أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بسام ابوطوق - من هرمز إلى باب المندب: الشعوب تدفع ثمن «صراع الكباش»














المزيد.....

من هرمز إلى باب المندب: الشعوب تدفع ثمن «صراع الكباش»


بسام ابوطوق
كاتب

(Bassam Abutouk)


الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 22:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في مؤتمر يالطا الشهير بفبراير 1945، وبينما كان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل يناقش مع الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين إعادة رسم ملامح أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، أشار تشرشل إلى ضرورة أخذ موقف بابا الفاتيكان و رأيه السياسي بعين الاعتبار. غير أن ستالين ردّ عليه بسخرية تهكمية قاسية تساءل فيها: «أخبروني، كم دبابة يملك البابا؟».
تضع هذه المصارحة القاسية حداً فاصلاً بين مفهومين أساسيين في إدارة الصراعات والسياسة الدولية. فالأولى، وهي القوة العسكرية، عنوان لواقع صارم تتداوله الدول والحكومات، معاييرها مادية وفيزيائية وحسابية تتعامل بمنطق الأرقام و الحجوم والمساحات والجغرافيا، وهي نشاط حصري بيد السلطات لا دخل للشعوب في معادلاته المباشرة. أما الثانية، وهي النشاط السياسي والمجتمعي، فمجال بشري متداخل تتشابك فيه الحقوق والتاريخ الثقافي والمنجزات الإنسانية من قوانين ودساتير ومفاوضات، وفي هذا المجال بالذات تمتلك الشعوب وتجلياتها المدنية والاقتصادية والدينية أوزاناً بالغة الأهمية والثقل.
وقد اختلف المفكرون والمؤرخون عبر التاريخ في تحديد الأولويات والتصنيف بين هذين المفهومين. فالمنظر العسكري والفيلسوف البروسي الشهير كارل فون كلاوزفيتز، في كتابه الكلاسيكي «عن الحرب»، عرف الحرب بأنه استمرار للسياسة بوسائل أخرى، موضحاً أن الحرب ليست غاية بحد ذاتها ولا شأناً عسكرياً منفصلاً، بل هي أداة تستخدمها الدول عندما تعجز الدبلوماسية عن تحقيق المصالح أو فرض الإرادة. غير أن هذه المقولة، التي لخصت العلاقة في زمن اضطراب القوميات في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واجهت معارضة من مفكرين معاصرين كالفيلسوفة حنة أرندت والمفكر الفرنسي ميشال فوكو، و الذين قلبا المعادلة ليروا أن السياسة نفسها ما هي إلا استمرار للحرب بوسائل أخرى، بمعنى أن هياكل السلطة والسيطرة تظل مبنية على الإكراه وضغوط الصراع حتى في أوقات السلم الظاهري.
وفي العصر الحديث، لم تعد الحروب والصراعات العسكرية تعتمد فقط على عدد الأفراد أو الحاضنة البشرية ومتانة الاقتصاد التقليدي، بل أصبحت ترتكز بالكامل على المعرفة التكنولوجية والبنية المعلوماتية والعلمية. ولهذا السبب نجد أن حروباً كان من المتوقع أن تنتهي في غضون أشهر تتحول إلى واقع مستدام وجرح نازف على المستويين المحلي والعالمي، كما هو الحال في الحرب الروسية-الأوكرانية، والصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، فضلاً عن الصراعات الداخلية كالصراع السوداني بين الجيش وقوات الدعم السريع، والصراع اليمني بين الشرعية والحوثيين، وصولاً إلى مأساة العصر المتمثلة في التغول الإسرائيلي والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
إن هذه الحروب هي حياكة لنسيج تُنسج خيوطه وفق مصالح استراتيجية لدول عظمى وإقليمية، تُشعل هذه الصراعات وتخمدها أو تجمدها وفق مرئياتها، وتحتكم بتدفق الأسلحة والمساعدات والمعلومات التقنية لرسم خطوط التقدم والتراجع. وأمام هذه المعادلة، لا يملك القادة الميدانيون والزعماء المحليين، ولا تطلعات الشعوب وآمال نخبتها الثقافية والسياسية، أي فرصة للخروج عن الحدود التي ترسمها وتتداولها القوى النافذة.
ويبرز "اليمن السعيد" كنموذج صارخ لهذا الواقع، بعدما تحول إلى ساحة صراع مفتوحة وضاعت أماني شعبه في العيش الكريم والتنمية لصالح تجاذبات دولية وتبادل سيطرة على مضائق بحرية استراتيجية، امتداداً من مضيق هرمز وصولاً إلى مضيق باب المندب الذي تحول حرفياً إلى "باب للدموع". فعندما بدا أن الحوثيين، كذراع إيرانية ضاربة، يسعون للسيطرة المطلقة على باب المندب والمخا — بوابة البحر الأحمر وقناة السويس — حصلت الحكومة اليمنية على الضوء الأخضر الدولي وفُتح صنبور المساعدات العسكرية، حيث شاركت مئات المقاتلات الجوية في الغارات، وخلال ساعات معدودة تم تحرير باب المندب والمخا. لكن ما إن تحققت تلك الغاية الاستراتيجية حتى أُغلق الصنبور وتراجعت الطلعات الجوية، ليعود المشهد إلى لعبة الكر والفر على حدود تعز وصنعاء، وليتحمل الشعب اليمني مزيداً من التهجير والحصار والمآسي.
إن الانهيار السريع للحوثيين في تلك اللحظة الاستراتيجية أمام الجيش الحكومي وحلفائه يبرهن بوضوح على أن الحروب المحلية والحلول العسكرية تُخاض وتتوقف بتوافقات دولية وبموازين لا علاقة للشعوب بها. وتبقى الحقيقة الراسخة من مقولة ستالين أن العسكر والحرب يفرضان واقع الأرقام والحجوم والسيطرة المادية، بينما تظل السياسة فعالية بشرية تتجاذبها أوزان الداخل وأجندات الخارج، وبين هذا وذاك تدفع الشعوب وحدها ثمن صراعات القوة التي لا ترحم.



#بسام_ابوطوق (هاشتاغ)       Bassam__Abutouk#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عزلة على المنصة: كيف كشفت الدورة 81 للأمم المتحدة محنة إسرائ ...
- رموزنا الوطنية وتاريخنا الوطني ..تحررنا من الاستبداد فهل نحم ...
- فداء الحوراني لما تخرج من عباءة والدها وتلتحف السماء
- مونديال 2026… كرة القدم بين متعة الرياضة وأسئلة السياسة والث ...
- كنا نقرأ السياسة… صرنا نشخصن السياسة
- أندلسيات رحلة في الجغرافيا... وتأمل في مصير الحضارات
- الجنازة حامية والميت كلب .. عبثية الموت المجاني
- نداء الأنسنة: الثقافة كفعل -حياة- وبناء
- ما وراء الصواريخ والمُسيّرات: الاقتصاد يكتب سيناريو الحرب
- خارج قيود الاستبداد.. كيف استعاد السوريون أعيادهم الوطنية؟
- سيادة ‘الخارج’ وهشاشة ‘الداخل’: دروس السقوط من كاراكاس إلى ط ...
- سورية تتحرر.. الوطن ثابت والحكم متحول
- سيبقى فالنتين يقاوم الحيونة بالأنسنة
- سيف الإسلام القذافي: ضحية “شهوة السلطة” وفخ الغياب
- 8 ديسمبر 2024 سوريا تتحرر 18 يناير 2026 سوريا تتوحد
- ممداني.. اليوم خمر وغداً أمر
- عودة ترمب إلى الشرق الأوسط
- من غير المسموح لأردوغان التفريط بالفرصة التاريخية
- ايلون ماسك صانع الملوك.. الرجل الذي لاتتسع له الكواكب
- سورية..من تفاهة الشر إلى الدمار الشامل.. واقع البلد مفتوح عل ...


المزيد.....




- مسؤول بإدارة ترامب يلمح مازحًا إلى تعيين نيكي ميناج متحدثة ب ...
- -لن يفلت أي متورط-.. الأردن يكشف تفاصيل القبض على منفذي -هجو ...
- موسكو.. انطلاق منتدى -روسيا - إفريقيا- الإعلامي برعاية RT
- -يسرائيل هايوم- تكشف عن مسار تهريب مزعوم للأسلحة من مصر إلى ...
- إسرائيل تترقب تحركات الجيش المصري الشمالي
- اجتماع غير عادي في طهران يجمع إيران بدول -اتفاق مكة-.. ماذا ...
- إعلام إسرائيلي يتحدث عن خلاف حاد بين نتنياهو وزامير بشأن توج ...
- المكسيك: موكب كاترينا مبهر بألوانه يعيد الموتى إلى الحياة
- من -دولة قذرة- إلى -شعب صامد-.. ترامب يتراجع عن تصريحاته بشأ ...
- مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي: ترامب ونتنياهو قادران على إس ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بسام ابوطوق - من هرمز إلى باب المندب: الشعوب تدفع ثمن «صراع الكباش»