محمد حسين صبيح كبة
الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 08:10
المحور:
كتابات ساخرة
قصة قصيرة من بطولة مخيمر وهريدي
حكاية من الخيال القانوني
عن حادثة اصطدام
الفصل الأول
كان فلان من الناس يقود سيارته الصغيرة نوعا ما على الطريق الخارجي، قبل أن يكون هناك طريق أوتوستراد أو سريع يمنع فيه أي بشري من أن يكون فيه، فإذا به يشاهد شخصا مرميا تقريبا على وسط الشارع والسيارات تمر منه وتسرع دون أن تتوقف.
لم يستطع الرجل من مخالفة ضميره فتوقف ونزل من السيارة وساعد الشخص على الصعود لسيارته وذهب به إلى اقرب مستشفى.
ولما تم إدخال المصاب إلى غرفة العمليات قام المعني بمحاولة الخروج من المستشفى على إعتبار أن مهمته قد أنتهت فإذا به يجد رجل شرطة يقترب منه قائلا له بهمس أن عليه أن ينتظر فهو شبه موقوف لحين معرفة ما جرى بالضبط.
ولما شرح الرجل ما حدث وكيف أنه وجد المصاب أمامه في الطريق أجابه الشرطي أن هذه قصته هو وعليهم أن ينتظروا الرجل المصاب المصدوم ليفيق من إغماءته لكي يدلي بأقواله وبعدها يسمح أو لا يسمح للرجل بأن يذهب لحال سبيله أو لا.
أحس الرجل بالرعب. ماذا لو توفي الرجل ومن سينقذه من هذه الورطة.
هنا فهم لماذا كانت أغلب السيارات تمر من أمام المصدوم دون أن تتوقف. يبدو أن لديهم حسا أمنيا عاليا جعلهم لا يتوقفون.
بعد قليل جاءت الممرضة لتعلن له وللشرطي وفاة المصاب.
الفصل الثاني
بدأت تحقيقات الشرطة في الموضوع وتم وضع الرجل المعني في التوقيف.
حاولت الشرطة الاتصال بأي قريب أو من يعرف المتوفي في القرية المجاورة للحادثة من جهة اليسار أو اليمين فتبين أنه من القرية التي من جهة اليسار. ولما حققت الشرطة أكثر إكتشفت أن جماعة عديدة من أهل القرية يشهدون ويقسمون أغلظ الأيمان أنهم شاهدوا السيارة الصغيرة وهي تصدم الرجل وكيف نزل السائق وأخذ المصدوم في سيارته.
هنا أسقط بيد الشرطة.
إذ رغم علمهم بصدق سائق السيارة ورغم عدم وجود أية إصابة أو أي دم على السيارة لكن الوقائع تثبت عكس ذلك.
وبهذا بدأت إجراءات محاكمة السائق باعتباره مستهترا في سياقته ومتهورا فيها عدا عن أمر الكذب على العدالة.
الفصل الثالث
عند إعادة شريط الأحداث عدة أيام للوراء بالذات في يوم الحادث نستطيع أن نرى مخيمر وهريدي وهما عاطلان من أهل القرية وهما يحلفان ويقسمان بأغلظ الأيمان أمام أهل القرية جميعا أنهما شاهدا السيارة الفلانية الصغيرة وفلان الذي يقودها وهي تصدم الرجل صاحبهم من القرية وكيف أن عليهم جميعا أن يشهدوا بالأمر لكي لا يضيع حق الرجل وفي حال وفاته حق الورثة في التعويض والدية من جهة والجزاء العادل من الجهة الأخرى.
وكيف أقتنع رجال ونساء القرية بالأمر.
ولهذا عندما تمت مساءلة أهل القرية عن الأمر أجاب أغلب رجالاتها ونسائها بأنهم فعلا شاهدوا أمر الاصطدام بل وأقسموا جميعا القسم واليمين الكاملين أنهم رأوا الحادثة بأم أعينهم بل أتفق الجميع على كيفية حصول الحادثة.
الفصل الرابع
إعادة لشريط الأحداث لساعات أخرى قبل أكثر من أعلاه
مخيمر يتحدث مع هريدي ويقسم له أغلظ الأيمان وأشد القسم أنه شاهد الأمر وأنه لن ينفع أن يكون لوحده فهذا قد يضيع حقوق المصاب وكيف أعطى لهريدي مبلغا وقدره خمسة جنيهات لكي يكون معه في سبيل الحق والأمر القويم.
وكيف أقتنع هريدي بالأمر وكيف أن عليهما الآن إقناع أهل القرية بالموضوع بدون أي دفع لمبلغ فهذا قد يعطي شعورا بأن الأمر غير ذلك.
الفصل الخامس
إعادة لشريط الأحداث لساعة واحدة أخرى أكثر
مخيمر يتحدث مع رجل معين وسيارته بها إصابة معينة من جهة معينة هي نفس جهة إصابة الرجل المصدوم والرجل يقول له سأعطيك هذه المائة جنيه وحاول أن تفعل ما يجب لكي تبعد عني الأمر فالرجل المصدوم هو سبب الحادثة حيث عبر بسرعة من الطريق ولم يكن بالإمكان تفادي الأمر.
وبعد أن أخذ مخيمر رقم هاتفه ورقم سيارته وبعد أن أخذ المائة جنيه سمح للرجل أن يمضي مسرعا.
الفصل السادس
نفس الشريط أعلاه.
مخيمر ينتظر في المكان مختبئا ويشاهد السيارات وهي تسير ولا تتوقف حتى شاهد سيارة المسكين وهي تتوقف لإنقاذ المصاب وأخذه في سيارته.
مخيمر يأخذ رقم السيارة بسرعة ولونها ونوعها ويمضي مسرعا لملاقاة صاحبه الصغير العاطل مثله عن العمل هريدي.
وهو في طريقه لملاقاة هريدي كان يحاول تذكر أمر السيارة الأولى على بعد معين وكيف أن الشخص أتى ليحكي مع مخيمر بعض الحديث ويعطيه بعض المال ومخيمر يؤكد له أنه لا يعرفه ولكنه سيقوم بالواجب.
ورغم ذلك يفكر مخيمر مليا هل عليه أن يتصل بالشخص المعني بعد فترة أم يبلعها ولا يأخذ سوى ما أعطاه الرجل إياه من مال ويكتفي بذلك بدلا من ابتزاز الرجل وحراجة ذلك الأمر إذ قد يكون الرجل متنفذا فيبعث وراءه من يعطيه درسا أو يأخذ عمره أصلا.
الفصل السابع
المحكمة تحكم بالدية والتعويض من جهة وبسجن فلان لسنوات عديدة من جهة أخرى باعتبار كذبه أمام المحكمة وباعتبار سياقته المتهورة وسحب رخصة السياقة منه رغم أن فلانا أقسم أمام المحكمة أنه لم يكن من صدم الشخص بل أوقف سيارته بعد أن شاهد الضحية ملقى على قارعة الطريق مع دمه وهو يتشعبط به.
وكيف أن المحكمة اضطرت لفعل كل ذلك بسبب عدم وجود كاميرات في هذا الطريق حيث كان أمر عدم وجود الكاميرات وقتذاك أمر اعتيادي وكذلك عدم الأخذ بنظر الاعتبارعدم وجود اية بقعة دم أو ضربة إصطدام على السيارة لكن القانون يأخذ بالظاهر وأهل القرية تقريبا كلهم قد أجمعوا أنهم رأوه وهو يصدم الشخص المتوفي من قريتهم.
الفصل الثامن
أهالي القرية يحتفلون بإحقاق الحق ويهنئون عائلة الرجل المصدوم المتوفي بحصولها على التعويض والدية وعلى العدالة المنتظرة.
هريدي ينظر إلى مخيمر على أنه بطل من الأبطال وأهالي القرية ينظرون إلى مخيمر وهريدي على أنهما من رجالات الحق.
مخيمر ينظر إلى نفسه على أنه رجل عملي وأنه قد سمح لنفسه بالحصول على بعض المال ورغم أنه مال حرام إلا أن الأمر لا بأس به.
الفصل التاسع والأخير
كانت هذه حكاية من الخيال القانوني حول البيت الشعري:
إنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيــــــتْ فإذا هموا ذهبتْ أخلاقُهمْ ذهبوا
قائل البيت أمير الشعراء أحمد شوقي، وهو يشدد على أن الأخلاق هي أساس بقاء الأمم وازدهارها، وأن انهيارها يعني زوالها.
المعنى: يربط الشاعر بين رفعة الأمم وحفاظها على أخلاقها، مؤكداً أن الأخلاق هي عماد الحضارة وأساس الاستقرار، فإذا فقدت الأمة أخلاقها، فقدت وجودها وهويتها.
الأبيات ذات الصلة: يكمل شوقي هذا المعنى قائلاً:
وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقهمْ فأقمْ عليهمْ مأتماً وعويـــــلا
الواضح أنه مع وجود إحتمال بأكثر من واحد بالمائة أن الرجل فعلا هو من صدم المسكين وأن الصدمة أدت للوفاة إلا أن هذا لا يعني عدم صحة الرواية في أمر التسعة والتسعين بالمائة الباقية بالذات أن الرجل اقسم أمام المحكمة أنه توقف للمساعدة بعد أن رأى الرجل ملقى على الطريق ومصاب.
وهكذا ولما كان القانون يأخذ بالظاهر فقد ربما حكمت المحكمة على الرجل قائد السيارة الذي توقف لمساعدة المصاب بأنه هو من صدمه ...
هنا تذكر مؤلف هذه الحكاية بهذا الاتجاه بيت شعر لسميح القاسم يقول فيه
فقهُ الجريمةِ أنّ الجريمةَ دومـــاً في النهايـــةْ تنحرُ نحرَ الجانـــي
أو شيء من هذا القبيل.
وأن الرب قال في كتابه الكريم: أنه يمهل ولا يهمل وأن الحق يعلوا ولا يعلى عليه.
وبقيات الأمور.
المصادر:
رواية قصيرة عن تقريبا نفس الموضوع لكن ليس بنفس اتجاهات الأحداث.
وشكرا لحسن القراءة.
ــــــــــــــ نهاية البحث / المقال البدئية الأولية ــــــــــــــ
تمت مراجعة النص.
#محمد_حسين_صبيح_كبة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟