرة عاملًا مؤثرًا في نوعية التعليم وفرص النجاح، تتراجع قدرة المدرسة على أداء دورها المفترض في الحد من الفوارق الاجتماعية.
وتتداخل أزمة التعليم مع مشكلات اقتصادية واجتماعية أوسع، تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، والقلق من البطالة وصعوبة الاندماج في سوق العمل، فضلًا عن تراجع الثقة بقدرة الدولة على ضمان مستقبل مستقر للأجيال الجديدة. ومن هنا يمكن فهم انتقال الحركة من المطالبة بتحسين ظروف الدراسة إلى مساءلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد توزيع الموارد العامة.
وقد حاولت التنظيمات الطلابية تحويل هذه المطالب إلى برنامج مشترك، فأعلنت أرضية تتضمن عشرة إجراءات عاجلة للشباب، تشمل زيادة الموارد المخصصة للتعليم، وتحسين ظروف الدراسة والعمل، وتوفير الدعم الاجتماعي والسكن الجامعي، وإتاحة الوجبات الجامعية منخفضة التكلفة، وإصلاح نظام القبول الجامعي المعروف باسم «باركورسوب»، الذي يتعرض لانتقادات واسعة.
وقدّرت بعض التنظيمات الطلابية كلفة الاستجابة لهذه المطالب بنحو عشرة مليارات يورو، وهو مبلغ يضع الحكومة أمام سؤال يتجاوز قطاع التعليم: كيف توزع الدولة مواردها، وما الأولويات التي ينبغي أن تحكم الإنفاق العام؟ وهنا تبرز إحدى المفارقات الأساسية. فالحكومة مطالبة من المؤسسات المالية والأسواق بخفض الإنفاق وضبط الموازنة، بينما تطالب قطاعات اجتماعية واسعة بزيادة الاستثمار في التعليم والصحة والخدمات العامة. ولا يتعلق الخلاف بحجم الموارد وحده، بل يتصل أيضًا بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد كيفية توزيع الأعباء والمنافع بين الفئات المختلفة. وهكذا، تعكس الاحتجاجات توترًا بين متطلبات الانضباط المالي ومطالب العدالة الاجتماعية، وهو توتر لم تنجح الحكومات الفرنسية المتعاقبة في تجاوزه.
وقد وجدت حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فهي لم تنكر مشروعية المطالب المتعلقة بنقص المعلمين وتدهور الأبنية المدرسية، ولكنها لم تقدم حتى الآن برنامجًا ماليًا واضحًا يلبي توقعات المحتجين. وفي خطاب ألقاه في السابع من تشرين الأول، أقرّ لوكورنو بأن غضب الشباب ليس بلا أسباب، وأعلن إطلاق خمسة مسارات لمعالجة الأزمة، متعهدًا بتقديم قرارات أولية قبل نهاية الشهر.
كما أعلن وزير التربية إدوار جيفري إجراءات عاجلة لتحسين تعويض المعلمين الغائبين، ومراجعة الجداول الدراسية، والنظر في تعديل نظام القبول الجامعي. غير أن التنظيمات الطلابية اعتبرت هذه الوعود غير كافية، مؤكدة أن الأزمة تحتاج إلى التزامات مالية وإصلاحات ملموسة، لا إلى إجراءات إدارية وحوارات مفتوحة النتائج.
وزاد التعامل الأمني مع الاحتجاجات من تعقيد المشهد. فقد شهدت بعض التظاهرات مواجهات بين الشرطة والمحتجين، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع ووسائل تفريق الحشود، فيما تجاوز عدد الموقوفين منذ بداية الحركة 6000 شخص، غالبيتهم من القاصرين. وأثارت إصابة طالب في الخامسة عشرة بجروح بالغة أدت إلى فقدان إحدى يديه، نتيجة انفجار قنبلة استخدمتها الشرطة، موجة استنكار واسعة دفعت وزارة الداخلية إلى تعليق استخدام هذا النوع من القنابل.
وفي المقابل، أعلنت السلطات تعرض مدارس ومرافق عامة لأعمال تخريب، وأكدت ضرورة حماية المؤسسات التعليمية وضمان استمرار الدراسة. ولم يكن ممكنًا أن تبقى الأحزاب السياسية خارج هذا المشهد، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. فقد أعلن حزب «فرنسا الأبية»، بقيادة جان لوك ميلانشون، دعمه للاحتجاجات، وانتقد الإجراءات الأمنية، معتبرًا أن الأزمة تعكس نتائج السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات المتعاقبة. كما أبدت الأحزاب الاشتراكية والشيوعية والخضر تضامنها مع المطالب الطلابية، ودعت إلى التحقيق في حوادث استخدام القوة وزيادة الموارد المخصصة للتعليم العام.
أما الحزب الشيوعي الفرنسي، فقد ربط الأزمة بالدفاع عن الخدمات العامة والحقوق الاجتماعية، معتبرًا أن الاستجابة للمطالب التعليمية تتطلب مراجعة الأولويات الاقتصادية والمالية. وفي المقابل، ركز اليمين المتطرف، ممثلًا في حزب «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان، على أعمال العنف والتخريب وضرورة استعادة النظام العام، بينما اتهمت الحكومة بعض قوى المعارضة، ولا سيما فرنسا الأبية، باستغلال الاحتجاجات لأغراض سياسية وانتخابية.
وتعكس هذه المواقف اختلافًا في تفسير الأزمة وأولويات معالجتها. فاليسار يركز على التفاوت الاجتماعي والخدمات العامة والحريات، بينما يمنح اليمين المتطرف الأولوية للأمن والنظام، وتحاول الحكومة التوفيق بين الاستجابة الجزئية للمطالب والمحافظة على سياستها المالية. ومع ذلك، فإن الحركة الطلابية لا يمكن اختزالها في مواقف الأحزاب، إذ تحتفظ بخصوصيتها التنظيمية والمطلبية، وإن كانت تتأثر بالمناخ السياسي العام.
ولعل أكثر ما يستوقف المتابع هو المقارنة بين هذه الاحتجاجات وانتفاضة أيار 1968 ذات المكانة الاستثنائية في الذاكرة السياسية والاجتماعية الفرنسية. فقد بدأت تلك الانتفاضة من الجامعات احتجاجًا على القيود الجامعية والتقاليد الاجتماعية والسلطة الأبوية، وتداخلت فيها المطالب الطلابية مع رفض الحرب الأمريكية في فيتنام، وانتقاد الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية، والتطلع إلى تغييرت اجتماعية وسياسية جذرية.
لكن الحدث الذي منح انتفاضة 1968 طابعها التاريخي كان انتقالها من الجامعات إلى المصانع ومواقع العمل، حيث شارك ملايين العمال في إضراب عام شلّ قطاعات واسعة من الاقتصاد الفرنسي، ووضع نظام الرئيس شارل ديغول أمام أزمة سياسية عميقة. ولم تكن تلك الحركة مجرد احتجاج على ظروف التعليم أو العمل، بل حملت طموحات ثقافية واجتماعية وسياسية تجاوزت مطالب الإصلاح الجزئي إلى مساءلة أنماط السلطة والقيم السائدة.
أما الاحتجاجات الراهنة، فقد بدأت من المدارس الثانوية، ثم وصلت الجامعات، وتتمحور مطالبها الأساسية حول تحسين التعليم العام وحماية الخدمات الاجتماعية. وهي، حتى الآن، لا تحمل مشروعًا موحدًا لتغيير النظام السياسي أو العلاقات الاجتماعية، كما لم تبلغ مستوى التعبئة العمالية الشاملة الذي شهدته فرنسا عام 1968.
ومع ذلك، فإن أوجه التشابه تستحق التأمل. ففي الحالتين برز الشباب قوة احتجاجية قادرة على تجاوز المؤسسات التقليدية، وأسهم التعامل الأمني في توسيع دائرة التضامن، وظهرت إمكانية التقاء المطالب الطلابية بمطالب العمال والنقابات. كما تكشف الحركتان عن فجوة بين الأجيال الشابة ومؤسسات الحكم، وإن اختلفت طبيعة هذه الفجوة بين مرحلة تاريخية وأخرى.
وثمة اختلاف جوهري آخر يتعلق بالسياق السياسي. فقد كانت فرنسا 1968 تعيش في ظل رئاسة ديغول ونظام سياسي يتمتع بقاعدة برلمانية قوية نسبيًا، بينما تواجه فرنسا اليوم حالة من الانقسام البرلماني وعدم الاستقرار الحكومي، تفاقمت منذ الانتخابات التشريعية المبكرة عام 2024. كما يواجه الاقتصاد الفرنسي الراهن قيودًا مالية وضغوطًا دولية تختلف عن ظروف النمو الاقتصادي التي سبقت انتفاضة الستينيات. لكن دروس الماضي تشير إلى أن الحركات التي تبدأ بمطالب محدودة قد تتسع عندما تجد قطاعات اجتماعية أخرى في تلك المطالب تعبيرًا عن مشكلاتها الخاصة.
وتزداد أهمية الاحتجاجات الراهنة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع 2027، التي تأتي في ظل استقطاب سياسي حاد، وصعود قوى اليمين المتطرف، وتنافس تيارات اليسار والوسط على تحديد مستقبل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
ومن شأن استمرار الاحتجاجات أن يبقي قضايا التعليم والخدمات العامة والحريات في صدارة النقاش السياسي، وأن يفرض على القوى المتنافسة تقديم تصورات واضحة لمعالجة الاختلالات الاجتماعية. لكن التأييد الشعبي للمطالب لا يعني بالضرورة تأييد استمرار الاحتجاجات أو انتقال هذا التأييد إلى حزب بعينه. فقد أظهر استطلاع للرأي أن 72 في المئة من المستطلعين يعتبرون مطالب الطلب مشروعة، بينما يرى 55 في المئة أن الاحتجاجات ينبغي أن تتوقف. ويكشف هذا التباين عن اتساع التعاطف مع المطالب، مقابل القلق من استمرار الاضطرابات.
أما مستقبل الحركة فمفتوحً على احتمالات متعددة. فقد تنجح الحكومة في احتوائها من خلال تقديم تنازلات مالية وإدارية ملموسة، وقد تتواصل التعبئة إذا اعتبر المحتجون الإجراءات المعلنة غير كافية. كما أن انضمام قطاعات عمالية واجتماعية جديدة يمكن أن يوسع نطاق الحركة ويمنحها مضمونًا يتجاوز التعليم، في حين قد يؤدي طول أمد الإغلاقات وتفاوت أولويات المشاركين إلى تراجعها تدريجيًا، من دون أن تختفي أسبابها الأساسية.
والعامل الحاسم هنا لا يتعلق بعدد التظاهرات وحده، بل بقدرة التنظيمات الطلابية والنقابية على المحافظة على وحدتها، وصياغة مطالب قابلة للتحقيق، وبناء تضامن اجتماعي واسع، فضلًا عن استعداد الحكومة للدخول في حوار جدي يفضي إلى نتائج ملموسة.
إن الاحتجاجات الطلابية الفرنسية ليست مجرد أزمة مدرسية عابرة، بل تعبير عن تناقضات اجتماعية واقتصادية تراكمت خلال سنوات. وتطرح، في جوهرها، سؤالًا يتعلق بمستقبل النموذج الاجتماعي الفرنسي: هل تستطيع الدولة المحافظة على دورها في ضمان التعليم والخدمات العامة وتكافؤ الفرص، أم أن الضغوط الاقتصادية ستؤدي إلى مزيد من التفاوت الاجتماعي وتراجع المكتسبات التي تحققت عبر عقود من النضال؟
قد لا تكون فرنسا على موعد مع أيار جديد، لكنها تواجه امتحانًا جديدًا لقدرتها على تجديد عقدها الاجتماعي، والاستجابة لتطلعات جيل يرفض أن يكون مستقبله أول ضحايا التقشف والأزمات الاقتصادية.
#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)
Jihad_Hamdan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟