رياض هاني بهار
الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 13:26
المحور:
المجتمع المدني
تبدأ صناعة القرار الأمني الخاطئ أحيانا من تصور غير دقيق للخطر، فحين تستحوذ الهواجس الأمنية على تفكير المسؤول تصبح الشكوك أساسا للحكم وتفسر الوقائع بما ينسجم مع مخاوفه ثم تتخذ الإجراءات قبل اكتمال التحقق.
اليقظة ضرورة في العمل الأمني لكن الهاجس ينشأ حين تمنح احتمالات التهديد وزنا يتجاوز ما تسنده الأدلة، وعندها قد تعامل المعلومة الأولية كحقيقة والاحتمال كخطر مؤكد ويصبح غياب الدليل سببا لمزيد من الشك بدلا من مراجعة التقدير.
في جهاز الشرطة قد يظهر ذلك في تفسير شكوى المواطن على أنها استهداف ، والنقد المهني على أنه اعتراض على القيادة والمبادرة الجديدة على أنها مجازفة غير مأمونة، وبهذا تضيق مساحة الفهم وتتحول معالجة المشكلات إلى إجراءات احترازية قد تزيد تعقيدها دون أن تعالج أسبابها.
وتتعاظم المشكلة حين يتكيف المحيطون بالمسؤول مع مخاوفه فيقدمون التقارير التي تؤكدها ويحجبون المعلومات التي تدعو إلى التهدئة أو إعادة النظر، وقد تستخدم عبارات مثل «تحسبا لأي طارئ» و«لدواع أمنية» لتبرير قرارات دون بيان طبيعة الخطر أو احتمال وقوعه أو جدوى الإجراء المتخذ لمواجهته.
هنا تتشكل دائرة مغلقة تبدأ بالخوف ثم تنتج تقارير تعززه وتنتهي بقرارات تزيد الشعور بأن الخطر دائم، وقد ينشغل الجهاز بتهديدات ضعيفة الاحتمال بينما تتراجع معالجة الجرائم والمشكلات اليومية التي يلمسها المواطن، كما قد يفسر هدوء الأوضاع بأنه نتيجة حتمية لكل إجراء اتخذ دون تقييم الحاجة إليه أو أثره الفعلي.
وفي الواقع العراقي يمكن أن تترك التجارب الأمنية القاسية أثرا عميقا في تقديرات القيادات، والإفادة من هذه التجارب تقتضي دراسة ظروفها ومؤشراتها ومقارنتها بالحاضر فاستمرار التعامل مع كل موقف بعقلية الأزمة يضعف القدرة على ملاحظة التغير ويكرس إجراءات تجاوزت مبرراتها.
تتطلب صناعة القرار السليم الفصل بين المعلومة والاستنتاج والافتراض وتحديد درجة موثوقية المصادر وفحص التفسيرات البديلة، وتتطلب أيضا أن تسأل القيادة عما قد يثبت خطأ تقديرها وأن تتيح للرأي المهني المخالف فرصة الوصول إليها وأن تراجع الإجراءات في ضوء نتائجها.
إن كفاءة القائد الأمني تقاس بقدرته على تقدير الخطر بحجمه الحقيقي واتخاذ إجراء متناسب معه، فحين تتحول المخاوف إلى حقائق في ذهن المسؤول تصبح قراراته استجابة لما يتصوره وقد يتحمل المواطن والمؤسسة كلفة هذا التصور.
الخلاصة
الأمن يحتاج إلى عقل يقظ يرى الواقع بوضوح ويملك شجاعة مراجعة تقديراته قبل أن يحولها إلى قرارات.
#رياض_هاني_بهار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟