أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بسام ابوطوق - أندلسيات رحلة في الجغرافيا... وتأمل في مصير الحضارات














المزيد.....

أندلسيات رحلة في الجغرافيا... وتأمل في مصير الحضارات


بسام ابوطوق
كاتب

(Bassam Abutouk)


الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 00:31
المحور: قضايا ثقافية
    


من وحي زيارتي والعائلة إلى إسبانيا، فالنسيا ثم المدن الأندلسية: قرطبة وإشبيلية وروندا وغرناطة، وهي رحلة العمر بالنسبة لي، حيث تتبعت حضارة أجدادنا العرب في الأندلس، والتي كانت في بداياتها تشمل معظم إسبانيا من جبل طارق حتى جبال البيرينيه حضارة لحمتها العروبة وسداها الإسلام، امتدت لثمانية قرون.

وبما أنه لا يعرف الشوق إلا من يكابده، ولا الصبابة إلا من يعانيها، كما قال شاعرنا العباسي الأبله البغدادي، وقد لُقِّب بالأبله من باب التسمية بالضد، فإن بقية شعوب العالم قد لا تفهم لماذا نتأثر في ذائقتنا الثقافية والتاريخية بهذا الحضور العميق للأندلس، رغم أننا فقدناها منذ نحو ستمائة عام، وما زلنا نبكي على الأطلال ونسأل: لماذا سلّموا؟ ولماذا خرجوا؟.

بعض الأجوبة، وأنا لست مختصاً بالتاريخ وإنما شغوف بقراءته، فيما يبدو لي أن العرب تفرقوا إلى طوائف ـ بالمعنى الجغرافي لا المذهبي ـ بينما توحد الإسبان بعد تفرق. وربما كان تزامن فتح العثمانيين بقيادة محمد الفاتح للقسطنطينية على مشارف شرق أوروبا قد دفع الأوروبيين إلى تركيز جهودهم على الأندلس في أقصى غرب القارة. وقد قرأت فيما مضى في كتابات ناسك الفكر الجيوسياسي الرائع الدكتور جمال حمدان تشبيهاً للهجرات البشرية الكبرى بموجات متتابعة، تطرد كل موجة منها سابقتها. لقد كانت مرحلة النهوض للحضارة الغربية المسيحية تقابل مرحلة الهبوط للحضارة العربية الإسلامية. لقد توحدوا وتفرقنا.

آثار العمارة العربية الإسلامية ظاهرة بقوة في إسبانيا، وخاصة في مدن الأندلس، وعلى الأخص العمارة الشامية، حيث نقل الأمويون المطرودون من فردوسهم الأرضي في دمشق طرزهم المعمارية وثقافتهم السمحة القائمة على الوسطية والتعددية إلى الأندلس.

ورغم العصور السوداء التي تلت سقوط غرناطة، آخر المدن الأندلسية، من محاكم تفتيش ومذابح واضطهاد، فإن الأجيال الإسبانية المعاصرة تستلهم اليوم تجربة العرب في ذروة النهوض الأندلسي، في عهد صقر قريش عبد الرحمن الداخل والخلافة الأموية المتجددة، وعاصمتها قرطبة، وقصر الزهراء الأسطوري، وقصور بني الأحمر في غرناطة.

واليوم يفتخر الإسبان في الأندلس بتاريخ العصر الأموي، ويحافظون على آثاره وأقواس عمارته ومقرنصاته ذات الأصل الدمشقي. بل إنني وجدت في أحد البروشورات ما يشير إلى المكان الذي عاش وتعلم فيه الشيخ الصوفي الأكبر محيي الدين ابن عربي قبل أن يرتحل في رحلته الطويلة التي انتهت في دمشق.

وقد زرت هذا المكان، وهو بناء مؤلف من ثلاثة طوابق، ويبدو أنه كان من ملحقات مئذنة قديمة. كما شاهدت نصباً تذكارياً للمنصور محمد بن أبي عامر، والذي يسميه الإسبان، بحسب ما ورد على اللوحة المرافقة للتمثال، «الملك المنذور».

تتجلى الطبيعة الساحرة في وادي الأندلس الكبير، حيث تتناثر مدن الأندلس كالجواهر على قماش مطرز، متناغمة مع السماحة والترحيب اللذين يميزان أجيال الإسبان الجديدة، ومع السعادة والطيبة الباديتين على وجوههم وفي حديثهم، بما يذكرني، وأنا المواطن الكندي، بأيام زمان.

أما روندا، مدينة أبي البقاء الرندي صاحب القصيدة الشهيرة في رثاء الأندلس، والتي مطلعها:

«لكل شيء إذا ما تم نقصانُ

فلا يغرُّ بطيب العيش إنسانُ»

فهي من أجمل مدن الأندلس. تقوم هذه المدينة على جرف صخري شاهق يرتفع نحو 750 متراً فوق سطح البحر، ويشقها مضيق عميق يجري فيه نهر غواداليفين.

وحين تجولت في أحيائها القديمة، شعرت وكأنني في بيت عربي دمشقي عتيق. كما حضرت عرضاً لرقصة الفلامنكو، تلك الرقصة الإسبانية الفخورة، المفعمة بالإحساس والتأثر. وقد حدثني بعض المختصين بفخر عن رواية شعبية تقول إن أصلها رقصة كان يؤديها «فلاح منكوب» من العرب الذين حُرموا من الأراضي التي كانوا يفلحونها، ثم اختُصرت التسمية مع الزمن إلى «فلامنكو».

وأنا أغادر غرناطة أدركت أن سر الأندلس ليس في القصور والحدائق والأقواس وحدها، بل في قدرتها على البقاء حية في الذاكرة بعد ستة قرون من أفولها. فالحضارات العظيمة لا تُقاس بطول عمرها فحسب، بل بما تتركه في نفوس البشر من أثر وجمال وإلهام.

الطبيعة... الجمال... الحضارة... أنغام في سيمفونية لمجتمع بشري تدعونا إلى التأمل فيما يجب أن يكون عليه العالم، بدلاً من حروب النفط والمضائق والدرونز والصواريخ.

لقد بلغت... فهل وصلت الفكرة؟



#بسام_ابوطوق (هاشتاغ)       Bassam__Abutouk#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجنازة حامية والميت كلب .. عبثية الموت المجاني
- نداء الأنسنة: الثقافة كفعل -حياة- وبناء
- ما وراء الصواريخ والمُسيّرات: الاقتصاد يكتب سيناريو الحرب
- خارج قيود الاستبداد.. كيف استعاد السوريون أعيادهم الوطنية؟
- سيادة ‘الخارج’ وهشاشة ‘الداخل’: دروس السقوط من كاراكاس إلى ط ...
- سورية تتحرر.. الوطن ثابت والحكم متحول
- سيبقى فالنتين يقاوم الحيونة بالأنسنة
- سيف الإسلام القذافي: ضحية “شهوة السلطة” وفخ الغياب
- 8 ديسمبر 2024 سوريا تتحرر 18 يناير 2026 سوريا تتوحد
- ممداني.. اليوم خمر وغداً أمر
- عودة ترمب إلى الشرق الأوسط
- من غير المسموح لأردوغان التفريط بالفرصة التاريخية
- ايلون ماسك صانع الملوك.. الرجل الذي لاتتسع له الكواكب
- سورية..من تفاهة الشر إلى الدمار الشامل.. واقع البلد مفتوح عل ...
- لماذا خسرت هاريس وفاز ترامب ؟
- كلام في المناظرات الرئاسية للانتخابات الأمريكية
- مرشحة الصدفة تواجه مرشح الاصرار
- غزة الفلسطينية تقاوم الاحتلال وتبحث عن الحياة
- للمال والاستيطان في إسرائيل وزارة واحدة
- viva نيلسون مانديلا


المزيد.....




- كيف تضاربت تصريحات إيران وترامب بشأن إعلانه عن -الاتفاق النه ...
- بعد ساعات من التهديد.. ترامب يلغي الضربات ضد إيران ويعلن موا ...
- بعد تصريحات ترامب.. وكالة -فارس- تنشر رواية مختلفة لمسار الم ...
- ترامب: توصلنا لتفاهم قوي للغاية مع إيران
- تسويات معلقة.. من الليطاني إلى الغبار النووي
- اعتراف جديد من فانس عن الأزمة بين إسرائيل وأمريكا والخلاف بي ...
- اليمن.. مقتل 3 بينهم زوجان سوريان في هجوم مسلح استهدف منزل م ...
- مقاتلة -تايفون- بريطانية تطلق نداء استغاثة في أجواء المملكة ...
- الخارجية الروسية: الولايات المتحدة لم توجه بعد دعوة إلى بوتي ...
- -بينها 5 بلدان عربية-.. ترامب يعلن عن محادثاته مع قادة دول ع ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بسام ابوطوق - أندلسيات رحلة في الجغرافيا... وتأمل في مصير الحضارات