أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جهاد حمدان - قراءة سياسية معاصرة في الرواية المحاربة -أفول القمر- لجون شتاينبك















المزيد.....

قراءة سياسية معاصرة في الرواية المحاربة -أفول القمر- لجون شتاينبك


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 18:52
المحور: الادب والفن
    


في أوج الحرب العالمية الثانية، اجتاحت النازية معظم أنحاء أوروبا. ولكن سرعان ما بدأت المقاومة المدنية والمسلحة تتصاعد خلف خطوط العدو. في هذا السياق كتب جون شتاينبك روايته القصيرة «أفول القمر» عام 1942، التي ألهمت المقاومة في غير مكان. ورغم أن اسم جيش الاحتلال لم يُذكر في الرواية، فإن تشابهه مع القوات النازية واضح لا لبس فيه. تدور الأحداث في بلدة وادعة وقعت تحت الاحتلال. كان شتاينبك واقعياً، فلم يُضْف على المقاومة طابعاً بطولياً عنيفاً، بل صورها بوصفها تحولا شعبيا من الخوف والارتباك إلى الكرامة والتحدي.
الكولونيل لانسر، قائد القوات الغازية، ضابط أنهكته الحروب، يزور في بداية الاحتلال عمدة البلدة أوردن بحضور طبيبها وينتر، ويهدده بشكل مبطن: «لقد تدربنا على خوض الحروب... لكني كنت أحب أن يمر هذا الأمر من دون سفك كثير للدماء». وهنا تتضح العقدة: فوحشية الاحتلال لا تمنح المحتلين سلطة حقيقية. «السلطة في هذه البلدة ليست شيئاً تحوزونه بالقوة. أنتم الغزاة، وأنا مازلت العمدة، ومن بيده السلطة المدنية والأخلاقية».
يمثل العمدة أوردن الضمير الأخلاقي للبلدة ووعيها . هادئ كريم النفس، راسخٌ لا يتزعزع ويرفض إضفاء الشرعية على الغزاة. وعندما يضغطون عليه للتعاون يجيب: «الناس لا يحبون أن يفكر أحد بدلاً عنهم». وحتى وهو يواجه الإعدام، يعلن: «أنا العمدة». إنها ليست وظيفة بل فكرة. كان يعرف أن موته لا يعد هزيمة، بل عودة السلطة إلى الشعب. لقد أدرك أن المقاومة الحقيقية تنبع من الشعب، وليس من الأفراد.
بدا السكان المحليون بعيد الاحتلال هادئين مترددين، ثم تحولوا إلى التحدي الصامت. ومن أولى علامات ذلك مقاومة النادل الذي كان يخدم الغزاة ببرود متعمد. وفي فعل بسيط لكنه مؤثر، بدأ يزيد كمية الملح في طعامهم، ليصبح لا يُحتمل، في إشارة إلى ازدراء المجتمع المتصاعد لهم. لقد كان صنيعه، رغم صغره، جزءاً من استراتيجية نفسية هدفها زعزعة ثقة المحتلين وإرباكهم. لقد أصبح الأداء الشكلي للطاعة قناعاً يخفي تحدياً متواصلاً، يتخذ شكل مقاومة صامتة مستمرة تنهك المحتل وتعزز هوية شعب تحت الحصار. آني، طاهية العمدة تبصق في حساء الغزاة وتتمتم: «سأسممهم! سأملأ طعامهم بالملح حتى يموتوا!». غضبها يجسّد الجذر العاطفي للمقاومة الشعبية.
أليكس موردن عامل المنجم البسيط، أول من واجه الاحتلال مباشرة وقتل أحد ضباطه. فعندما طلب منه الكابتن بينتيك العمل، رفض وصرخ في وجهه: «أنا رجل حر»، وانقض عليه بالفأس. أثناء المحاكمة خاطبه العمدة شاداً من أزره: «خلاصك الشخصي أطلق شرارة الغضب العام... وستوحد الناس». لم يتوسل أليكس لحظة إعدامه، وقال: «أنتم لا تعرفون نتائج ما تفعلونه بنا».
بعد إعدام أليكس، يشعر الملازم توندر بالوحدة والاضطراب، في تعبير واضح عن الانهيار النفسي للمحتلين. يقرر زيارة زوجة موردن في منزلها، أملاً في إقامة تواصل إنساني معها، ويبدأ بمخاطبتها متحدثاً عن الأحلام والحنان. ترفض مولي محاولته استمالتها باسم الإنسانية: «من السهل قتل رجل، لكن من الصعب تغيير شعب».
خلال حديثهما، يعبر لها عن يأسه: «أنا تائه في وحدة موجعة في صمت ثقيل تسكنه الكراهية». لقد جردته الحرب من إنسانيته، وجعلت كل شيء حوله مشوّهاً: «في الحرب، كل شيء يصبح غير حقيقي. أنت غير حقيقية، وأنا غير حقيقي». يظهر هذا المشهد أن الحرب لا تؤثر فقط على الضحايا، بل تدمر أيضاً بعض من يظنون أنهم انتصروا فيها. تتسربل مولي بالألم، لكنها لا تنكسر، فهي لا تراه إنساناً يحتاج إلى العطف، بل هو وجه النظام الذي قتل زوجها. حزنها الصامت يتحول إلى تحدٍّ، وتصبح رمزاً للمقاومة. وعندما غادره حذره، اغتنمت الفرصة وطعنته، وأرسلته إلى جهنم في فعل يجمع بين الانتقام الشخصي والكبرياء الوطني.
أما الكولونيل لانسر، قائد الحملة، فهو أكثر واقعية. فقد شهد احتلالات أخرى ويعرف كيف تنتهي. تأملاته قاتمة: «العناصر المنظمة هم من يرتكبون القتل». يعرف أن المقاومة تنمو لكنه عاجز عن إيقافها. يقول له الدكتور وينتر: «ستُطردون، الناس لا يحبون المحتلين».
لا تقدم الرواية المقاومة بوصفها حملة عسكرية بل بوصفها حالة عقلية. لا يوجد أبطال خارقون بل مواطنون عاديون تتحول كراهيتهم الصامتة إلى صوت أعلى من بنادق الغزاة. تقول مولي عن زوجها: «لم يكن يقصد أن يكون بطلاً لكنهم جعلوه كذلك». فالمقاومة تنشأ من إرادة الاحتفاظ بالكرامة الإنسانية وإن غذتها الأيديولوجيا.
العنوان نفسه، «أفول القمر»، يوحي بالظلمة واليأس لكنه يلمح أيضاً إلى أنّ الليل لا يدوم. وتزداد هذه الدلالة عمقاً عند النظر إليها في منطقتنا. فكل الشعوب التي خضعت للاحتلال تحررت بأساليب مختلفة، من الانتفاضات الشعبية إلى الكفاح المسلح. وحدهُ الشعب الفلسطيني ما زال رازحاً تحت نير احتلال وحشي يتجاوز في جوانب عديدة قسوة الاحتلال النازي. واليوم، في غزة والضفة الغربية، يتجلى هذا الاحتلال في أبشع صوره: إبادة جماعية مكشوفة، ومداهمات واعتقالات وتهديم بيوت واعتداءات مسلحة من فطعان المستوطنين وسرقة المواشي واقتلاع الأشجار. منذ نكبة عام 1948، لم تتوقف المقاومة، بل تبدلت أشكالها من الانتفاضة السلمية عام 1987 إلى المقاومة المسلحة في الضفة وغزة. وإن ظن العدو أن تدمير غزة أو إعادة احتلالها وترويع الضفة سيجلبان له السلام، فهو واهم، فجيشه سيغوص في وحل فلسطين وشعابها. يا لها من مفارقة ساخرة.
فبينما يُطنب لانسر في الزهو بنجاحات جيشه، يقاطعه أحد ضباطه: «احتل الذباب مزيداً من الشريط الصمغي المدهون بالسكر». الجنود يجوسون الأزقة والحواري فيصطادهم المقاومون تماماً كما يصطاد هذا الشريط أرتال الغزاة من الذباب. إنه الموت الزؤام. هناك أفل القمر ثم هلّ من جديد، وفي فلسطين، سيهل فجر الحرية. هناك لم ينفعه لانسر وهنا لن يقف في وجهه نتنياهو.
في السطور الأخيرة، يختم الطبيب وينتر: «الأحرار لا يشعلون الحروب، ولكن إن فُرضت عليهم فسيواصلون القتال حتى وهم يتجرعون الخسارة. أما القطيع أتباع الزعيم، فلا يستطيعون ذلك، لهذا يفوز القطيع بالمعارك، بينما يكسب الأحرار الحروب». هذه هي رسالة الرواية: الشعوب تقاوم، والمقاومة لا تنتهي إلا بالنصر. لم تكن الرواية مجرد عمل أدبي، بل شهادة على قدرة الأدب على استنهاض الهمم في الزمن الصعب. إنها رسالة خفية تسري في عتمة الاحتلال: المقاومة السلمية والكفاح المسلح توأمان متلازمان ولا يكفان عن التناوب.



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسطين حرة من النهر إلى البحر: شعار يتجاوز قرارات الأمم المت ...
- قصيدة إلى الحزب الشيوعي الأردني في الذكرى الماسيّة لتأسيسه
- شعر: سمراء مهلا
- الاحتجاجات الطلابية في فرنسا بين عمق الأزمة ودروس الماضي وآف ...
- نازا: فيلم إسرائيلي عن الإبادة في غزة أقام القيامة في دولة ا ...
- قراءة فايز ابراش لقصيدة -كلانا فاز في السبق- للشاعر جهاد حمد ...
- نتنياهو في الأمم المتحدة رئيس حكومة مأزوم، في كيان مأزوم، أن ...
- لا شيء أجمل من فراش هائم قصيدة للشاعر جهاد حمدان وقراءة للأد ...
- حتى لو استُبدل نتنياهو، فإن النظام الذي أفرزه سيبقى قائمًا ت ...
- الذكرى الثامنة لرحيل القائد الشيوعي الأردني أمال نفاع خطفك ا ...
- قراءة في مذكّرات أمل غندور «هذه الحياة العربية: رحلة جيل إلى ...
- شعر: فلسطين تبكي... ثم تبكينا
- شعر: أدهشتني وسأدهشك
- طلاء الأظافر ... العداء الصامت
- يا جوختي: من سياط سرايا العُصملي إلى أنين المرض وعري الوجع
- في الذكرى الثانية عشرة لرحيل سميح القاسم: حوارية الرفض بين ق ...
- قراءة سابرة لخطوات القائد الشيوعي سعيد مضية التي غمرتها الرم ...
- حلف مكة: إعادة إنتاج التبعية ومنع فرض توازنات إقليمية جديدة
- في عيد ميلادي الثاني والسبعين
- لا تحفروا لي قبراً: الذكرى الخامسة والخمسون لاستشهاد القائد ...


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام ...
- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جهاد حمدان - قراءة سياسية معاصرة في الرواية المحاربة -أفول القمر- لجون شتاينبك