أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بسام ابوطوق - مونديال 2026… كرة القدم بين متعة الرياضة وأسئلة السياسة والثقافة














المزيد.....

مونديال 2026… كرة القدم بين متعة الرياضة وأسئلة السياسة والثقافة


بسام ابوطوق
كاتب

(Bassam Abutouk)


الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 08:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من منظور الأنثروبولوجيا، فإن الرياضة ليست نشاطًا ترفيهيًا فحسب، بل هي طقس اجتماعي يعيد إنتاج الهوية الجماعية. فالجماهير التي ترفع الأعلام وتنشد الأناشيد الوطنية لا تشجع أحد عشر لاعبًا فقط، بل تدافع عن سردية وطنية وشعور بالانتماء. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول منتخبات مثل فرنسا وإنجلترا وإسبانيا إلى نماذج للنقاش حول التعددية الثقافية والهجرة، حيث أصبح عدد كبير من نجومها ينحدرون من أصول إفريقية أو عربية أو آسيوية، في انعكاس مباشر للتحولات الديموغرافية التي شهدتها المجتمعات الأوروبية بعد الحقبة الاستعمارية. وتكشف كرة القدم هنا مفارقة لافتة؛ فالدول التي كانت في الماضي قوى استعمارية تعتمد اليوم، في كثير من الأحيان، على مواطنين من أصول تعود إلى المستعمرات السابقة لتمثيلها في أهم المحافل الرياضية.

وهكذا تتجاوز اللعبة حدود الرياضة لتطرح أسئلة عميقة حول المواطنة والاندماج والهوية الوطنية في القرن الحادي والعشرين. وفي المقابل، أُثيرت خلال البطولة نقاشات واسعة حول العلاقة بين المال والإعلام وكرة القدم، وحول تأثير حقوق البث والرعاية التجارية ومبيعات التذاكر في صناعة الحدث الرياضي.

ويرى عدد من المحللين أن تضخم المصالح الاقتصادية جعل كل قرار تحكيمي أو إداري موضع تدقيق غير مسبوق، خصوصًا في عصر الإعلام الرقمي، حيث تُراجع اللقطات آلاف المرات، وتخضع قرارات الحكام لتحليل جماهيري وإعلامي واسع. وما كان في الماضي مجرد اتهامات أو تخمينات، أصبح اليوم يخضع للفحص والنقاش العلني بفضل انتشار وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية، وإن ظلت بعض الاستنتاجات محل جدل وتباين في التفسير.

وفي هذا السياق، أثارت بعض المباريات حالات تحكيمية عدّها كثير من المتابعين مثارًا للجدل، ومن بينها المباراة التي جمعت المنتخب المصري بنظيره الأرجنتيني، حيث صبت قرارات تحكيمية مؤثرة في مصلحة المنتخب الأرجنتيني. وسواء اتفق المرء مع هذا التقييم أم اختلف، فإن الجدل ذاته يعكس اتساع المطالبة بالشفافية والمساءلة في إدارة اللعبة. وتؤكد أمثلة التاريخ أن الرياضة لم تكن يومًا منفصلة عن السياسة. ففي أولمبياد برلين عام 1936 حاول أدولف هتلر توظيف الألعاب الأولمبية لإثبات مزاعم التفوق العرقي، غير أن العداء الأمريكي من أصل افريقي جيسي أوينز، بفوزه بأربع ميداليات ذهبية، حطم تلك الدعاية في قلب ألمانيا النازية. وفي عام 1978 استغلت الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين استضافة كأس العالم لتحسين صورتها الدولية، بينما كانت البلاد تعيش واحدة من أكثر مراحلها قمعًا.

كما شهدت الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980، ثم في لوس أنجلوس عام 1984، مقاطعات متبادلة عكست انقسام العالم خلال الحرب الباردة، لتتحول الرياضة إلى امتداد للصراع الجيوسياسي. وفي مونديال 2026 لم تقتصر النقاشات على المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى قضايا حقوق الإنسان، والتعددية الثقافية، والعنصرية، والحروب، ومواقف بعض اللاعبين والمنتخبات من القضايا الإنسانية.

ولم تعد الجماهير تكتفي بتقييم الأداء الفني، بل أصبحت تراقب أيضًا الرسائل التي يحملها اللاعبون داخل الملعب وخارجه، وهو ما يعكس اتساع دور الرياضة باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية. ومهما اختلفت نتائج البطولات، والكرة مدورة كما يقول المعلقون الرياضيون، فإن الأسئلة التي تثيرها تبقى قائمة. فنتيجة المباراة قد تغير رواية المنتصر والخاسر، لكنها لا تغير القضايا الكبرى المتعلقة بالهوية والعدالة والإعلام والاقتصاد. فالرياضة لا تخلق هذه الأسئلة، بل تمنحها منصة عالمية يشاهدها مليارات البشر في اللحظة نفسها. واليوم، ومع الانتشار غير المسبوق لوسائل الإعلام التقليدية والرقمية، وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء شعبي مفتوح، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت مرآة تعكس تحولات النظام الدولي، ومختبرًا لفهم علاقة الثقافة بالسياسة، والاقتصاد بالهوية، والإعلام بالرأي العام.

ولذلك لم تعد قراءة كأس العالم تقتصر على النجوم والأهداف والإحصاءات والخطط التكتيكية، بل امتدت إلى قراءة المجتمع نفسه، بكل تناقضاته وآماله وصراعاته. لم تعد كأس العالم مجرد بطولة لكرة القدم، بل أصبحت إحدى ساحات هذا التنافس الرمزي؛ فكل منتخب يحمل معه تاريخ أمته، وذاكرتها الجماعية، وصورتها التي تريد تقديمها للعالم. ولم تعد الانتصارات تُقاس بعدد الأهداف وحدها، بل أيضًا بما تتركه من أثر ثقافي وإعلامي، وما تفتحه من نقاشات حول الهوية والعدالة والتنوع وحقوق الإنسان.وفي حين تتراجع هيمنة الجيوش، وتتقدم هيمنة الأسواق، والشركات العالمية، ومنصات الإعلام، وصناعة الترفيه، والرياضة الاحترافية، حتى أصبحت المنافسة على النفوذ تُخاض عبر العقول والذوق العام والرأي العام العالمي أكثر مما تُخاض عبر ساحات القتال.

وفي المقابل، منحت الثورة الرقمية الشعوب قدرة غير مسبوقة على مساءلة هذه الهيمنة وكشف تناقضاتها، فلم يعد احتكار الرواية ممكنًا كما كان في الماضي. ولعل هذه هي الرسالة التي نؤكدها في مبناها ومعناها: أن كرة القدم، مثلها مثل الأدب والفن وسائر تجليات الثقافة، أصبحت لغة عالمية تكشف ما تحاول السياسة أحيانًا إخفاءه، وأن المستطيل الأخضر لم يعد مجرد ملعب تُركل الكرة داخله، بل فضاءً تتقاطع فيه الحضارات والهويات والمصالح، حيث تتحول كل مباراة إلى فصل جديد في قصة الإنسان المعاصر. وربما لم يعد السؤال الأهم: من فاز بكأس العالم؟ بل: أي الأفكار والقيم والروايات انتصرت معه؟ وما شهدناه في مونديال 2026 قد لا يكون سوى بداية لتحولات أعمق في علاقة الرياضة بالسياسة والثقافة والنظام الدولي… وأول الرقص حنجلة.



#بسام_ابوطوق (هاشتاغ)       Bassam__Abutouk#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كنا نقرأ السياسة… صرنا نشخصن السياسة
- أندلسيات رحلة في الجغرافيا... وتأمل في مصير الحضارات
- الجنازة حامية والميت كلب .. عبثية الموت المجاني
- نداء الأنسنة: الثقافة كفعل -حياة- وبناء
- ما وراء الصواريخ والمُسيّرات: الاقتصاد يكتب سيناريو الحرب
- خارج قيود الاستبداد.. كيف استعاد السوريون أعيادهم الوطنية؟
- سيادة ‘الخارج’ وهشاشة ‘الداخل’: دروس السقوط من كاراكاس إلى ط ...
- سورية تتحرر.. الوطن ثابت والحكم متحول
- سيبقى فالنتين يقاوم الحيونة بالأنسنة
- سيف الإسلام القذافي: ضحية “شهوة السلطة” وفخ الغياب
- 8 ديسمبر 2024 سوريا تتحرر 18 يناير 2026 سوريا تتوحد
- ممداني.. اليوم خمر وغداً أمر
- عودة ترمب إلى الشرق الأوسط
- من غير المسموح لأردوغان التفريط بالفرصة التاريخية
- ايلون ماسك صانع الملوك.. الرجل الذي لاتتسع له الكواكب
- سورية..من تفاهة الشر إلى الدمار الشامل.. واقع البلد مفتوح عل ...
- لماذا خسرت هاريس وفاز ترامب ؟
- كلام في المناظرات الرئاسية للانتخابات الأمريكية
- مرشحة الصدفة تواجه مرشح الاصرار
- غزة الفلسطينية تقاوم الاحتلال وتبحث عن الحياة


المزيد.....




- ماذا نعرف عن اتفاقية التعاون الدفاعي بين الكويت وباكستان؟
- الحرس الثوري يعلن مهاجمة وتوقيف 3 سفن نفطية في مضيق هرمز
- الحشد الشعبي في نينوى: 8 قتلى و4 مصابين في استهداف مواقعنا ب ...
- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال- ...
- نتنياهو: أشكك في الاتفاق مع إيران وإذا هوجمنا سنرد بقوة هائل ...
- ما هو -قلب الجعة-؟.. طبيبة تكشف أخطر مضاعفات الإفراط في شربه ...
- كيف يغيّر النوم المضطرب طريقة عمل الدماغ؟
- -الفيبروميالجيا- ليست وهما.. اكتشاف يفسر سبب الآلام المزمنة ...
- تخوف من جر الولايات المتحدة إلى حرب أعمق مع إيران
- الولايات المتحدة وإيران تضغطان على مكابح الموت


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بسام ابوطوق - مونديال 2026… كرة القدم بين متعة الرياضة وأسئلة السياسة والثقافة