أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بسام ابوطوق - نداء الأنسنة: الثقافة كفعل -حياة- وبناء















المزيد.....

نداء الأنسنة: الثقافة كفعل -حياة- وبناء


بسام ابوطوق
كاتب

(Bassam Abutouk)


الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 00:48
المحور: قضايا ثقافية
    


من وعي رواد النهضة إلى ورشة الإعمار السورية


تاريخياً، لم تكن الثقافة مجرد ترف فكري أو كلمات منمقة تُلقى في الصالونات، بل هي في أصلها اللغوي والوجودي فعل "فلاحة" واستصلاح، نشأ مع فجر التحول و الاستقرار البشري من الرعي إلى الزراعة، ليكون أداة لصناعة الإنسان وتأمين عيشه الكريم
و في سوريا التي تحررت بسقوط النظام البائد وتوحدت باستعادة مناطق الجزيرة،بعد خراب وتدمير وفساد وإفساد فان اعادة البناء المطلوبة هي إعادة بناء اقتصادي انشائي اجتماعي ثقافي
والثقافة الحقيقية هي المهارة في إدارة الحياة؛ فالمزارع السوري الذي يبتكر حلاً لسقاية أرضه، و والطبيب السوري الذي يداوي جريحاً، والمعلم السوري الذي يزرع الوعي في طفل، هم المثقفون الحقيقيون الذين يمارسون "الأنسنة" بعيداًعن ذل الحاجة و قيود الاستبداد.
وإذا استلهمنا مسيرة رواد النهضة العربية ، نجد أن اشتغالهم الفكري كان اشتباكاً مباشراً مع معوقات العيش الكريم، فعبد الرحمن الكواكبي النهضوي الشهيد لم يكتفِ بنقد الطغيان بكتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد بل وضع "مبضع الجراح" ليُعرّفه بوصفه "التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى"،و هو عرف الاستبداد وربطه مع كل من الدين والعلم والمجد والمال والإنسان والأخلاق والتربية والترقي، فالاستبداد ليس نظاما سياسيا فقط، بل هو تجل لكل هذه الظواهر المجتمعية المتكاملة، وبالتالي فإن القضاء على الاستبداد يحتاج لمعالجة أسباب الضعف والتخلف في كل هذه الظواهر
. فيما خاض عميد الثقافة العربية طه حسين الضرير صاحب الرؤيا الأكثر تنورا معركته لدمقرطة المعرفة رافعاً شعاره الخالد "التعليم كالماء والهواء"، مؤمناً بأن الجهل هو السجن الذي يمنع الفقراء من المطالبة بحقوقهم، وأن الدولة التي لا تُعلم أبناءها تعليماً نقدياً يحرر العقل من التبعية هي دولة تحكم عليهم بالشقاء الدائم. وفي موازاة ذلك، جسد عباس محمود العقاد كبرياء المثقف العصامي؛ فأثبت بمسيرته الشخصية أن القراءة والبحث والاكتشاف ليست حكراً على أصحاب الشهادات، بل هي "فعل مقاومة" يمكن للفرد من خلاله أن يهزم البطالة وضيق الأفق، ليتحول من عالة اجتماعية إلى منتج للوعي والجمال.ولو كان أنطون غرامشي حيا إلى يومنا هذا لما وجد مثالا أفضل لمفهومه للمثقف العضوي من هؤلاء الرواد النهضويين والمجاهدين في آن
واليوم، نجد أنفسنا أمام نوعين من الاشتغال الفكري: الأول هو مثقف "العوالم الموازية" الذي يغرق في عشوائية الثقافة بوصفها تكديساً للمعلومات وتشتتاً يجمع من كل وادٍ أغنية بلا رابط قيمي، متخذاً من الكتب حصناً يحميه من ملامسة وجع الناس. أما الثاني فهو مثقف "الهم الاجتماعي والوطني" الذي يرى الثقافة رسالة وعمل؛ هو لا يقرأ ليزداد مخزونه اللغوي فحسب، بل ليبحث عن الأدوات التي تساعد مجتمعه على النهوض، محولاً المعرفة إلى خدمة منظمة بلا منّة.
ويتجلى نموذج الحوار الوطني المنتج بأبهى صوره في مبادرات جمعيات الأطباء السوريين في الخارج، كالجمعية الطبية السورية الأمريكية والكندية والبريطانية والألمانية وغيرها في بلدان المهجر( فهذه المنظمات غير الحزبية وغير الربحية اكتسبت احتراماً عالمياً بفضل تنظيمها العالي وإيثارها، حيث سخرت العلم والمال لتقديم خدمات طبية ميدانية لأبناء وطنهم، كاسرةً صورة "المثقف المتعالي" أو "السياسي المتكسب" لصالح "المختص الخادم". إنهم يقدمون اليوم ما يوحد السوريين ضد ما يفرقهم، مبرهنين أن الخدمة التي تُقدم بكرامة وبلا منة او شروط او تحميل جمايل هي أقوى أدوات السلم الأهلي وأمتن روابط الوحدة الوطنية.
إن هذا النموذج الملهم يجب أن يكون الشرارة لإطلاق "ورشة وطنية ضخمة" تمتد إلى كافة المجالات؛ من مهندسين يبتكرون حلولاً سكنية تحفظ آدمية المهجرين، إلى تربويين يعيدون بناء المدارس كمختبرات للتفكير والبحث. وهنا يتبدى الفرق بين "الحوار المنتج" الذي يلتقي فيه السوريون حول طاولة العمل لتأمين الاحتياجات، وبين حذلقات "المباني والمعاني" والمشاريع الورقية التي تفتت الجهد الوطني بحثاً عن وجاهة شخصية. المشاريع التي تتحول على أيدي "المتزعمين" إلى جزر معزولة تعتاش على تمايزاتها المزعومة وتبحث عن تمويلات شكلية وقد سئمها المجتمع السوري وضاق ذرعا بها . إن كثرة "المبادرات الشخصية" التي تبحث عن الوجاهة هي التي تفتت الجهد الوطني، بينما نموذج الأطباء قام على المأسسة والهدف. لسنا بحاجة الى تنظيرات ومبادرات متوالدة إنما بحاجة الى فعل يتبنى معايير المواطنة التي تلتزم بخدمة الإنسان بغض النظر عن دينه أو طائفته او عرقه ويوحد البوصلة حول أن العدو المشترك هو مثلث الجهل والفساد والتخلف وليس الشريك في الوطن.
إن المحاصرة الحقيقية للتجييش الطائفي تبدأ بتجفيف منابعه عبر علاج الأسباب لا الأعراض؛ وذلك بمحاربة البطالة بالإبداع الجماعي، فحين يشعر الشاب أنه جزء من مبادرة منتجة يستعيد جدواه الشخصية ويكسر تبعيته للمحرض و المجيش كما أن التعليم البديل الذي يركز على التحليل يمنع الإنسان من الانجرار خلف خطابات الكراهية، محولاً المجتمع من "متلقٍ للمعونات" بإعالة مذلة إلى "منتج للحلول" بكرامة أصيلة. هذا المسار يقتضي بناء "اقتصاد تكافلي" يربط المناطق السورية بشبكات تبادل تستلهم التعدد في المصادر الطبيعية والانتاجية وما يرافقها من تنوع ثقافي وتاريخي و تذيب الحواجز النفسية، وتعلي قيمة "الخلق العملي" حيث تصبح الأخلاق هي إتقان العمل والأمانة في الخدمة.وهنا الرد العملي على المتشدقين بالاختلاف التجريدي لقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا إلى آخره من كلام حق اريد به باطل
وفي هذه الورشة، تبرز ضرورة مكاشفة صريحة بين الأجيال؛ حيث تقع مسؤولية العمل و الانتاج على عاتق الشباب بطاقاتهم وقدرتهم على العصرنة، بينما يترسخ دور الكبار في تقديم الحكمة والمشورة، والكف عن المطالبة بتعويضات عن نضالات الماضي أو التمسك بمظاهر التصدر. إن نداء الأنسنة هو دعوة لـ "الحوار بالعمل"؛ حوار يمنحنا فيه العمل المحلي اللامركزي المرونة والسرعة، ويمنحنا الإطار الوطني الحماية والوجهة. إن تأمين الخدمات بكرامة هو السد المنيع ضد التطرف، فالمحاصرة الحقيقية للتخلف تبدأ عندما يجد المواطن البديل؛ عندما يجد مدرسة تعلمه كمنهج طه حسين، وعملاً يكفيه بكرامة العقاد، ومجتمعاً يحترمه ويحاسب حكامه بروح الكواكبي. عندها فقط، يسقط خطاب التجييش لأنه لن يجد أرضاً خصبة ينمو فيها، وتتحول الثقافة من شعار إلى روح تبني وطناً يكون فيه الإنسان هو الغاية الأسمى فوق كل أيديولوجيا وزعامة جوفاء



#بسام_ابوطوق (هاشتاغ)       Bassam__Abutouk#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما وراء الصواريخ والمُسيّرات: الاقتصاد يكتب سيناريو الحرب
- خارج قيود الاستبداد.. كيف استعاد السوريون أعيادهم الوطنية؟
- سيادة ‘الخارج’ وهشاشة ‘الداخل’: دروس السقوط من كاراكاس إلى ط ...
- سورية تتحرر.. الوطن ثابت والحكم متحول
- سيبقى فالنتين يقاوم الحيونة بالأنسنة
- سيف الإسلام القذافي: ضحية “شهوة السلطة” وفخ الغياب
- 8 ديسمبر 2024 سوريا تتحرر 18 يناير 2026 سوريا تتوحد
- ممداني.. اليوم خمر وغداً أمر
- عودة ترمب إلى الشرق الأوسط
- من غير المسموح لأردوغان التفريط بالفرصة التاريخية
- ايلون ماسك صانع الملوك.. الرجل الذي لاتتسع له الكواكب
- سورية..من تفاهة الشر إلى الدمار الشامل.. واقع البلد مفتوح عل ...
- لماذا خسرت هاريس وفاز ترامب ؟
- كلام في المناظرات الرئاسية للانتخابات الأمريكية
- مرشحة الصدفة تواجه مرشح الاصرار
- غزة الفلسطينية تقاوم الاحتلال وتبحث عن الحياة
- للمال والاستيطان في إسرائيل وزارة واحدة
- viva نيلسون مانديلا
- غاز غزة قطبة مخفية في هذا العدوان السافر
- لجنة خاصة في الكونغرس لمواجهة الصين


المزيد.....




- ماكرون لترمب وبزشكيان: وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان ليك ...
- أمريكا وإيران تعلنان الانتصار.. كيف صنع كل طرف سرديته بعد 40 ...
- عاجل | الجبهة الداخلية الإسرائيلية: صفارات الإنذار تدوي في ب ...
- إيران تعلن توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز.. و-الحرس الثوري- ...
- ماكرون يدين الضربات الإسرائيلية -العشوائية- على لبنان
- مباشر: فرنسا تدين ضربات إسرائيل في لبنان -بأشد العبارات المم ...
- القصف الإسرائيلي يشمل كل الجغرافيا اللبنانية
- هل اكتشفت إسرائيل 100 هدف في لبنان لتضربها خلال 10 دقائق؟
- أمضى ساعات مع زملائه قُبيل استشهاده.. من هو الصحفي محمد وشاح ...
- ماكرون: وقف إطلاق النار مع إيران يجب أن يشمل لبنان


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بسام ابوطوق - نداء الأنسنة: الثقافة كفعل -حياة- وبناء